خليل حسين محرر بموقع السفينة
لا تكشف الأيام الأربعة عشر الأخيرة عن نهاية «قوات سوريا الديمقراطية» بوصفها قوة محلية قائمة على الأرض، لكنها تكشف بوضوح لا لبس فيه عن نهاية مرحلة كاملة من الرهان السياسي، رهان بالغت قيادته في الثقة بظروفه، وأخطأت في تقدير قابليته للاستمرار. فالمسألة لا تتعلق بهزيمة عسكرية مباشرة، بل بانهيار الإطار السياسي الذي وفّر لـ«قسد» هامش الحركة والحماية والشرعية النسبية، وهو إطار لم يكن يومًا ثابتًا كما جرى التعامل معه.
لقد تأسس هذا الرهان على قراءة انتقائية للسياق الدولي، افترضت أن الشراكة الوظيفية مع الولايات المتحدة في ملف مكافحة تنظيم «داعش» يمكن تحويلها إلى مظلة سياسية طويلة الأمد. غير أن هذه المقاربة تجاهلت الطبيعة البراغماتية للسياسات الأميركية، التي لا تقوم على بناء حلفاء دائمين بقدر ما تقوم على إدارة ملفات مؤقتة. ومع تراجع مركزية الملف السوري في الأجندة الأميركية، وصعود أولويات أكثر إلحاحًا كالحرب في أوكرانيا، والتنافس مع الصين، بات واضحًا أن «قسد» لم تكن شريكًا استراتيجيًا بقدر ما كانت أداة ظرفية، انتهت صلاحية دورها أو تقلصت مع تغيّر السياق.
إقليميًا، لم يكن المشهد أقل قسوة. فتركيا، التي حذّرت مرارًا من تداعيات ترسيخ كيان مسلح على حدودها الجنوبية، لم تتعامل يومًا مع مناطق سيطرة «قسد» كأمر واقع قابل للتطبيع، بل كتهديد مؤجل. ومع غياب ردع دولي فعلي، تحوّل الضغط التركي من سياسة احتواء إلى سياسة استنزاف مفتوح، عسكريًا وأمنيًا، في وقت لم تقدّم فيه قيادة «قسد» أي مقاربة سياسية واقعية لتفكيك هذا الصراع أو تحييده.
في المقابل، جاء الانفتاح العربي المتدرج على دمشق ليقوّض أحد أهم مرتكزات الرهان القائم، إذ أعاد طرح الدولة المركزية، مهما كانت الإشكالات المرتبطة بها، بوصفها الإطار المرجعي لأي تسوية مستقبلية. هذا التحول وضع الكيانات شبه المستقلة أمام مأزق حقيقي: إما الانخراط في مسار سياسي يعترف بتغيّر موازين القوى، أو التمسك بوضع استثنائي لم يعد يحظى لا بإجماع إقليمي ولا بحماية دولية واضحة.
أما روسيا وإيران، فقد واصلتا، رغم انشغالاتهما، العمل على تفكيك المساحات الخارجة عن سيطرة الدولة السورية، مستفيدتين من التردد الغربي ومن غياب استراتيجية أميركية واضحة المعالم. وفي هذا السياق، لم تعد مناطق «قسد» تُعامل كحالة خاصة، بل كجزء من ملف مفتوح لإعادة تجميع النفوذ، تُدار أدواته بالصبر والتراكم لا بالمواجهة المباشرة.
الأخطر من ذلك أن قيادة «قسد» واصلت الرهان على الجغرافيا بوصفها عنصر حماية ذاتي، وعلى القوة العسكرية كأداة إدارة داخلية، متجاهلة أن الجغرافيا فقدت قيمتها السياسية في ظل سماء مفتوحة، وتفاهمات إقليمية عابرة للحدود، وأن المجتمعات المحلية لا يمكن ضبطها طويلًا دون عقد سياسي جامع. وهنا لا تكمن المشكلة في الضغوط الخارجية وحدها، بل في العجز عن إنتاج شرعية داخلية حقيقية تتجاوز منطق الأمر الواقع.
في ضوء هذه التحولات، دخل المشهد السوري مرحلة جديدة تتسم بسيولة عالية وانعدام يقين متزايد، حيث لم تعد المعادلات القديمة صالحة لا للفهم ولا للبقاء. ومن يصرّ على قراءة هذا المشهد بعقلية مرحلة مكافحة الإرهاب، أو بمنطق مناطق النفوذ المغلقة، إنما يحكم على نفسه بالخروج التدريجي من المعادلة، لا بفعل هزيمة عسكرية خاطفة، بل نتيجة تراكم أخطاء التقدير السياسي.
إن ما تواجهه «قسد» اليوم ليس تهديدًا وجوديًا مباشرًا، بل أزمة خيار. فإما مراجعة جذرية لوظيفتها السياسية، وعلاقتها بالداخل السوري، وتموضعها ضمن سياق إقليمي ودولي متحوّل، أو الاستمرار في الدفاع عن رهان انتهت شروطه الموضوعية، ولم يعد يحظى إلا بالزخم الخطابي. وفي السياسة، كما في التاريخ، لا تُقصى القوى فقط حين تُهزم، بل حين تعجز عن فهم اللحظة التي تعيشها.