بات من المؤكد أن روسيا تسير بسرعة نحو استعادة دورها الفاعل في سورية. ومن المرتقب أن تشهد العلاقات السورية الروسية في الفترة القريبة المقبلة دفعاً جديداً، يُترجم عبر سلسلة من الاتفاقات والتفاهمات التي حصلت الأسبوع الماضي خلال زيارة وفد سوري رفيع المستوى إلى موسكو، ضمّ وزيري الخارجية والدفاع أسعد الشيباني ومرهف أبو قصرة، وقائد جهاز الاستخبارات حسين السلامة.
تفعيل دور القوات الروسية في سورية
الأمن هو المسألة الأساسية على جدول أعمال الزيارة، والذي جرى بحثه بين الوفد السوري والرئيس الروسي فلاديمير بوتين ووزير خارجيته سيرغي لافروف، وذلك ينقسم إلى ملفات عدة، يأتي منها في الصدارة نشر قوات روسية في منطقة الجنوب السوري، وتفعيل دور القوات الروسية المنتشرة في منطقة الساحل، حيث لا تزال روسيا تحتفظ بقاعدة حميميم في ريف اللاذقية. وكشف مصدر سوري واسع الاطلاع لـ”العربي الجديد” أن الطيران الحربي الروسي عادت إليه حرية الحركة نسبياً في منطقة الساحل ضمن صيغة تفاهم مع دمشق، وقد قامت في الآونة الأخيرة طائرات سوخوي 35 روسية، انطلقت من حميميم، باعتراض طائرات حربية إسرائيلية ومنعتها من دخول المجال السوري.
لم تتصرف القوات الروسية من تلقاء نفسها، ولم يكن هدفها الدخول في مواجهة عسكرية مع إسرائيل في سورية، وكانت عملية الاعتراض رسالة سياسية متعددة الأطراف والمعاني، وهي ترجمة للخطوط العريضة لتفاهمات حصلت خلال اللقاء بين الرئيس السوري أحمد الشرع ونظيره الروسي في موسكو، في 15 أكتوبر/تشرين الأول الماضي.
أطراف الرسالة الروسية هي الولايات المتحدة، وتركيا، والسعودية، وإسرائيل، ومعانيها أن موسكو تدعم الحكم السوري الحالي، ومعنية بتثبيته واستقراره، وقد بحثت ذلك مع كل من واشنطن وأنقرة والرياض، ولم يحصل اعتراض من أي منها، بل على العكس تلقت ضوءاً أخضر من الدول التي أعلنت في أكثر من مناسبة دعمها السلطات السورية، التي تولت الحكم بعد سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024 وفتحت الأبواب أمام الشرع لزيارة واشنطن وأنقرة والرياض، وقد بلغت تفاهمات الأطراف الثلاثة مستوى متقدماً، أدى إلى رفع العقوبات عن سورية بصورة كاملة.
الرسالة الروسية إلى إسرائيل، ليست منفصلة عن اتصالات روسية إسرائيلية مستمرة حول الوضع السوري في إطار قواعد الاشتباك التي كانت سارية خلال حكم الأسد، وتتعلق بترتيبات أمنية تراعي حدود تحرك قوات الطرفين البرّية والجوية داخل الأراضي السورية، وقد كانت موسكو الضامن الأساسي بعدم صدور تهديد أمني لإسرائيل من الأراضي السورية. وأفاد مصدر سوري مطلع بأن الشرع طرح خلال زيارته موسكو تفعيل هذه الآلية التي جرى العمل بها منذ عام 2018، حينما نُشرت قوات روسية في الجنوب السوري في تسعة مواقع عسكرية في ريفي القنيطرة ودرعا، وبناء على ذلك أجرى بوتين اتصالاً هاتفياً مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
نتيجة لهذه الاتصالات زار وفدٌ روسي رفيع المستوى برئاسة نائب وزير الدفاع يونس بك يفكيروف دمشق، في 17 نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، وتفقد قسم منه النقاط العسكرية التي كانت تنتشر فيها القوات الروسية منذ عام 2018، وانسحبت منها بعد سقوط نظام الأسد، وكان مكوناً من نحو 15 سيارة دفع رباعي ترافقها نحو عشر سيارات من الأمن العام والشرطة العسكرية السورية، وذهب إلى القطاع الشمالي من محافظة القنيطرة، واتخذ طريقاً من مدينة سعسع بريف دمشق باتجاه منطقة بيت جن أقصى ريف دمشق الجنوبي الغربي، المحاذية لمحافظة القنيطرة، ثم توجه إلى التلول الحمر التي تقع غرب بلدة بيت جن، والتي كانت نقطة عسكرية روسية سابقاً، ثم توجه الوفد إلى ريف القنيطرة الأوسط. وقام الوفد الذي لم يعلن عن مهمته بتفقد بعض المواقع العسكرية التي كانت مقرات للقوات الروسية خلال حكم النظام السابق. وشهدت المناطق التي سلك الوفد طريقه منها انتشاراً أمنياً كبيراً لقوات الأمن العام السوري.
ومن أهم المواقع “التلول الحمر”، وذلك بسبب قربه من خط وقف إطلاق النار في عام 1973، حيث يؤهله موقعه ليلعب دوراً أساسياً في المراقبة والاستطلاع باتجاه القوات الإسرائيلية في الجولان السوري المحتل. وتحدثت مصادر إعلامية مطلعة عن أنّ روسيا أنشأت في ختام زيارة الوفد العسكري والأمني نقطة لوجستية دائمة في القنيطرة، لغرض دراسة الوضع بما يلزم لتفعيل دورها السابق، وما يتطلبه ذلك فنياً وهندسياً لإعادة الانتشار، وتزويد القيادة الروسية بتقارير تفصيلية عن الوضع الميداني، بما في ذلك التوغلات الإسرائيلية.
مصدر سوري: قامت طائرات سوخوي، انطلقت من حميميم، باعتراض طائرات حربية إسرائيلية ومنعتها من دخول المجال السوري
تأتي الخطوة ضمن استراتيجية روسية جديدة لإعادة تموضع نفوذها العسكري على الحدود الجنوبية في سورية، ومنع نشوء أي فراغ يمكن استغلاله من قبل قوى محلية أو إقليمية. ويلتقي ذلك مع هدف السلطات السورية من انتشار القوات الروسية (الشرطة العسكرية الروسية) لسحب الذرائع من إسرائيل التي سيطرت على مناطق واسعة في محافظات ريف دمشق والقنيطرة ودرعا، وتشكل تهديداً لحياة المدنيين الذين اعتُقل العشرات منهم من القوات الإسرائيلية. وضمن هذا التوجه جرت زيارة الوفد السوري الأخيرة إلى موسكو، والتي هدفت إلى وضع النقاط على الحروف، والانتقال إلى الإجراءات الميدانية. ومن المرتقب أن تشهد الفترة القريبة جداً انتشاراً للقوات الروسية في تسعة من المواقع جنوبي سورية، ولا سيما في ريفي القنيطرة ودرعا. وتُعد هذه المواقع من نقاط الانتشار التي انسحبت منها موسكو خلال المرحلة الانتقالية.
نزع الذرائع الإسرائيلية
نتيجة زيارة الوفد السوري إلى موسكو من المرتقب أن تترجم نفسها على الأرض، وستعلن موسكو، تدريجياً، عن إعادة فتح بعض مواقعها العسكرية في جنوب سورية قبل نهاية العام، وبناء عليه ستشهد المنطقة تسيير دوريات روسية في ظل ترتيبات ميدانية. وتأكيداً لذلك، نقل تقرير لهيئة البث العام الإسرائيلية، يوم الأربعاء الماضي، عن مصدر أمني مطّلع، أن روسيا تسعى إلى إعادة انتشار قوات الجيش السوري في جنوب البلاد، قرب الحدود مع إسرائيل ومناطق الجولان المحتل، على غرار الوضع الذي كان قائماً قبل انهيار نظام الأسد. في المقابل، أشار التقرير إلى أن إسرائيل تفضّل وجوداً روسياً في جنوب سورية باعتباره بديلاً عن محاولة تركية لترسيخ نفوذها العسكري في تلك المنطقة الحسّاسة بالنسبة لإسرائيل. ونقل التقرير عن مصدر أمني إسرائيلي مشارك في الاتصالات، أن هناك فجوات بين إسرائيل وسورية، بالرغم من الوساطة الروسية، إلا أنه تحدث عن تسجيل “تقدّم معيّن” في مسار المحادثات خلال الأسابيع الأخيرة، دون الكشف عن تفاصيل إضافية.
من الواضح أن سورية تعمل وفق ثلاث قواعد، تحقيق قدر من التوازن بين الوجودين التركي والروسي، وأن انتشار القوات الروسية في الجنوب هدفه نزع الذرائع الإسرائيلية، ضامنة موافقة الولايات المتحدة، ودعمها في الضغط على نتنياهو لإخراج الاتفاق الأمني ضمن هذه الروحية. وتبرز أهمية الدور الروسي بالنسبة لدمشق في محاولة إحداث توازن نسبي، أو توفير مكابح تحدّ من وتيرة التصعيد والتوغلات الإسرائيلية المتواصلة في الجنوب، ووضع حدّ لمحاولات تحريك الأطراف المتعاونة معها في السويداء من أجل إفشال مساعي الدولة لبسط سيطرتها على كامل الجغرافيا السورية، بما في ذلك منطقة الجزيرة السورية، حيث لا تزال قوات روسية ترابط في مطار القامشلي. وفي نظر دمشق، تبدو موسكو جادة في لعب دور على هذا الصعيد، وقد سبقت زيارة الوفد السوري تصريحات من قبل وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، ركّز على “المهام العملية لضمان المسألة الجوهرية وهي سيادة الجمهورية العربية السورية ووحدة أراضيها”، وحذّر من محاولات أميركية لتعزيز نزعات انفصالية في منطقة الجزيرة السورية التي تسيطر عليها “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، معتبراً أن دعم واشنطن لـ”قسد” لا يقتصر على البعد العسكري، بل يمتد إلى ترتيبات سياسية قد تهدد وحدة البلاد.
وهنا لا بدّ من ملاحظة وجود تقاطع في الخطاب بين موسكو وأنقرة، حيال رفض أي مسار يمكن أن يقود إلى تفكيك وحدة الأراضي السورية، من دون أن يعني ذلك تطابقاً في الأهداف أو وجود تنسيق معلن. وفي هذا الصدد، تجدر ملاحظة الزيارة التي قام بها إلى دمشق وفد تركي رفيع المستوى تشكل من وزيري الخارجية والدفاع، هاكان فيدان ويشار غولر، ورئيس جهاز الاستخبارات العامة إبراهيم كالن. وللأهمية وضعت الخارجية التركية الزيارة ضمن نطاق متابعة تنفيذ اتفاق 10 مارس/ آذار بين الحكومة السورية و”قسد”، كونه يرتبط بشكل مباشر بأولويات الأمن القومي التركي، وبحث المخاطر الأمنية في جنوب سورية في ظل الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة.