ندى: ما اسم البلاد التي قلت إن كتب بنات الجامعات لا تذكرها؟
عثمان: بلاد الواق الواق.
ندى: وهل يسكنها فلاحون كثر مثل جماعتك المغمورة؟
عثمان: لا بد ولا بد أن تكون لهم مشاكلهم التي تشبه مشاكل المغمورين هنا. الفلاحون هم هم في كل أرض الله تظلمهم الطبيعة، يظلمهم المجتمع، يلجأون إلى الدولة لتحميهم من الظلمَين فترميهم بظلم أشد.
ليس هذا حواراً مسرحياً، بل مقطع مقتبس من رواية عبد السلام العجيلي “المغمورون”، وهي تتناول قضية غمر سد الفرات مجموعة من القرى على ضفاف نهر الفرات، ولم تكن الرواية الوحيدة. … هذه ليست حكاية سد ولا مشروع تنمية، بل سيرة اقتلاع جماعي لبشر لم يكونوا هامشاً، بل قلب الريف السوري، قبل أن تقرّر الدولة أن تجعلهم ثمناً لمسيرة ثورة آذار وأهدافها غير المعلنة.
وُلد في الحسكة بعد غمر قريته بسنوات طويلة. لم ير الفرات إلا في الصور، ولم يعرف واديه إلا من حكايات متقطعة يرويها جده بلهجة لا تشبه هذه الأرض. لا ذاكرة شخصية تربطه بالمكان الغارق، ولا أثر ماديا يثبت انتماءه، ومع ذلك يعامل بوصفه غريباً. يقال له إنه “مستوطن” و”مستعمر”، رغم أنه لم يختر أرضه، ولم يزِح أحداً عن ملكه، ولم يرث سوى اسم ملتبس وتجربة تهجير لم يعشها. يقف اليوم في المنتصف: لا الفرات يعترف به، ولا الحسكة تمنحه انتماءً كاملاً.
“أنا داخل بلدي، ومع ذلك أطالب بالاعتذار عن وجودي”… يقول ذلك مختصراً مأساة جيل كامل من أبناء من يُعرفون بـ “عرب الغمر”.
مع صعود المياه، ابتلعت بحيرة الأسد ما يقارب 84 قرية، ومعها التلال الأثرية والبيوت الطينية، والمقابر. لم يغرق هؤلاء بالماء فقط، بل غرقوا في الصمت والنسيان
لم يكن سد الفرات مجرّد مشروع هندسي لتوليد الكهرباء وتوسيع الرقعة الزراعية، كما روّجت الأدبيات الرسمية في أواخر ستينيات القرن الماضي. عملياً، شكّل السد واحداً من أعنف التدخلات السلطوية في الجغرافية والسكان والذاكرة في تاريخ سورية الحديث. فمع بدء العد التنازلي لإغلاق بوابات السد، تحول وادي الفرات من مجال مأهول بثقافة زراعية نهرية ضاربة في القدم، إلى حيز قابل للمحو وإعادة الصياغة الإدارية.
يقول الفني الزراعي محمود مصطفى الخلف: في 1969، قبل أن تغلق بوابات سد الفرات وتعلو المياه فوق الذاكرة، أنجز إحصاء رسمي دقيق للمنطقة التي تقرر غمرها عند منسوب 300 متر فوق سطح البحر، كاشفاً عن حجم الكارثة التي كانت تحضر بقرار إداري بارد، بلغت مساحة منطقة الغمر 62,500 هكتار، منها 46,000 هكتار من أخصب الأراضي المروية في سورية، إضافة إلى 2,500 هكتار تمثل الكتلة العمرانية لقرى تقرر شطبها بالكامل.
كان يعيش في هذه المنطقة نحو 57 ألف نسمة، موزعين على 9749 عائلة، قبل أن يتحولوا إلى ملف تهجير إداري بارد.
قبيلة الولدة الأكبر بين عرب الغمر، وهي من قبائل البوشعبان، شهدت غمر جميع قراها ضمن وادي الفرات الذي أصبح تحت مياه البحيرة، لكن السلطة نفذت سياسة تهجير خبيثة حين أجبر قسم من القبيلة على الرحيل وترك القسم الآخر على تلال البحيرة بلا تعويض. تم تفكيك بنية وادي الفرات بالكامل، إذ شطت الأرض بين مشاريع الدولة والمزارع الجديدة، ما مزق الروابط الأسرية والاجتماعية للقبيلة. الأسرة الواحدة تفرقت، والتجمع القبلي تفكك إلى وحدات صغيرة، فقدت معها السيطرة على أراضيها وهويتها الجماعية. الضغوط السياسية والإدارية أجبرت بعض العائلات على الرحيل، فيما بقيت الأخرى تحت تهديد دائم. هكذا أصبح وادي الفرات مسرحاً للتهجير القسري والتفكيك الاجتماعي، تاركاً آثاراً عميقة ما زالت على هوية القبيلة.
قرى تُمحى وسكان يعاد تصنيفهم
مع صعود المياه، ابتلعت بحيرة الأسد ما يقارب 84 قرية، ومعها التلال الأثرية والبيوت الطينية، والمقابر. لم يغرق هؤلاء بالماء فقط، بل غرقوا في الصمت والنسيان. كانت الدولة قد خططت لتسكين عرب الغمر في المزارع النموذجية ضمن المشروع الرائد (مشروع حكومي في الرقة وحلب)، الذي تبلغ مساحته حوالي 19,800 هكتار. شمل المشروع 19 مزرعة في الرقة وسبع مزارع في حلب، وكل مزرعة تحتوي على مرافق متكاملة تشمل مراكز اجتماعية، جمعيات فلاحية، مستوصفات طبية، مراكز ناحية أو بلدية، بريدا وهاتفا، أسواقا تجارية، أفرانا، مدارس ابتدائية، جوامع، حدائق ومراكز ثقافية. وقد رصدت هذه المزارع لتستوعب حوالي 6768 مسكناً في الرقة وما يقارب 1,200 مسكن في حلب، بإجمالي طاقة استيعابية تصل إلى 39200 نسمة.
مع ذلك، تراجعت الدولة عن تسكين جميع عرب الغمر في هذه المزارع، وقررت تهجير قسم منهم إلى محافظة الحسكة، تاركة الباقين على ضفاف الفرات. بعد استنفاد فرص التسكين، توجه بعض المغمورين للعمل في مزارع الدولة بالأجر اليومي، فيما اختار آخرون البقاء في أراضيهم البعلية والتلال التي لم تغمرها المياه، محافظين على ارتباطهم بأرضهم وواديهم الأصلي.
وفي عام 2000، وزّعت مزارع الدولة على العمّال والموظفين ومنهم العدد الأكبر من خارج محافظة الرقة وحلب، وحرم أبناء الغمر من الاستفادة منها، ليبقى كثيرون منهم بعيداً عن أراضيهم وحقوقهم الأساسية.
وفي الحسكة جرى توطين 4,453 أسرة في 41 قرية، على مساحة 68,708 هكتارات من أملاك الدولة وفائض أراضي الإصلاح الزراعي. ورغم السرديات السياسية اللاحقة، تظهر الأرقام هشاشة الادعاء بأن عرب الغمر شكلوا أداة تغيير ديمغرافي. إذ لا تتجاوز نسبتهم 2.4% من مجموع قرى المحافظة البالغ عددها 1,717 قرية. وتبلغ نسبتهم 3.5% من القرى العربية، و9% من القرى الكردية، مقابل 82% في القرى الآشورية والسريانية، ما يؤكّد أن إسكانهم لم يكن موجهاً ضد جماعة بعينها.
بين سرديّتين: الدولة والقومية
وضع المغمورون في موقع رمادي بالغ القسوة. الدولة اختزلتهم في أرقام ومساكن إسمنتية، فيما لحقت بهم سردية قومية صورتهم “مستوطنين” و”أداة للحزام العربي”. فإن تصوير عرب الغمر أداة استعمار داخلي يتجاهل حقيقة أنهم ضحايا تهجير قسري، نقلوا إلى الحسكة مكرهين، ووضعوا في بيئة لم يختاروها، ودفعوا ثمن سياسات الدولة نفسها التي همشت الأكراد والعرب. الأخطر في هذه السردية، الأحزاب الكردية والمجلس الوطني الكردي أنها تعيد إنتاج منطق النظام البعثي ذاته، القائم على تسليح الهويات ضد بعضها، وتحويل الضحايا إلى خصوم، بدل توجيه المساءلة نحو السلطة التي هندست الغمر والتهجير معاً. وتمسك بدراسة أنجزها محمد طلب هلال وثيقة إدانة في حين أنها بقيت حبراً على ورق، إذ لم تطبق على أرض الواقع ولم يقرها مؤتمر الحزب، رغم مرور أكثر من عقد على إعدادها قبل وصول المغمورين. اقتراحه بإنشاء “الحزام العربي” وتهجير الأكراد من الشريط الحدودي وإسكان عرب المنطقة مكانهم لم يتحقق، ولم يسجَّل تهجير أي قرية كردية أو إخلاؤها.
لا تستطيع القوى الكردية الادّعاء بوجود تهجير فعلي، ما يجعل استخدام مصطلحات الهلال مبالغاً فيه. ورغم ذلك، تتمسّك بعض الأحزاب الكردية بالدراسة شمّاعة سياسية ووثيقة مكتوبة، بينما يؤكّد الواقع أنها لم تكن سوى مشروع خيالي يفتقر إلى التنفيذ. هكذا، تبقى الدراسة مثالا على التخطيط النظري الذي لم يترجم إلى واقع ملموس.
يقول المجلس الوطني الكردي في بيانٍ أصدره في الذكرى الـ 51 لاتخاذ نظام الأسد الأب قرار تنفيذ “الحزام العربي” على حد وصف المجلس، وتنمّ هذه التسمية عن وصف عنصري “كان هذا المشروع من أخطر السياسات الشوفينية التي تبنّاها النظام البعثي، إذ أقيم شريط استيطاني يمتد بعمق 15 كيلومتراً جنوباً على طول الشريط الحدودي بين سورية وتركيا في محافظة الحسكة”.
بعد الثورة السورية، وتسليم نظام بشار الأسد محافظة الحسكة لقوات حزب العمّال الكردستاني، ضيق الخناق عليهم من عدم التوظيف أو الدعم من منظمات الإغاثة وفرض التجنيد الإجباري، وتمت مصادرة 168 وحدة مساحة من أراضي عرب الغمر بحجة أن أبناءهم جيش حر.
هل كانوا أداة تغيير ديمغرافي؟
يوضح الباحث محمد جمال باروت أن ربط تهجير عرب الغمر بمشروع “الحزام العربي” يفترض تهجيراً مقابلاً للأكراد من أراضيهم، وهو أمر لم يثبت حدوثه بوثيقة رسمية واحدة أو واقعة ميدانية مسجلة. لم تفرغ قرية كردية واحدة لإسكان المغمورين مكانها، ولم تصادر ملكيات خاصة لمصلحتهم. الأراضي التي وزّعوا عليها كانت في معظمها من أملاك الدولة أو من فائض الأراضي المستولى عليها بموجب قوانين الإصلاح الزراعي، التي استفاد منها فلاحون أكراد قبل وصول المغمورين بسنوات، حيث جرى منح 13 قرية كردية أراضي في مناطق عربية في ريف القامشلي بناحية اليعربية وتل حميس وتل براك. … والإصرار على توصيف قرى الغمر مستوطنات، رغم أنها لا تمثل سوى نحو 2% من سكان المحافظة ادّعاء فاقد للموضوعية السياسية والأخلاقية لدى الأحزاب الكردية.
ومن منظور قانوني، يؤكّد المحامي طارق حوكان أن توصيف عرب الغمر مستوطنين أو معتدين على ملكيات الغير يفتقر إلى أي سند قانوني داخلي أو دولي، ويشكل تشويهاً متعمّداً للوقائع الثابتة. فقد جرى تهجير هؤلاء السكان قسراً نتيجة مشروع عام سيادي، هو إنشاء سد الفرات، وهو ما يدرجهم صراحةً ضمن فئة المتضرّرين من نزع الملكية للمنفعة العامة، وفق المبادئ المستقرّة في القانونين، الإداري والحقوقي، بما يوجب التعويض وإعادة التوطين القانوني، لا التجريم أو نزع الصفة. كما أن الأراضي التي أسكنوا عليها في محافظة الحسكة كانت، بموجب السجلات العقارية الرسمية، من أملاك الدولة أو من الأراضي المستولى عليها سابقاً وفق قوانين الإصلاح الزراعي النافذة، ولم يثبت قانوناً أو قضائياً أنها كانت ملكيات خاصة لفلاحين أكراد جرى نزعها لإحلال عرب الغمر مكانهم. وعليه، ينهار الادّعاء بحدوث تغيير ديمغرافي إحلالي لغياب ركنه الجوهري، أي نزع ملكية محددة من مالكٍ معيّن وإعطائها لآخر على أساس قومي. ويعدّ تحميل عرب الغمر مسؤولية سياسات الدولة البعثية مخالفة صريحة لمبدأ شخصية المسؤولية، ومصادرة لحقوق مكتسبة بحسن نية، ويشكل في جوهره عقاباً جماعياً محظوراً بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان. وبذلك، يسعى أي طرح سياسي أو قانوني إلى نزع ملكيات عرب الغمر أو التشكيك بشرعيتها، بذريعة تصحيح مظلومية تاريخية، ما لا يحقق العدالة، بل ينقل الظلم من ضحيةٍ إلى أخرى، ويفتح نزاعاً قانونياً واسع النطاق يمسّ استقرار الملكية في سورية بأسرها، ويتعارض مع أبسط مقتضيات السلم الأهلي وسيادة القانون.
أسرى التاريخ المفقود والذكريات الضائعة
ظلّ عرب الغمر سنواتٍ يعيشون في عزلتين، نفسية واجتماعية، محاطين بمحيط لم يقبلهم ولم تتكون بينهم أواصر مصاهرة أو زواج، حتى أن الجماعة انطوت على نفسها بالكامل، كما يوضح الباحث أحمد الشمام، من سكان محافظة الحسكة.
لم يشاركهم الوسط المحيط حياتهم الاجتماعية، وبقي خطاب الأحزاب الكردية والإعلام يصوّرهم مستوطنين، فيما تروي كتب الدولة قصتهم إنجازاً ضمن “سورية الحديثة”، متجاهلة معاناتهم وتهجيرهم القسري. وقد جعل هذا الانغلاق المغمورين أسرى تاريخ مفقود وذكريات ضائعة، وأثر على الأجيال الثلاثة التي ترعرعت بعد التهجير، فأصبحت تربطها بهوية مزدوجة بين فقدان الماضي والحياة الجديدة في بيئة غير متقبلة.
رغم عدم حصول صدامات مباشرة مع المحيط الكردي أو العربي، بقي شعورهم بالغربة والتخوف من الوسط محيطاً بهم، ليصبح عالمهم الداخلي الخاص بهم مهمّشاً ومنعزلاً. ولم تسجل حالات مصاهرة لغاية عام 1996م وهم منذ 1974 في المنطقة، ولم يسمح لهم الوسيط المحيط بالاندماج الكامل، الأمر الذي عزّز شعورهم بأنهم طائفة غريبة داخل مجتمعهم الجديد، وهذا جعلهم يتجهون إلى العلم والدراسة، وهم اليوم الأكثر شهادات جامعية ومتنوعة من كل الاختصاصات.
وما زال عرب الغمر يطلقون على القادم من ريف حلب أو الرقة لقب “أهل البلاد”، أي بلدهم الأصلي، عند حضورهم مجالس العزاء، ما يعكس استمرار ارتباطهم المكاني وهويتهم الجماعية.
المرسوم 13: عودة الخطر
تعود قضية المغمورين وغيرهم إلى الواجهة متزامنة مع المرسوم الرئاسي رقم 13 لعام 2026، المتعلق بـ “استعادة حقوق الملكية المتراكمة”، الذي صدر عن الرئيس أحمد الشرع، في 16 كانون الثاني/ يناير الماضي. بالنسبة لعرب الغمر وغيرهم في محافظة الحسكة، لا يمثل هذا المرسوم فرصة إنصاف، بل تهديداً وجودياً، لأنه يعيد فتح ملف الملكية خارج سياقه التاريخي والقانوني، ويحوّلهم من ضحايا تهجيرٍ قسري إلى متّهمين باغتصاب أملاك الغير وحول تخوف عرب الغمر وجّه أبناء المنطقة رسالة لرئيس الجمهورية أحمد الشره حول هذا الخصوص يحتفظ العربي الجديد بنسخة منها.
يرى الباحث طلال الجاسم، وهو من عرب الغمر، أن يتحوّل ملف عرب الغمر إلى قضية وطنية تدرس بعمق، وتعالج وفق القانون والتاريخ والضمير، بعيداً عن أي مصالح حزبية أو قومية، ويحذر أن تندرج تعليمات تنفذيه المرسوم رقم 13، ولا سيما ما يتصل بفتح ملف استعادة حقوق الملكية المتراكمة، في أنه لا يعالج مظلومية محددة بآليات قانونية منضبطة، بل يفتح الباب على مصراعيه لنسف الإطار الذي قامت عليه منظومة الملكية الزراعية في سورية منذ ستة عقود، وفي مقدمتها قانون الإصلاح الزراعي. بالنسبة لعرب الغمر، وألا يعاد طرح سؤال الملكية خارج سياقها التاريخي والقانوني.
العودة إلى الإنسان: ذاكرة بلا مكان
“لا أعرف من الفرات سوى اسمه” يقول الشاب نفسه. “لكنني أدفع ثمنه كل يوم”. نشأ جيل كامل بلا ماض ملموس، يتوارث حنيناً غامضاً لمكان لا يستطيع العودة إليه، ويعيش اغتراباً مزدوجاً: اغتراب المكان واغتراب المعنى.
بل لأنني لا أملك رواية معترفاً بها لا الفرات يعرفني، ولا الحسكة تعترف بي كاملاً، فأقف في المنتصف، بلا ذاكرة أستند إليها، وبلا مستقبل أسمح لنفسي بأن أطالب به، سوى حقي البسيط: أن أعامل كمواطن، لا كجريمة تاريخية تمشي على قدمين.
ما لم تعالج قضية عرب الغمر بوصفها مسألة وطنية شاملة، خارج منطق التوظيف السياسي، سيبقون مغمورين، لا بالماء هذه المرّة، بل بالإنكار.