الدولة ليست مجموعة مؤسسات، أو مجموعة قوانين، وهي ليست سلطة فقط. الدولة، في جوهرها، هي فكرة: فكرة عن التعايش، عن التنظيم، عن العدالة… وحين تُفقد هذه الفكرة، تَفقد الدولة جدواها، حتى لو بقيت مؤسساتها قائمة، وجدرانها صامدة، وأجهزتها تعمل. لأن ما يُبقي للدولة حيويتها ليس فقط قدرتها على فرض النظام، بل قدرتها على إقناع مواطنيها بأن هذا النظام يستحق أن يُحترم، وأنه يُعبّر عنهم، ويصون كرامتهم، ويُجسّد تطلعاتهم.
في العالم العربي، نواجه اليوم مرحلة لا تخلو من المخاطر: مرحلة يُعاد فيها تشكيل المجال العام على أسس انفعالية، إقصائية، ومضادة للعقلانية، تجسدها ظاهرة الشعبوية التي تُبسّط الواقع، وتُشيطن الخصوم، وتُقدّم الزعيم بوصفه المخلّص الوحيد، لا بوصفه ممثلًا لإرادة جماعية قابلة للنقد والمراجعة والتقويم إن اقتضى الأمر.
الأخطر من الشعبوية هو توظيف الدين، الذي يُعيد تعريف الشرعية، ويُقصي التعدد، ويُحوّل السياسة إلى امتداد للمقدّس، حيث يُصبح الاختلاف خيانة، والنقد كفرًا، والمعارضة تهديدًا للهوية. وفي ظل هذا التلاقي بين الشعبوية والدين المُسيّس، يُصبح العقل العام هشًّا، وتُصبح الدولة عرضة للتفكك، وتُصبح الهوية الوطنية ساحة صراع لا فضاءً للتعدد.
التحدي الأكبر لا يقتصر على مواجهة التطرف والشعبوية لا بد من بناء بديل مقنع يُعيد تعريف الوطنية بوصفها مشروعًا عقلانيًا يُدمج فيه التاريخ والدين والحداثة ويُعاد وصل المواطن بالدولة
هذه المظاهر ليست جديدة، لكنها اليوم تتخذ طابعًا أكثر كثافة، وأكثر قدرة على اختراق المؤسسات، وأكثر تغلغلًا في الإعلام والتعليم والخطاب الديني. وما يزيد الأمر تعقيدًا أن مصدر هذه الموجة لا يأتي فقط من الداخل، بل ترفده أيضًا روافد ومصادر دولية تُعيد تعريف القوة والشرعية، وتُضعف من قدرة الدول النامية على حماية استقلالها الرمزي والمعرفي. في مثل هذه الأجواء، يصبح الدفاع عن العقلانية ضرورة إستراتيجية، لأن إعمال العقل هو ما يوقف الفوضى، ويُعيد بناء الثقة، ويُعيد وصل المواطن بالدولة، لا عبر الخوف، بل عبر الفهم.
لا يكفي أن نُقدّم وصفًا فقط، بل يجب أن نقوم بعملية تفكيك وتحليل للظاهرة ونقدم اقتراحات تساهم في الكشف عن آليات الشعبوية: كيف تُبنى على الخوف، وتُعيد إنتاج الانقسام، وتُحوّل السياسة إلى مسرح للانفعالات.
يجب أن نُحلّل ونبين كيف يجري توظيف الدين: كيف يُستخدم لتبرير السلطة، كيف يُقصي المختلف، وكيف يُحوّل المقدّس إلى أداة للهيمنة. علينا أن نسترجع كيف واجهت أوروبا هذه المعضلة، ليس عبر قمع الدين أو إقصاء الشعب، بل عبر بناء مؤسسات عقلانية، وتحويل الدين من مصدر للشرعية إلى مكوّن ثقافي، ومن سلطة فوقية إلى تراث يُحتفى به دون أن يُفرض.
علينا أن نُقدّم أدوات تحصين، وفي طليعتها الصحافة المستقلة التي تُعيد تعريف الحقيقة، والتعليم القائم على التفكير لا التلقين، والنخب الفكرية التي تُعيد بناء اللغة العامة، والمؤسسات المستقلة التي تُعيد ضبط العلاقة بين السلطة والمجتمع. باختصار، يجب أن نطرح مشروعًا وطنيًا جامعًا يُعيد تعريف الهوية، لا بوصفها سلاحًا ضد الآخر، بل بوصفها فضاءً للتعدد، يُدمج فيه التاريخ والدين واللغة والحداثة، ويُحصّن الدولة من الانقسام، لا عبر القمع، بل عبر التمثيل الحقيقي.
إضافة إلى ذلك كلّه، يجب أن ندرك أنّ مواجهة المعضلة والتصدي لحلها ليس أمرًا أكاديميًا صرفًا، ولا سياسيًا مباشرًا، بل هو دعوة للتفكير الجماعي. دعوة لإعادة بناء العقل العام، لا باللجوء إلى الحلول السهلة ورفع الشعارات، بل عبر الحجة والبرهان. دعوة لإعادة تعريف العلاقة بين المواطن والدولة، بين الدين والسياسة، بين الفرد والمجتمع. دعوة لصنّاع القرار، للمثقفين، للصحفيين، للمعلمين، ولكل من يُدرك أن المعركة اليوم ليست فقط على سلطة مدججة بالسلاح، بل على الثقافة والفكر. لأن من يُعيد إحياء سلطة الثقافة وسلطة الفكر، يربح الرهان.
الدعوة لمواجهة الشعبوية ليست فقط دعوة فكرية، بل دعوة عملية. دعوة لصنّاع القرار أن يُعيدوا التفكير في معنى الدولة، في معنى المواطنة، في معنى الشرعية
إعادة بناء العقل العام لا تعني فرض نموذج واحد للتفكير، بل تعني خلق بيئة تسمح بالتعدد، وتُشجّع على النقد، وتُكرّس الحوار. وهي مسؤولية جماعية، لكنها تبدأ من الدولة. فالدولة التي تُقصي العقل، تُقصي نفسها. والدولة التي تُشوّه التعليم، تُشوّه مستقبلها. والدولة التي تُخضع الإعلام، تُخضع مواطنيها للخوف والجهل. لذلك، فإن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ من السياسات الاقتصادية فقط، بل من السياسات المعرفية: كيف نُعلّم؟ كيف نُناقش؟ كيف نُقرّر؟ كيف نُصمّم مؤسسات تُشجّع التفكير لا الولاء والطاعة؟
في هذا السياق، يُصبح دور صنّاع القرار محوريًا، ليس فقط في تبنّي سياسات عقلانية، بل في حماية المجال العام من النزعات الانفعالية، وفي دعم المؤسسات المستقلة، وفي تمكين التعليم النقدي، وفي إعادة الاعتبار للثقافة والفكر. لأن العقل لا يُبنى فقط في الجامعات، بل في الإعلام، في الخطاب السياسي، في المناهج، في المساحات العامة. وكلما ضاقت هذه المساحات، ضاق العقل، وضاقت الدولة.
إن التحدي الأكبر اليوم ليس فقط في مواجهة التطرف أو الشعبوية، بل في بناء بديل مقنع؛ بديل يُعيد تعريف الوطنية بوصفها مشروعًا عقلانيًا، يُدمج فيه التاريخ والدين والحداثة، ويُعيد وصل المواطن بالدولة عبر الثقة لا الخوف. وهذا البديل لا يُبنى في يوم، ولا عبر قرار واحد، بل عبر تراكمات: في التعليم، في الإعلام، في الخطاب، في المؤسسات. وهو ما يتطلب إرادة سياسية، ورؤية إستراتيجية، وتحالفًا بين الدولة والمجتمع، بين السلطة والمعرفة، بين القرار والفكرة.
لذلك، فإن الدعوة لمواجهة الشعبوية ليست فقط دعوة فكرية، بل دعوة عملية. دعوة لصنّاع القرار أن يُعيدوا التفكير في معنى الدولة، في معنى المواطنة، في معنى الشرعية. دعوة أن يُدركوا أن العقل ليس خصمًا للسلطة، بل ضمانة لاستمرارها. وأن الفكر ليس تهديدًا، بل فرصة. وأن الحوار ليس ضعفًا، بل قوة. لأن الدولة التي تُحصّن العقل، تُحصّن نفسها. والدولة التي تُقدّم الجوهر على المظهر، تربح المستقبل.
العنف لا يفرخ سوى العنف، وقد جربنا في بلداننا وصفة العنف طويلًا.. فما هي النتيجة؟.
المصدر. العرب اللندنية