الممثل الإيرلندي – الألماني مايكل فاسبندر (مواقع التواصل)

يقول المخرج الأميركي دفيد فنيشر “يبدو كل شيء بسيطاً جداً على الورق حتى إخراج الكاميرا من الصندوق”، لكن الأمور مختلفة في فيلمه الجديد “القاتل” (The Killer)، إذ يتحول الصياد فجأة إلى فريسة ويهرب القاتل من القتل الذي كان يمارسه.

إذا كنت ترغب في أن تكون قاتلا محترفا  أو مأجوراً، فعليك متابعة المشهد الأول من الفيلم بدقة وتسجيل الملاحظات التي يدلي بها بطل الفيلم (مايكل فاسبندر) الذي لا اسم له. في هذا المشهد الطويل، يقدم فاسبندر، تعليمات مهمة حول هذه المهنة، كأنها دستور يجب التزامه للنجاح. يتحدث بصوت هادئ وطبقة منخفضة، لا تميّز فيها ما يشعر به. فيقول “إذا كنت عاجزاً عن تحمل الملل، فأنت لست أهلاً لهذا العمل”، أن “تصغي لنفسك ولا تدع أي شيء آخر يعترض طريقك”. ويتابع تلاوة وصاياه على المشاهد، مستعيناً بموسيقى في أذنيه تفصله عن العالم. ثم يمارس في هذا المشهد، طقوس ما قبل الحدث، فينظف أسنانه من دون ترك أي أثر لحمضه النووي، أو شعرة تسقط من رأسه. يمارس اليوغا، ينام قليلاً، يتقلّب، يستيقط، يعود للنوم مجدداً، إلى أن تأتي الساعة.

التجهيزات

يسحب بندقيته، يجهزها، بعدما بدا عليه أنه نفسياً جاهز للقتل، وخلال كل ذلك، لا يتوقف عن إعطاء التعليمات لهذه المهنة، كأنه “حكواتي القتل”.

يصوّب مايكل فاسبندر قناصته صوب الهدف الباريسي. رجل أعمال لا نعرف عنه شيئاً، ولا يهتم القاتل بمعرفة أي شيء عنه. يقيس نبض قلبه، إذ كما يقول يجب ألا يتجاوز معدل النبض 60 في الدقيقة للمحافظة عل التركيز والهدوء. وقبل أن يطلق الرصاصة على الضحية، يرمي لنا آخر تعليماته “تجنب في الأقل أن يسهل تذكرك”، وهذا صعب في عالم حديث مليء بالكاميرات والمراقبة.

المفارقة أنه وبعد كل هذه التعليمات والتحضيرات، يخطئ مايكل فاسبندر الهدف، وتصيب الرصاصة الفتاة التي كانت مع الرجل، ومن هنا يأخذ الفيلم منحى آخر، ننتقل من فلسفة القتل والمبادئ، إلى مشاهد المطاردة والاغتيالات والعنف والدموية.

وهذا ما يميز أعمال فينشر، إذ يتابع في “القاتل” ما بدأه في “Gone Girl” و”Seven” وFight Club”. أعمال فيها غموض، وكثير من المشاهد الدموية، مع وجوه تصعب ملاحظتها، وإضاءة منخفضة تزيد من غموض المشاهد، إلى جانب تطعيم ذلك بالذكريات.

القصة

بعد فشل المهمة، يصبح القاتل هدفاً لمأجوريه. يسبقونه إلى مخبئه ويعذبون صديقته التي يجدها غارقة في دمها، فيقرر الانتقام له ولها. ينتقل من بلد إلى آخر، بحثاً عمن فعلوا ذلك بالشخص القريب منه. فيقرر قتل الجميع بطرق مختلفة ووحشية، لكن بالأناقة التي تكلم عنها في بداية الفيلم والإصرار على التزام الخطة من دون عواطف.

اللافت في العمل، قوة أداء الشخصية الرئيسة وإخراج مشاهد “الاكشن ” بصورة مثالية، لكن ثمة نقصاً ما. ما الهدف من هذه القصة، ماذا يريد المخرج إيصاله إلى المشاهد؟ ثمة أسئلة عالقة بلا إجابات، ثمة كثير من الأعمال التي تناولت القتلة المأجورين مع كثير من التفاصيل، وثمة تشابه كبير ما بين هذه الأفلام، من حيث القيمة الفنية، لكن كان بعضها يتناول قضية ما، على عكس فيلم “القاتل”.

مايكل فاسبندر

اللافت في الممثل الإيرلندي- الألماني أنه توقف عن التمثيل عام 2017، و”هاجر” إلى قيادة سيارات السباق، إذ التحق أولاً ببطولة “تحدي فيراري”، ومن ثم بطولة سلسلة لومان الأوروبية، ليضع بذلك مسيرته السينمائية جانباً، بعدما حقق نجاحات كبيرة في أفلام رائجة مثل “إكس-مان” وأفلام فنية مثل “الجوع” Hunger و”عبد لـ 12 عاماً” Twelve years a slave.

ويشكل “القاتل” عودته مجدداً للسينما، إذ قدم أداء حركياً لافتاً وقوة في الايحاءات والهدوء، وكشف فاسنبدر في تصريحات صحافية عن أنه قرأ كثيراً عن القتلة الحقيقيين لبناء الشخصية، قائلاً “فقط كنت أحاول فهم عقل الشخصية الاجتماعية المنحرفة”.

في سياق متصل، كشف مخرج الفيلم سراً مهماً عن بطل فيلمه مايكل فاسبندر وأدائه لشخصية القاتل المأجور المتسلسل الذي لا يملك قلباً، ولفت في تصريحات صحافية إلى أن مايكل فاسبندر “لم يرمش ولو رمشة واحدة بعينيه خلال تصوير مشاهد الفيلم بأكمله، وهو أمر ليس هيناً، وقدرات يمتلكها ممثلون محدودون، منهم البريطاني دانيبل كرنغ ممن لديهم هذه الهبة كممثلين، إلى جانب قدر كبير من الانضباط في تجسيد شخصياتهم، بخاصة حين يتعلق الأمر بأدوار الأكشن”.

يذكر أن المخرج الأميركي ديفيد فينشر ولد عام 1962 في مدينة دنفر بولاية كولورادو، ومنذ عام 1981 بدأ العمل ضمن شركات الإنتاج الفني، وعمل على إنتاج عدد من الإعلانات التلفزيونية ومقاطع الفيديو الموسيقية.

وعام 1987 أسس شركة “بروباغندا” مع عدد من زملائه المخرجين، وأخرج إعلانات تلفزيونية لأشهر العلامات التجارية مثل كوكا كولا وبيبسي وليفايز وشانيل، وكذلك أخرج مقاطع فيديو لمغنين كبار أمثال مادونا وستينغ ستونز ومايكل جاكسون وجورج مايكل وغيرهم.