راي موقع السفينة
بعد سنوات طويلة من الحرب والانقسام، تبدو دمشق اليوم أمام فرصة حقيقية — وربما نادرة — لاستعادة دورها وموقعها الطبيعي في المنطقة. فبوادر الانفتاح العربي والدولي، والتغيّرات المتسارعة في الإقليم، تهيئ مناخًا يمكن أن يشكّل نقطة انطلاق جديدة نحو الاستقرار وإعادة البناء. لكن هذه الفرصة، مهما كانت مغرية، لن تكتمل ولن تثمر ما لم تُمنح للسوريين جميعًا فرصة المشاركة في بناء الدولة ومشروعها القادم.
الظروف الإقليمية الراهنة تحمل مزيجًا من الحذر والانفتاح: دول عربية تعود للتواصل مع دمشق، ومساعٍ دبلوماسية تهدف لإعادة إدماج سوريا في محيطها. غير أن هذا الانفتاح، مهما كان إيجابيًا، لا يمكن أن يكون بديلًا عن الشرعية الداخلية التي تُولد فقط من مشاركة المواطنين في صياغة مستقبلهم. فالدولة القوية لا تُبنى بالقرارات من فوق، بل بالتوافق من القاعدة إلى القمة.
إن إعادة بناء سوريا لا تعني ترميم الحجر فقط، بل ترميم الثقة بين السوريين أنفسهم. فالمجتمع الذي عاش سنوات من الألم والنزوح والانقسام يحتاج إلى مساحة آمنة للتعبير والمشاركة، كي يشعر كل فرد بأنه جزء من الحل لا مجرد متفرّج عليه. المصالحة الوطنية الشاملة ليست خيارًا تجميليًا، بل ضرورة تاريخية لبقاء الدولة.
الفرصة أمام دمشق اليوم تكمن في أن تتحول من مركزٍ للقرار إلى منصةٍ للشراكة الوطنية. فكل إصلاح اقتصادي أو انفتاح سياسي سيبقى هشًّا إن لم يستند إلى توافقٍ مجتمعي يعيد تعريف العقد الوطني على أسسٍ جديدة من العدالة والمواطنة والمساواة في الحقوق والواجبات.
ولعلّ التحدي الأكبر أمام الدولة السورية في هذه المرحلة هو كيفية الانتقال من إدارة الأزمة إلى بناء المستقبل. وهذا التحول لا يتم إلا عبر إشراك جميع السوريين، داخل البلاد وخارجها، في صياغة رؤية مشتركة تُعيد الثقة بالوطن وتُعيد للوطن مكانته.
الفرصة أمام دمشق مفتوحة حقًا، لكن الزمن لا ينتظر كثيرًا. ما سيحسم الأمر هو مدى استعداد الدولة لفتح الأبواب أمام كل السوريين، ليكونوا شركاء في إعادة البناء لا مجرد متلقين للقرارات. فالوطن الذي ينهض من محنته، لا يمكن أن ينهض إلا بأيدي أبنائه جميعًا.