(فادي الحموي)
عند الفجر أجلس قرب النافذة
الريح تتظاهر بأنها تعرف أكثر مما تقول
والستائر تتنفس كصدر امرأةٍ متعبةٍ من الانتظار.
ثمة شيء في الضوء يشبه صوتًا قديمًا
صوت من قال:
إنّ الغموض ليس بابًا يُغلق على الشعر
بل طريقًا يمرّ به المعنى ليغتسل من وضوحه.
أمدّ يدي إلى الهواء
فيتلوّى بين أصابعي كحلمٍ خائفٍ من الصحو
كلُّ شيءٍ يحاول أن يكون شيئًا آخر:
الكرسي شجرةٌ نُفيت من الغابة
القدحُ قمرٌ صغيرٌ يتذكّر محاقه
والظلّ، ذلك الحيوان الهادئ
يُربّت على كتف الأرض كي لا تصرخ.
أحيانًا
أرى الكلمات تمشي حافيةً في الغرفة
تتعثرُ بالمعاني وتضحك
كأنها تعرف أن الحقيقة
مجرد قفازٍ مقلوبٍ يرتديه الغياب.
أتحدث إليها
فتلتفت إليّ بخشوعٍ طفلٍ يسمع المطر للمرة الأولى.
الذاكرة هنا
لكنها تلبسُ قناع النسيان
كعجوزٍ يروي حكايته ولا يثق بما يقول.
كلُّ ما فيّ يتذكر ما لم يحدث
ويحاول أن ينسى ما لم ينتهِ بعد.
هكذا يبدأ الغموض
حين تتحرك الأشياء بما يكفي لتُرى
ولا تكشف من نفسها سوى رعشةِ المعنى.
في المطبخ
ينتظر القدح أن يُملأ
لكنه يعرف أن الانتظار شكلٌ من الامتلاء.
الماء يسقط من الصنبور ببطءٍ متعمّد
كأنه يختبر فكرة الزمن
والنافذة تبتسم للغبار
كعاشقةٍ تغازل من خانها مرارًا.
كلُّ شيءٍ يراقبني وأنا أكتب:
المنشفة تتجسس على أفكاري،
المرآةُ تحاول أن تُخفي وجهي خلف ابتسامتها.
حتى الحبر
هذا الدم الصامت
يُسال على الورق كما لو أنه يريد أن يعتذر
عن كثرة ما قال ولم يفهمه أحد.
في الخارج
السماء لا زرقاء ولا رمادية
بل مزيجٌ من ذاكرةٍ وغياب
كعينٍ لم تعد تميّز بين الدمع والضوء.
يمرّ طائرٌ بلا جناحين
يصفّق الهواء له كما يصفّق الموتى لحياتهم الماضية.
هناك
في البعيد
رجلٌ يسقي شجرةً يابسة
يحدثها عن المطر
فتنتعش كأنها صدّقت الكذبة.
أضحك
ليس لأن المشهد مضحك
بل لأن السخرية طريقة أخرى للبقاء.
الغموض لا يسكن في الأشياء
بل في محاولتنا لترتيبها
في خوفنا من أن تكون الحياة
أوضح مما نظن
وأبسط مما نحتمل.
الليل يقترب بخطواتٍ من زجاج
لا يترك أثرًا
لكنه يجرح الهواء حين يمرّ.
كلُّ شيءٍ الآن يتحدث بصوتٍ منخفض
حتى الصمت يبدو متعبًا من نفسه.
أفتح النافذة
فأرى الذاكرة تلوّح لي بثوبها الأسود
تقول: لا تبحث عني
أنا التي كنتُك ولم تعدني.
في الزاوية
ينام القلم ككلبٍ شاخ من الكلام
يحلمُ بورقةٍ بيضاء
تغفر له ما كتب.
أفكر: ربما الغموض
ليس ما نُخفيه عن الآخرين
بل ما لا نجرؤ على قوله لأنفسنا.
كأن المعنى، في لحظاته الأصفى،
يطلّ من بين الكلمات
ليضحك علينا ثم يختفي.
ثمة طَرقٌ خفيف على باب الروح
ربما هو الفجر
أو خيالُ من عبرَ الحلم قبل أن يكتمل.
أشعر أن الجدران تتنفّس
أن الضوء القادم من الناحية الأخرى
يحمل ملامحي في طريق العودة.
هكذا يكتمل الشعر
حين يتوقف عن البحث عن الأسرار
ويصير هو السرّ نفسه.
الغموض لا يسكن القصيدة
بل يسكننا
حين نحاول أن نرى العالم
كما يراه الله في لحظة حنين.
الريح تتظاهر بأنها تعرف أكثر مما تقول
والستائر تتنفس كصدر امرأةٍ متعبةٍ من الانتظار.
ثمة شيء في الضوء يشبه صوتًا قديمًا
صوت من قال:
إنّ الغموض ليس بابًا يُغلق على الشعر
بل طريقًا يمرّ به المعنى ليغتسل من وضوحه.
أمدّ يدي إلى الهواء
فيتلوّى بين أصابعي كحلمٍ خائفٍ من الصحو
كلُّ شيءٍ يحاول أن يكون شيئًا آخر:
الكرسي شجرةٌ نُفيت من الغابة
القدحُ قمرٌ صغيرٌ يتذكّر محاقه
والظلّ، ذلك الحيوان الهادئ
يُربّت على كتف الأرض كي لا تصرخ.
أحيانًا
أرى الكلمات تمشي حافيةً في الغرفة
تتعثرُ بالمعاني وتضحك
كأنها تعرف أن الحقيقة
مجرد قفازٍ مقلوبٍ يرتديه الغياب.
أتحدث إليها
فتلتفت إليّ بخشوعٍ طفلٍ يسمع المطر للمرة الأولى.
الذاكرة هنا
لكنها تلبسُ قناع النسيان
كعجوزٍ يروي حكايته ولا يثق بما يقول.
كلُّ ما فيّ يتذكر ما لم يحدث
ويحاول أن ينسى ما لم ينتهِ بعد.
هكذا يبدأ الغموض
حين تتحرك الأشياء بما يكفي لتُرى
ولا تكشف من نفسها سوى رعشةِ المعنى.
في المطبخ
ينتظر القدح أن يُملأ
لكنه يعرف أن الانتظار شكلٌ من الامتلاء.
الماء يسقط من الصنبور ببطءٍ متعمّد
كأنه يختبر فكرة الزمن
والنافذة تبتسم للغبار
كعاشقةٍ تغازل من خانها مرارًا.
كلُّ شيءٍ يراقبني وأنا أكتب:
المنشفة تتجسس على أفكاري،
المرآةُ تحاول أن تُخفي وجهي خلف ابتسامتها.
حتى الحبر
هذا الدم الصامت
يُسال على الورق كما لو أنه يريد أن يعتذر
عن كثرة ما قال ولم يفهمه أحد.
في الخارج
السماء لا زرقاء ولا رمادية
بل مزيجٌ من ذاكرةٍ وغياب
كعينٍ لم تعد تميّز بين الدمع والضوء.
يمرّ طائرٌ بلا جناحين
يصفّق الهواء له كما يصفّق الموتى لحياتهم الماضية.
هناك
في البعيد
رجلٌ يسقي شجرةً يابسة
يحدثها عن المطر
فتنتعش كأنها صدّقت الكذبة.
أضحك
ليس لأن المشهد مضحك
بل لأن السخرية طريقة أخرى للبقاء.
الغموض لا يسكن في الأشياء
بل في محاولتنا لترتيبها
في خوفنا من أن تكون الحياة
أوضح مما نظن
وأبسط مما نحتمل.
الليل يقترب بخطواتٍ من زجاج
لا يترك أثرًا
لكنه يجرح الهواء حين يمرّ.
كلُّ شيءٍ الآن يتحدث بصوتٍ منخفض
حتى الصمت يبدو متعبًا من نفسه.
أفتح النافذة
فأرى الذاكرة تلوّح لي بثوبها الأسود
تقول: لا تبحث عني
أنا التي كنتُك ولم تعدني.
في الزاوية
ينام القلم ككلبٍ شاخ من الكلام
يحلمُ بورقةٍ بيضاء
تغفر له ما كتب.
أفكر: ربما الغموض
ليس ما نُخفيه عن الآخرين
بل ما لا نجرؤ على قوله لأنفسنا.
كأن المعنى، في لحظاته الأصفى،
يطلّ من بين الكلمات
ليضحك علينا ثم يختفي.
ثمة طَرقٌ خفيف على باب الروح
ربما هو الفجر
أو خيالُ من عبرَ الحلم قبل أن يكتمل.
أشعر أن الجدران تتنفّس
أن الضوء القادم من الناحية الأخرى
يحمل ملامحي في طريق العودة.
هكذا يكتمل الشعر
حين يتوقف عن البحث عن الأسرار
ويصير هو السرّ نفسه.
الغموض لا يسكن القصيدة
بل يسكننا
حين نحاول أن نرى العالم
كما يراه الله في لحظة حنين.