في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وبالتزامن مع تنفيذ حركة “حماس عملية “الاقصى “، قررت بعضالشركات العالمية الكبرى الخروج عن حال الصمت وإعلان موقفها من تلك العملية، وعلى إثرها أرسل مسؤولون تنفيذيون في شركات مثل “غولدمان ساكس” و”غوغل” بريداً إلكترونيا إلى الموظفين لإبداء تعاطفهم مع “الضحايا”.

ومع تنفيذ الجيش الإسرائيلي هجمات واسعة على قطاع غزة في إطار محاولته لاجتياحه برياً ووقوع قتلى كثر من المدنيين الفلسطينيين، عاد الحديث عن مواقف الشركات من الصراعات وانقسمت الآراء حول المعايير التي يجب أن تلتزمها الشركات في تعاطيها مع القضايا السياسية والمجتمعية ما بين فريق يرى ضرورة الصمت وآخر يعتبر فيها إعلاناً للهوية.

تأثير التحيز في الشركات

ووفق الخبير الاقتصادي رشاد عبده فإن الشركات العالمية الكبرى يجب أن تتوقف عن إعلان مواقفها في القضايا السياسية والمسائل المتعلقة بالحروب، والتركيز على الهدف الرئيس المتمثل في تحقيق الربحية، بخاصة أنها مشاريع اقتصادية، ومن الأنسب لها الابتعاد من الجوانب السياسية أو الاجتماعية.

وقال عبده إن بعض هذه الشركات أعلن موقفه في حرب غزة وقدم دعماً لإسرائيل، مما أدى إلى إطلاق حملات مقاطعة ضد هذه الشركات من الداعمين لغزة، مشدداً على أن عدم الإعلان عن التحيز لأحد أطراف النزاع يجنّب المؤسسات والشركات الدخول في أزمات أو خسارة عملاء، وأشار إلى مشكلة رئيسة تكمن في أن مثل هذه القضايا تستلزم وجود طرف مؤيد وآخر معارض، لذا فإن التطرق إليها وإعلان الموقف يؤدي إلى خسارة الشركة أحد الطرفين مما قد يؤثر فيها اقتصادياً.

ومن الأمثلة على تأثر الشركات بمواقفها من الحروب إعلان وزير الخارجية البريطاني جيمس كليفرلي في أغسطس (آب) الماضي 22 عقوبة جديدة على مجموعة من الأفراد والشركات خارج روسيا لدعمها الحرب الروسية في أوكرانيا، إضافة إلى ثلاث شركات روسية تستورد الإلكترونيات الحيوية للمعدات العسكرية الروسية المستخدمة في ساحة المعركة.

احترام اختلاف توجهات الموظفين

ورأى استشاري تكنولوجيا المعلومات والتحول الرقمي المهندس محمد الحارثي الذي يدير إحدى الشركات المتخصصة في تكنولوجيا المعلومات، أن الشركات متعددة الجنسيات يجب ألا تفرض مواقف معينة على موظفيها أثناء الحروب، نظراً إلى اختلاف توجهات الموظفين، وكذلك يعمل تحت لوائها المسلم والمسيحي واليهودي، وعليه يجب احترام انتماءاتهم المختلفة.

وأضاف الحارثي أن بعض الشركات الكبرى أجبرت موظفيها على اتخاذ مواقف محددة، على رغم أن للموظف الحق في التعبير عن وجهة نظره في شأن القضايا المتعلقة بالسياسة أو الحروب بعد انتهاء ساعات العمل من دون تقييد، ويمكن له أيضاً الانحياز لأي طرف وفق انتمائه، ما دام أن ذلك يحدث بعد انقضاء ساعات عمله.

وتابع أن الشركات العربية المتخصصة في التكنولوجيا لا تتدخل بصورة كبيرة في الجوانب البعيدة من إطار العمل ولا تقحم نفسها في قضايا النزاعات. ومع ذلك، فهو يؤكد أنه يخصص جزءاً من وقت العمل والاجتماع بالموظفين داخل شركته للتشاور في سبل دعم غزة مع المحافظة على إطار العمل، مشدداً على أن الشركات المتعددة الجنسيات يجب أن تحترم الاختلاف في مواقف العاملين بها. أما في ما يتعلق بشركته، فإن جميع من يعمل بها مصريون ويتبنون وجهة النظر نفسها، وأشار إلى أنه قرر إلغاء جميع الأنشطة الترفيهية أو التسويقية احتراماً لمشاعر الفلسطينيين وتضامناً معهم.

إمبراطوريات تتحكم

الرئيس السابق لهيئة تنمية صناعة تكنولوجيا المعلومات “إيتيدا” المهندس عمرو محفوظ قال إن الشركات في أميركا عبارة عن إمبراطوريات، وعندما تتخذ مواقف فإنها تكون مؤثرة في الرأي العام العالمي مثل “فيسبوك” التي اتخذت في الأزمة الأخيرة موقفاً واضحاً بحذف المنشورات المؤيدة لفلسطين، ورأى أن الشركة عندما تكون كبرى وعالمية ولها نسبة استحواذ عالية لا يصح أن تؤثر مواقفها السياسية في المنتج الذي تقدمه، مشيراً إلى أن منصات مثل “غوغل” تستخدم من جميع شركات العالم، ومن المفترض أنها تعبر عن دولة ترفع شعار حرية الرأي (يقصد أميركا) ولا يصح اتخاذ مواقف وفرضها على العاملين أو المشتركين فيها لأنه أمر “مشين”.

 

ولفت محفوظ إلى أن عملية تأثر الشركات بالحروب تعتمد على حجمها في المقام الأول، معتبراً أنه حال اتخذت شركات في روسيا مواقف معادية لأميركا، فإن الغرب يقاطع منتجاتها، وتابع “سطوة الغرب والولايات المتحدة تحديداً على شركات التكنولوجيا تجعل المواقف التي تتخذها مؤثرة”.

خسائر اقتصادية

وتتماشى التصريحات السابقة مع تحليل صحيفة “فايننشال تايمز” الذي أشار إلى تسجيل شركات أوروبا خسائر مباشرة بسبب انسحابها من السوق الروسية عقب انطلاق العملية العسكرية الروسية الخاصة في أوكرانيا عام 2022، وسجلت نحو 176 شركة انخفاضاً في قيمة الأصول والكلف المرتبطة بصرف العملات، وقطعت شركات عالمية عدة علاقاتها مع روسيا عقب العمليات العسكرية في فبراير (شباط) 2022.

ويعود الرئيس السابق لهيئة تنمية صناعة تكنولوجيا المعلومات “إيتيدا” ليؤكد أنه من الممكن أن تتخذ بعض الشركات مواقف وتلزم موظفيها بحكم أن دولتها في صراع، بدواعي الوطنية، لكن لا يمكن أن نتفهم أن تعلن شركات مواقفها في صراعات بعيدة منها ولا تعنيها، وتنحاز وتفرض آراءها على المستخدمين لمنتجاتها.

وفي ما يتعلق بالشركات العربية الكبرى ومواقفها من الحروب، رأى محفوظ أن الشركات المؤثرة منها التي تنتشر في بلدان عدة تنأى بنفسها عن الدخول في الصراعات سواء إقليمياً أو عالمياً، مشيراً إلى وجود مواقف معينة مرتبطة بالهوية مثلما طلبت وزارة الاتصالات المصرية من الشركات العاملة داخل مصر إنشاء محطات على الحدود ليستفيد منها أبناء غزة عندما انقطعت الاتصالات عن القطاع، واستجابت لها الشركات بصورة تدريجية.

وأثناء القصف الإسرائيلي على غزة وانقطاع خدمة الاتصالات، أكدت شركات اتصالات عاملة في السوق المصرية استعدادها لتوفير تلك الخدمة لسكان غزة، وأعلن رئيس لجنة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات في مجلس النواب المصري أحمد بدوي في تصريحات برلمانية أن الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات يعمل بالتنسيق مع شركات خدمات الاتصالات لتقوية بث شبكات الاتصالات قرب معبر رفح لمساعدة سكان غزة في التواصل مع العالم الخارجي.

من جهته، رأى الرئيس الأسبق للشركة المصرية لإدارة وتشغيل مترو الأنفاق علي حسين أن الشركات التي تهتم بالإنتاج أو المتخصصة في مجال النقل إذا دخلت في قضايا سياسية وأعلنت موقفها من الحروب والصراعات فالأمر سيؤثر بالتبعية في الموظفين وسير العمل، ومن الأفضل لها أن تتجنب هذه القضايا. وأضاف أن الشركات متعددة الجنسيات يجب أن تحترم انتماءات وميول جميع العاملين فيها حتى لا تتوتر أجواء العمل وتزداد الخلافات داخله.