منذ سقوط نظام بشّار الأسد، أخذت إسرائيل تتحول تدريجيّاً من عامل خارجي مؤثر في الصراع السوري إلى أحد أكبر التحدّيات التي تواجه عملية إعادة بناء الدولة واستعادة سيادتها. لم تدرك السلطة الجديدة في دمشق، على ما يبدو، حجم هذا التحدّي في البداية، إذ انصبّ اهتمامها على التعامل مع خصوم الداخل، فيما ساد اعتقاد أن بالإمكان تحييد إسرائيل بطمأنتها إلى أن النظام الجديد لا يشكل تهديداً لها، بل ويسعى، حتى، إلى بناء علاقة مختلفة معها عن التي سادت منذ نكبة فلسطين. لكن أزمة السويداء في صيف 2025 غيرت ذلك كله، إذ اتضح أن المشكلة مع إسرائيل لا تقتصر على أمن الحدود أو مصير اتفاق فصل القوات لعام 1974، ولا حتى فرض قيود على قدرة الدولة السورية على بسط سلطتها داخل أراضيها، بل وصلت إلى محاولة فرض وصاية عليها، وإحالتها منطقة نفوذ تقرّر لها ما ينبغي، وما لا ينبغي فعله، على صعيد علاقاتها السياسية والعسكرية، ومستوى تسلحها.
في مواجهة هذا التحدّي، اختارت دمشق مقاربة شديدة البراغماتية، تخلت بموجبها عن “المحظورات السياسية” التي حكمت العلاقة، تاريخيّاً، مع إسرائيل، ودخلت في اتصالات مباشرة معها على مستويات سياسية وأمنية رفيعة، على أمل وقف اعتداءاتها التي صارت شبه يومية. قامت هذه السياسة، في جوهرها، على فرضية أن سورية مدمّرة ومنهكة، ولا تستطيع الدخول في مواجهة مع إسرائيل، بل تحتاج إلى التركيز على الاستقرار، ورفع العقوبات، وتثبيت علاقاتها مع واشنطن. لذلك، إزالة مخاوف إسرائيل أجدى من الدخول في صراع معها، وهي مقاربة، منطقيّاً، صحيحة. ففي ظل الاختلال الهائل في ميزان القوى، تحتاج سورية الدبلوماسية أكثر من الشعارات. المشكلة ليست، إذا، في التفاوض، بل في الاعتقاد بأن المبالغة في إظهار حسن النيات ستؤدّي، بالضرورة، إلى تحييد إسرائيل، أو خفض سقف مطالبها. هذا لن يحصل، فكلما أبدت دمشق استعداداً أكبر للتفاهم، زادت إسرائيل شروطها، من أمن الحدود إلى نزع السلاح من كامل الجنوب، ومن إقامة ترتيبات أمنية إلى التدخل في السويداء، ومن السيطرة على المنطقة العازلة إلى تحديد قدرات سورية العسكرية، وعلاقاتها السياسية والأمنية.
هذا على صعيد الجوهر، أما شكلياً، فقد بدأ الخطأ منذ اجتماعات باريس مطلع 2026، عندما قبلت سورية بالترتيبات الإسرائيلية للمفاوضات لجهة مستوى التمثيل وطبيعة القنوات، إذ شارك من الجانب السوري وزير الخارجية ومدير الاستخبارات العامة، فيما ضم الوفد الإسرائيلي السفير في واشنطن، يحيئيل لايتر، والمرشّح حينها لرئاسة الموساد، رومان غوفمان، فما كان من إسرائيل إلا أن كرّست الوضع في اجتماع الأردن أخيراً الذي قاده من الجانب الإسرائيلي غوفمان الذي صار رئيسا للموساد. المشكلة هنا أن نقل العلاقة إلى المستوى الاستخباري يكرّس بالتدريج تصوّراً إسرائيليًا لسورية باعتبارها ملفاً أمنياً تفاوض فيه فصيلاً، وليس دولة ندّا، تتمتع بالسيادة (كما تفعل مع “حماس” في غزّة).
ليس طبيعيّاً، ولا مقبولاً، أن يصبح رئيس جهاز استخبارات دولة تحتل أراضي سورية وتقصف منشآتها العسكرية، محاوراً مباشراً لوزير خارجيتها في قضايا تتعلق بعلاقات سورية الدفاعية مع دولة ثالثة. المشكلة ليست بروتوكولية؛ إنها تتعلق بتعريف العلاقة نفسها. الأهم أن دمشق تتفاوض مع حكومة إسرائيلية لا يبدو أن لديها حافزاً كبيراً لتقديم تنازلات، فالوضع القائم مريح لإسرائيل التي تحتل أراضي إضافية، وتحتفظ بحرّية العمل العسكري داخل سورية، وتسعى إلى منع بناء قدراتها القتالية. فوق هذا، ومع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، يصعب تصوّر أن يقدم نتنياهو تنازلات جوهرية إلى دمشق يمكن لمنافسيه تصويرها تراجعاً أمنيّاً، بل سيسعى، غالباً، إلى المزايدة عليهم بالتصعيد. لذلك، قد يكون انتظار اتفاق، ولو أمنيّاً فقط، من نتنياهو قبل الانتخابات رهاناً غير واقعي.
لا يعني هذا أن على سورية العودة إلى خطاب المواجهة، فميزان القوى لا يسمح به، لكن هناك فرقاً بين تجنّب الحرب وإظهار العجز، وبين البراغماتية والتنازل المجاني عن أوراق القوة. ما تحتاجه سورية حاليّاً هو بناء عناصر قوتها بهدوء، توحيد البلاد، معالجة أزمة السويداء، سياسياً، بناء جيش محترف، على أسس وطنية، واستخدام علاقاتها العربية والإقليمية والدولية، وحاجة الجميع إلى استقرارها، لكبح جماح إسرائيل. خلاصة القول، تحتاج دمشق إلى تفاوض من دون أوهام، ودون إظهار الضعف، وإلى تهدئة من دون استرضاء، وإلى علاقات دولية وإقليمية تزيد كلفة الاعتداء على السيادة السورية، من دون جرّ البلاد إلى حربٍ لا تستطيع تحملها. معادلة صعبة لكنها ليست مستحيلة.