دمشق – في عام 1988 حاول الأكاديمي الدرزي أدهم مسعود القاق الترشح لمجلس الشعب السوري. في ذلك الوقت كان حافظ الأسد يحكم البلاد حكما استبداديا، وأدت مناصرته للإصلاحات الديمقراطية إلى اعتقاله الثالث خلال ذلك العقد، ثم إلى سجنه. وفرّ إلى مصر بعد إطلاق سراحه، حيث عاش في المنفى لمدة 36 عاما.
وعندما سقط نظام الأسد في 8 ديسمبر 2024 عاد القاق إلى سوريا منتصرا، إلى جانب العديد من المعارضين السابقين. واستأنف نشاطه على الساحة السياسية السورية بعد أقل من عام. ثم في 5 أكتوبر شهدت سوريا أول انتخابات برلمانية لها منذ تولي أحمد الشرع السلطة، ورُشّح القاق نائبا عن ضاحية جرمانا بدمشق.
في عهديْ حافظ الأسد وابنه بشار كان البرلمان السوري بمثابة مؤسسة رمزية بشكل أساسي، يُضفي الشرعية على سياسات الحكومة، ويُساهم أحيانا في صياغتها، ولكنه لم يمتلك قط سلطة حقيقية تُمكّنه من تحدي السلطة التنفيذية. ويخشى الكثيرون الآن أن تُكرّس حكومة الشرع الانتقالية التقليد الاستبدادي نفسه.
ولم يشارك سوى بضعة آلاف من السوريين في الانتخابات الأخيرة، التي أُجريت عبر نظام المجمع الانتخابي المتدرج لملء مقاعد برلمان يُتوقع ألا يتمتع بسلطة تُذكر.
وأوضحت الحكومة في بيان صدر في يونيو أن الانتخابات التقليدية مستحيلة بسبب نزوح الملايين داخليا وخارجيا، ونقص الوثائق الرسمية، وهشاشة الإطار القانوني.
وذكر قاق، في مقابلة مع مجلة “فورين بوليسي”، أنه لم يواجه تهديدات مباشرة خلال الانتخابات، لكنه أشار إلى أن النتائج بدت مُحددة مسبقا، حيث كانت هوية المنتصرين واضحة حتى قبل التصويت.
وأصدر الشرع إعلانا دستوريا في مارس، نص على فترة انتقالية مدتها خمس سنوات تُجرى خلالها الانتخابات. ومنح الإعلان المجلس صلاحيات تشريعية محدودة تقتصر على البت في مشاريع القوانين التي تُقدمها السلطة التنفيذية، مع تجريده من سلطة التصويت على حجب الثقة. وأشار الشرع إلى احتمال تنظيم انتخابات رئاسية في بحر أربع سنوات أو خمس.
وأشار رضوان زيادة، الزميل البارز في المركز العربي بواشنطن، إلى أن هذه العملية لا يمكن اعتبارها انتخابات حقيقية، بل هي تشكيل للسلطة التشريعية السورية. ومع ذلك، أبدى من سُمح لهم بالمشاركة حماسا ملحوظا خلال الحملة الانتخابية.
خلال العملية الانتخابية البرلمانية برزت مؤشرات نادرة على سلوك سياسي ليبرالي في بلد حُرم منه طويلا
وخلال اجتماعات المرشحين والفعاليات الانتخابية المختلفة برز نمط خافت ولكنه حقيقي من المشاركة المدنية والنقاش البنّاء. وكانت هذه مؤشرات نادرة على السلوك السياسي الليبرالي في بلد حُرم منه طويلا.
وعَيّن الشرع في يونيو لجنة انتخابية عليا تتشكل من 11 عضوا، وأدّت دورها بتأسيس لجان فرعية انتخابية في جميع أنحاء البلاد.
وأنشأ هذا النظام هيكلا تسلسليا للتعيينات، برئاسة الشرع نفسه. واختارت اللجان الفرعية مجموعات من المندوبين لكل محافظة، وصوّت هؤلاء المندوبون في ما بينهم لشغل المقاعد البرلمانية.
ووقع الاختيار على حوالي 6 آلاف مندوب، صوّتوا بدورهم لشغل 119 مقعدا من أصل 210 مقاعد متاحة. وأُرجِئت انتخابات عدة دوائر انتخابية إلى أجل غير مسمى. ويرجع ذلك إلى المشاكل الأمنية والتوترات بين السلطات المحلية ودمشق.
وكان من المقرر أن يعين الشرع مباشرة سبعين عضوا ليشغلوا ثلث إجمالي المقاعد، بحلول نهاية أكتوبر، لكنه لم يُحدد اختياراته بعد، على الأرجح بسبب جدول أعماله المزدحم بالزيارات الدبلوماسية الخارجية.
وفي 15 أكتوبر التقى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو، وتوجّه إلى الرياض خلال نهاية الشهر لحضور مؤتمر استثماري.
وفي 10 نوفمبر التقى الشرع الرئيس الأميركي دونالد ترامب في البيت الأبيض، ليصبح أول رئيس سوري يؤدي هذه الزيارة منذ استقلال البلاد عن فرنسا في 1946.
الشرع عَيّن في يونيو لجنة انتخابية عليا تتشكل من 11 عضوا، وأدّت دورها بتأسيس لجان فرعية انتخابية في جميع أنحاء البلاد
وبينما كان القاق يوقع أوراق ترشحه في مكتب إداري، خلال شهر سبتمبر، وصل رجلان لتسجيل زوجتيهما للترشح، لكنهما أُبلغا بتأخرهما.
وأخبرهما بسام حمزة، عضو اللجنة الفرعية للانتخابات في منطقة ريف دمشق، بأن العشرين شخصا فقط هم من أعضاء اللجنة الانتخابية المحلية الذين يحق لهم الترشح، وأن المرشحين قد تم اختيارهم بالفعل. وأصرّ على أن الإعلانات انتشرت على نطاق واسع في وسائل التواصل الاجتماعي.
وكشف اللقاء عن الطبيعة الغامضة التي شابت الانتخابات، وهي عملية مفتوحة ظاهريا للجمهور، لكنها تخضع فعليا لسيطرة لجان فرعية تتمتع بسلطة كاملة على الاختيارات النهائية.
وكان من المتوقع أن تلتزم اللجان الفرعية بأهداف التمثيل، وهي أهداف غير ملزمة ولكنها تُعامل على أنها إلزامية عمليا.
وحددت هذه الأهداف أن تكون نسبة 20 في المئة على الأقل من الهيئة الانتخابية من النساء، وحوالي 70 في المئة من خلفيات مهنية أو تكنوقراطية، و30 في المئة من “وجهاء المجتمع التقليديين.”
ومن بين 119 مقعدا شُغلت في 6 أكتوبر، ذهبت ستة مقاعد فقط إلى النساء وعشرة إلى مرشحي الأقليات، بمن في ذلك الأكراد والمسيحيون والعلويون. وفاز بمعظم المقاعد رجال سُنّة من النخبة الإدارية ورجال الأعمال.
واجتمع مندوبو حمص في 30 سبتمبر لعرض برامجهم السياسية. وكان من بينهم ميسون شمس الدين، التي عرضت سيرة ذاتية مثيرة للإعجاب: درجة ماجستير في الأدب وخبرة تمتد لعقود كمدققة حسابات ومستشارة إدارية.
وعندما تواصلت معها مجلة “فورين بوليسي” لإجراء مقابلة بعد عرضها التقديمي، تدخل مسؤول انتخابي قائلا إن أوراق الاعتماد الصحفية تسمح بإجراء مقابلات مع أشخاص، ولكن ليس مع مرشحين، مذكرا بأن حرية الصحافة، شأنها شأن الديمقراطية، لا تزال ناشئة في سوريا.
وفي ذلك الحدث، وفي فعالية أخرى عُقدت في دوما في 2 أكتوبر، حيث تحدث القاق أيضا، تمحور النقاش حول إعادة الإعمار والاقتصاد.
وظلت دوما، إحدى ضواحي دمشق التي دمرتها الغارات الجوية الروسية والسورية في السنوات الأولى من الحرب الأهلية، في حالة خراب، وقاعة المؤتمرات أحد المباني القليلة التي ظلت سليمة في المنطقة.
وعندما خاطب القاق الحضور ركّز بشكل كبير على فلسفة الحكم، مؤكدا أن النبي لم يبنِ دولة دينية، بل دولة مدنية هي “المدينة المنورة”، التي تأسست لتجاوز الانقسامات القبلية والعشائرية والطائفية، وهو نموذج يرى أن سوريا الحديثة يمكن أن تتعلم منه.
وكان المندوبون الذين اختارتهم اللجان الفرعية شخصيات مشهودا لها بالكفاءة والاحترام، وشاركوا في كل مناسبة بحماس مُفاجئ، مُدركين أن العملية قد تكون سطحية، لكنهم مع ذلك يتوقون إلى الانخراط في شيءٍ يُشبه السياسة الحقيقية.
المصدر. اندبندنت عربية