من الممكن ألا تكون السيرة كما هو متعارف عليه سرديةً، أو واقعيةً، مجردةً تنقل الواقع نقلًا خبريًا، وإنما أن تكون في خدمة الشعر، مطيعةً، مسكونةً برؤيتهِ. مثلًا، هذه الحادثة الواقعية: امرأةٌ من الجنوبِ العراقي ترتدي جوارب رجاليةً لتتقي الشتاء المنتشر في أرضية البيت الملساء، تنتهي من غسل الأواني وتذهب للتأكد من مجيء الماء عبر الأنبوب المتصل بشبكة الإسالة، والماء لا يصعد إلى الخزّان إلا بمعونة المضخة الكهربائية الصغيرة. هذا الحدث الواقعي تستطيع أن تقوده موهبة الشاعر المعتنى بها إلى السمواتِ الشعرية، الصافية، والعالية، بالإضافة الى اللغة الواقعية التي تخدم الشعريةِ فهنالك اللغة الشعرية نفسها بإشتراطاتها. اللغتان تشكلان سيرة وهذا يتجلى في مجموعة “بلاد الثلاثاء” للشاعر خالد سليمان الناصري، الفلسطيني، وهو بالإضافة إلى كونه شاعرًا، مصممَ غرافيك، ومخرجًا سينمائيًا. لا أدري من الذي قال إن يوم الثلاثاء هو يوم يدل على التشاؤم، أو بالأحرى يوم لا راحة فيه. هذا اليوم في هذه المجموعة ِهو يوم استثنائي مع ما تشمله الاستثنائية من رائحة التشاؤم ومشاكستها من قبل عطر الأمل. هذا اليوم هو الكلمة الأولى في هذه السيّر التي تتقاطع في ما بينها، يأتي في المتن أيضًا. في قصيدة (في منتصف الصحراء) يقول الناصري:

(وفي تمام الساعة الرابعة إلا ربعًا، فجرًا، في يوم الثلاثاء الموافق للثامن عشر من شهر أيلول، سنة ألفٍ وتسعمائة ٍوتسعةٍ وسبعين، حدث ما يلي:
ولدَ خالد
……..
……….)
هذه القصيدة هي سيرة الناصري المغترب، المعذب والطموح تبدأ قبل ولادته حيث الصحراء، وليس في الصحراء سوى خيمة، وعمود مكسور، والوطن لا يستطيع أن يقدم مهدًا للطفل مصنوعًا من خشب الغابات المنتشرة حول المنازل، التي من المفترض أن تكون فارغةً من الوحش الآدمي. هذا الوطن مسكون ببيت الوالد المغتصب، وعلى جراحاته تتكوّم أغصان الزيتون الخضراء، المكسّرة والمحترقة (المشوية). هذا يذكرني بقول شاعر شعبي من الجنوب العراقي (وهو ثويني الّ علي): (مثل عود الخضر بالنار ينحاط/ كتر دمعه وكتر ناره سرّيه) والمعنى أن الغصن الأخضر حين (ينحاط) أيّ تحيطه النار وتحفر فيه فيكون (كتر) وهي كلمة عامية عراقية وتعني أحد طرفيّ الغصن يهطل ماءً أو دمعًا (والكتر الآخر) أيّ الطرف الثاني من الغصن (ناره سرّية) أيّ تسري به النار وتفتك به بهدوءٍ وقسوةٍ، هذه هي حال الحطب الأخضر الذي لم ييبَس بعد. كان الوطن أغنيةً/ مرثيةً تدور في الذاكرة المقلية بزيت السم في جحيم الغربة.
(يوم الثلاثاء 2007) هو عنوان القصيدة الخامسة. وفي هذه القصيدة سيرة المسافر الذي لا يعود، سيرة الوداع. هل المسافر يودع وطنه الأصلي أم يودع الوطن الذي التجأ إليه؟ وصار مغسولًا بالدم في الحمّام المعًد أصلًا للأعراس والأناقة تأهبًا ليوم يكون أول أيام العيد. السيرة في هذه القصيدة القصيرة هي ملحمةٌ. القصيدة السادسة في المجموعة (يوم الثلاثاء 2009) وهي قصيدة قصيرة، وملحمة أيضًا. ما أكثر الدم الحار!!!…. هذا الدم الساخن يطلي رأسَ إبرة البوصلة التي تحاول أن تكون دليلًا للمغترب، المفروكة ملابسه بالدم بدلًا من العطر، ومسحوق الغسيل.

قصيدة أخرى عنوانها (على قبر بودلير) هي سيرة الشاعر الذي يحاول أن يجد ماءَ لزهرات شاهدهّن في فضاءِ الغرفةِ عطشات، وراح يبكي من أجلهّن، وتمنى أن يفهمه أحدٌ، ولم يجد من يفهمه، وظل يبكي حتى عندما امتدت به السنوات كثيرًا، ظل يحاول أن يجد ماءً والماء موجود في كلمات القصيدة المختنقة، المتعسرة في بوابة الرحم الشعري، ولذلك راح يصلي أمام قبر بودلير ويجد نفسه يتمشى في قصيدته المعنونة (مباركة)، ومحاصر بمصائبٍ أكثر من الشخصية الموجودة في القصيدة التي كتبها بودلير نفسه، ولابد للشاعر الناصري أن يكتب قصيدةً تكون متنفّسًا له، غزليةً، ومرثية ًفي الوقت ذاته، لذلك بعد الصلاة في حضرة الشاعر الفرنسي يجد الشعر في النبيذ الرخيص، وعيون المشردين، والورود الذابلة، ويحاول أن يقبض عليه وربما لا يستطيع…. ولكن لا بأس ثمة وقت شاسع للكتابة، وصناعة القصيدة المطر/ النهر من أجل الزهرات اللاتي يختصرن عالم الإنسانية والحرية الأسمى.
القصيدة الثامنة في المجموعة وعنوانها (قصيدة سوداء) من الممكن أن تكون سيرة السائح الحزين، اليتيم، الأرمل، رغم كرات الثلج التي يتزحلق فوقها، يكتب بدم العصفور قصيدة حمراء، سوداء وهو يقبض على الشعر بالنهاية.
القصيدة التاسعة سيرة الموت المختص بالطفل حمزة الخطيب، لم يكن الخبر في القصيدة تقريريًا بقدر ما هو شعري يقول الناصري: (… نشر مقطع فيديو، يظهر جثة حمزة الخطيب من مدينة درعا السورية، وقد تعرضت للتشويه. كانت الجثة منتفخةً رغم وجود العديد من الثقوب، وكان عضوها مقلوعًا). الأمر نفسه يتعلق بسيرة الموت المخصص بالمطرب إبراهيم القاشوش (… عثر على جثة المغني إبراهيم القاشوش مرميّةً في نهر العاصي السوري، كانت الجثة منتفخةً رغم وجود ثقب كبير في الرقبة، وكانت حنجرة المغني مقلوعةَ). يستمر الخبر الشعري في قصيدة (بلاد الثلاثاء/ احتمالاتٌ لسقوط قذيقة) هنا سيرة التأهب للموت الذي يأتي ملفوفًا بغيمة الدخان، سيرة القذيفة التي تخطئ هدفها، لكن تصيب الهدف المطلوب بطريقة أخرى. مقطع من القصيدة (كان طفل على سطح البيت يحلم بأن يصبح كخاله حين يكبر… ولكن، حدث أن النيزك كان قذيفة أصابت بيت الخال. وبعد سؤال مطلقي القذيفة، تبيّن أن القذيفة كانت أخطأت هدفها، وأن هدفها كان حلم الطفل). في الفصل الثالث نصوص على هامش المجزرة، هنالك  قصيدة مهداة إلى الشاعر العراقي أحمد عبد الحسين تتجلى فيها سيرة المتصوّف، الشحاذ، القديس أمام الباب المغلق، والمصباح المطفأ، وباب الأمل، ومصباح الأمل والمتصوف هو نفسه المغترب المصاب بطلقةٍ من مغتصب الدار، المشرد نفسه، ومنتظر أجنحة القصيدة، بالإضافة الى هذه القصيدة تأتي قصيدة (المرجومة) المهداة إلى سكينة أشتياني، هذه المرجومة هي رمزٌ للمواطن الذي عشق منزله وتعرض للرمي بالحجارة، وهي حجارة أخرى معروفة، وفتاكة، رمزٌ الشاعر الظمآن، المرجوم لأنه عشق نهرًا يجري في قصيدته، رمزٌ للطفل الذي منحوه رصاصة ًبدل الدمية، رمزٌ للمغني الذي اقتلعوا حنجرته كي لا يملك نافذةً.

إحالات:
(*) “بلاد الثلاثاء”: كتاب شعري صدر عن دار المدى عام 2020 للشاعر خالد سليمان الناصري.
(*) “مباركة”: قصيدة كتبها الشاعر بودلير وقام الناصري يتوظيفها والتماهي والاختلاف معها في قصيدته “على قبر بودلير”.