ملخص
يدأب المخرج الإسباني الشهير بيدرو ألمودوفار على كتابة القصة وقد أصدر ثلاثة كتب سردية وقصصية، ويستعد الآن لإصدار أول رواية طويلة له بعنوان “الرجل الذي لم يكن يكتب إلا في الطائرات”. في العام 1981 أصدر رواية قصيرة بعنوان “نار في الأحشاء”، ثم مجموعة قصصية عام 1991 عنوانها “فينوس في لافابو: باتي ديفوسا ونصوص أخرى”، ثم المجموعة القصصية “الحلم الأخير” عام 2023، ووصفها بأنها أقرب سيرة ذاتية مجزأة.
وله أيضاً كتب منشورة تضم سيناريوهات أفلامه، إضافة إلى كتب حوارية وأرشيفية، لكنها لا تُعدّ أعمالاً أدبية مستقلة بالمعنى نفسه.
تحكي رواية ألمودوفار “الرجل الذي لم يكن يكتب إلا في الطائرات”El hombre que solo escribía en los aviones التي بدأت الصاحفة العالمية ترحب بها، عن رجل متعدد المواهب، يعمل في مجال التمثيل، إلى أن يقرر ذات يوم أن ينذر نفسه لموهبة قديمة لم يصرح عنها من قبل هي كتابة الرواية. ويفضل بطل الرواية أن يكتب خلال رحلاته الجوية، على متن الطائرات، وفي هذا إسقاط على ألمودوفار نفسه الذي يقول إنه كتب بعض أفضل سيناريوات أفلامه في الجو.
الرواية المنتظرة في الأوساط السينمائية الأوروبية قبل الأدبية، هي العمل الأدبي الجديد للمخرج الشهير، بعد أن أصدر كتابه الأول “الحلم الأخير” عام 2023، وترجم إلى لغات عدة من بينها الفرنسية تحت عنوان “الحلم الأخير”. جاءت الترجمة بتوقيع الكاتبة والمترجمة آن بلانتجنيه عن “دار نشر فلاماريون” في باريس عام 2024. والكتاب الذي جمع آنذاك نصوصاً سردية بعضها قصصي، وبعضها الآخر ينتمي إلى التخييل الذاتي وكذلك مقالات وذكريات، يمكن التعامل معه بوصفه مُفكّرة شخصية للمخرج السينمائي الذي يغلب على أسلوبه الوصف التقريري السريع المميز للسيناريوهات، كأنما يرى صورة في خياله يريد أن يقتنصها قبل أن تزول، أكثر من التأمل الأدبي واللغوي المشبع.
مزج الواقع بالخيال
يقول ألمودوفار إنه يرفض كتابة سيرته الذاتية، ولو أن يُملي على كاتب متخصص ما يريد أن يسجله عن حياته، كما يصر على أنه “لم يحمل في حياته دفتر يوميات”، غير أن بعض نصوص كتابه “الحلم الأخير” تحمل طابعاً شخصياً يومياتياً بحسب اعترافه الشخصي، من بينها نصّه الذي يحمل عنوان الكتاب عن لقاء الوداع مع والدته قبل وفاتها، وما يتصور أنه الحلم الأخير الذي رأته في غرفة العناية المركزة. ويقول ألمودوفار إن “الأمهات دائماً على حق” وإن الفضل يعود لأمه في تعليمه حتمية الخيال لاستكمال الواقع الجاف، هي التي كانت بصفتها المتعلمة الوحيدة في القرية، تقرأ الخطابات على أهالي الحيّ من أقاربهم المسافرين، لكن بإضافة عبارات كاملة تعبّر عن الحب وتشدد على الوفاء والوحشة من دون الأحباء، عبارات افتقدتها الخطابات الأصلية.
الهدف بالنسبة إلى الأم من وراء هذا الاختلاق الطيب، كان تجميل واقع الناس الذين يعانون وينتظرون من ذويهم الأخبار السعيدة إضافة إلى الكلمات الحانية. ويعود ألمودوفار للفكرة نفسها، مزج الخيال بالواقع، في نصه الطويل نسبياً “كثير من التغييرات في النوع” ليروي كيف كان يتلقى الأعمال الأدبية الفاتنة لكبار كتّاب أوروبا ويعيد العمل عليها إلى حد الخروج أحياناً بقصص مُغايرة تماماً. ويحكي في هذا النص عن رفيق بعينه هو ليون، يدخل السارد في علاقة عاطفية مضطربة معه تستغرق أعواماً، ويدفعه خلالها إلى إجراء مزيد من التغييرات على الأعمال الأدبية، ليتمكن من تأديتها هو كممثل، ومن دون الاضطرار إلى شراء حقوقها الأدبية. ومن بين التغييرات التي يجريها الكاتب تغيير جنس الشخصية الرئيسة في المسرحية الشهيرة “عربة اسمها الرغبة” للكاتب تينيسي ويليامز، من امرأة هشّة إلى شاب مغوٍ ومتلاعب يؤديه ليون ويحقق به نجاحاً فنياً غير متوقع.
النص الذي لا يستقر على نبرة بين التدوين اليومي والقصّ والتخييل الذاتي، يرسم صورة لألمودوفار عاشقاً متحمساً مخلصاً، يتنازل باستمرار لإسعاد الآخر، وهو مفتون أبداً بالجسد الذكوري متسامحاً مع اندفاعاته ونزواته. وهي ثيمة ستتكرر في كتابات أخرى من بينها قصة “ليلة العيد المريرة” النص الذي يرويه على لسان امرأة، هي آمبارو، مخرجة إعلانات تواجه للمرة الأولى أعراض نوبة الهلع، ويرافقها إلى طوارئ المستشفى “بو” الشاب الجميل المتعاطف الذي يسهر على راحتها بإخلاص، ونستشف أنه طبقياً وثقافياً ليس نداً لها، بالتالي ليس مصدراً للقلق، على النقيض من ليون الذي عدّ الزيارات الليلية إلى المستشفى مع الراوي فرصة لرؤية عوالم أخرى من شأنها أن تُثري منابع إلهامه الفنية. وبقدر ما يتسم بو بالتواضع إلى حد أنه يقبل بمجرد دوره الجمالي في قصة ألمودوفار أي ليس كمركز للسرد (مع أنه يصعب تحديد نقطة ارتكاز لنصوص ألمودوفار على أية حال)، بقدر ما تتضخم الأنا عند ليون، وتبتلع نص ألمودوفار وحياة الراوي الفنية على السواء، ولا تروي مع ذلك ظمأ المحبوب النرجسي إلى الشهرة والنجاح.
سرقات أدبية
يقول ألمودوفار إنه كتب قصته “حياة وموت ميغيل” بين عامي 1967 و1970، ثم حين ظهر فيلم “الحالة الغريبة لبنجامين بوتون” عام 2008 خال أنه تعرض لسرقة أدبية. والقصة “مَحكية بالعكس” كما يصف، عن زمن يعود للوراء، وإنسان يولد بشهادة ميلاد محدد فيها سلفاً سبب الوفاة وساعتها بدقة. وإذا بالميلاد حادثة تستدعي البكاء والرثاء وحزن المقربين. حتى الكتب ينبغي أن تقرأ وتباع وتنجح تجارياً قبل أن يسمح لميغيل بكتابتها فعلاً. وإذا كان ميلاد ميغيل قد جرى في تابوت، فإن موته يتم بإدخاله مجدداً بين ساقَي الأم، ويختم النص بهذه الكلمات “بعد ذلك بأيام عدة نهضت الأم، ببطن مُستدير، يسكنه الآن ميغيل. مرّ الألم الأشد. ببطء وخلال تسعة أشهر تالية، سيخبو ميغيل داخلها. ولن يخطر على بال أحد من بعد”. ومع ألمعية القصة، إلا أنها مجدداً تفتقد إلى أسلوب أدبي متماسك يهب النص قدرته على التأثير.
أما النصوص اللافتة في الكتاب، فيأتي في مقدمتها “طقس المرآة”، ويقول المخرج إنه ودّ لو تمكن في بداية مشواره السينمائي من تحقيق هذه القصة في فيلم. ويجمع هذا النص الثيمات التي تستحوذ على اهتمام بيدرو في الكتاب كله ومن بينها الهوس بالنظام الديني المتقشف ربما لمساحات الخيال التي يسمح بها. ويضيف إليها هنا شخصية فنية طاغية هي الكونت دراكولا الذي يقرر ذات يوم أن يعزل نفسه في دير للرهبان بعد أن سئم حياة الخلود. ويثير الكونت الغامض اهتمام أحد القساوسة الذي يقتفي أثره، وهناك يعرف السرّ الذي يغويه بدوره، غير أن ألمودوفار يتوصل إلى صيغة تجعل من ممارسة مصّ الدماء الشهوانية المدنسة، طقساً طهرانياً عشقياً يقدم إلى الآخرين الخلاص.
ولا يتوقف المخرج الإسباني عن استدعاء تعليمه المسيحي، ففي نصه الأول “الزيارة” ينطلق من إساءات جنسية تعرض لها صبي صغير في مدرسة داخلية دينية، وحددت لاحقاً مسار حياته. وعلى رغم الغضب الذي يُعبّر عنه بالكتابة، يعود البطل وقد صار شاباً مرة أخرى للمدرسة ويلتقي القس المدير في محاولة ربما للتوفيق بين حياتين. وفي نص “الخلاص” الذي كتبه بيدرو في مرحلة مبكرة من شبابه، يحاول السارد أن يصنع مصيراً مغايراً للمسيح، من خلال أمثولة عن رجل الرب الذي يهبط على إحدى القرى بهدف هدايتها، لكنه يلتقي أحد الأشقياء في السجن. وهناك يمارس الرجلان تأثيراً متبادلاً وتنمو صداقة أو افتتان، تدفع الشقي إلى تهريب الشخصية المقدسة بعيداً من الحكم الذي صدر بحقه ويقضي بصلبه.
حديث عن الكتابة
أما النص الذي يعوّل عليه ألمودوفار شخصياً في الكتاب فهو “اعترافات أيقونة جنسية”، وهي قصة ترويها شخصية اسمها باتي ديفوزا، عاملة جنس شهيرة يستعان بها في كتب تروج لهذا الغرض. تتمكن باتي بسبب جمالها ولا مبالاتها من اختراق أوساط الأثرياء والتمتع بثرواتهم ونمط حياتهم المستخف بالآخرين، مع كل ما يبدونه من سماحة وطيبة، إزاء خدمهم والأشخاص الأفقر منهم. وتتطور القصة في اتجاه يفقدها قوتها السردية الأولى، إلا أن الشخصية نفسها تبدو الأكثر إثارة للاهتمام تقريباً بين شخصيات الكتاب، سواء كانت حقيقية أو مختلقة.
ويستدعي ألمودوفار ذكرى المغنية المكسيكية شافيلا فارغاس في نصه “الوداع أيها البركان” الذي يروي فيه وقائع زيارته الأولى والأخيرة لها في محل إقامتها في إسبانيا، بعد إحيائها حفلاً غنائياً. وفي النصين الأخيرين “ذكرى يوم خال” و”رواية سيئة” يعود ألمودوفار للحديث عن الكتابة، وعن الأدب الذي يراه نداءه الأول. ويفصّل من وجهة نظره الفرق بين كتابة السيناريو وكتابة الأدب، فيقول “إنهما مجالان متمايزان كلياً. وليس صدفة أن قليلاً جداً من الروايات الجيدة تتحول إلى أفلام عظيمة”. كما ينصح الكاتب الضعيف (وكأنما يعتذر صراحة من ضعفه الأدبي هنا) بممارسة النقد الذاتي باستمرار، فلا يبتئس حين يتعرض لنقد قاسٍ من القراء. وعلى العموم، يبدو لمن قرأ “الحلم الأخير”، والأخبار عن قرب صدور روايته الأولى، أن بيدرو ألمودوفار قرر أن يمنح نفسه أخيراً تصريحاً على بياض بالكتابة الأدبية، متجاوزاً أية هواجس أو تشكيك في قدراته. وهذا في ذاته درس مُلهم لقراء كتبه المستقبلية مثل مشاهدي أفلامه السابقة “أعرف أني كاتب منذ الطفولة. كتبتُ على الدوام”.
