لم يعد ممكنًا التهرّب من الحقيقة: ما يجري في الشرق الأوسط ليس “مخاض تحولات” ولا مجرد “تداعيات جيوسياسية”، بل نتيجة مباشرة لفشل الدولة المركزية المفرطة كما صاغتها وحكمتها أنظمة الاستبداد. فالمنطقة اليوم أمام معادلة واضحة: إمّا إعادة بناء الدولة على أسس جديدة، أو استمرار الانهيار مهما طال إنكاره.
إن الأزمة ليست في وحدة الدولة، بل في شكلها. فالمركز، كما أُدير في معظم دول المنطقة، لم يبنِ دولة مواطنة، بل راكم سلطة مغلقة تحتكر القرار والثروة، وتُقصي الأطراف والمجتمعات المحلية من المشاركة الفعلية. وبدل أن تكون الدولة إطارًا جامعًا، تحوّل المركز إلى عبء سياسي واقتصادي، وإلى مصدر دائم للتوتر وعدم الاستقرار.
اللامركزية ليست نقيض الدولة، بل شرط من شروط إنقاذها. فهي استجابة سياسية لفشل المركز في الإدارة والتنمية والتمثيل، وليست مشروع تفكيك أو تمهيدًا للانقسام كما يروّج خطاب السلطة. إن الدول التي عجزت عن إدارة تنوّعها من خلال مركز متضخّم، لا يمكنها الاستمرار من دون توزيع حقيقي للسلطة والصلاحيات والموارد.
لقد فشل المركز، في معظم دول المنطقة، فشلًا أخلاقيًا وسياسيًا، قبل أن يفشل إداريًا. لم يُنتج مواطنة متساوية، بل علاقات ولاء. لم يؤسس عدالة تنموية، بل تفاوتًا صارخًا بين العاصمة والأطراف. ومع انسداد الأفق السياسي، تحوّلت مطالب اللامركزية إلى صراع مع السلطة، لا لأن اللامركزية خطر، بل لأن الاستبداد يرى في أي توزيع للسلطة تهديدًا مباشرًا لاحتكاره.
إن تجريم اللامركزية، ووصمها بالانفصال أو الخيانة، ليس سوى اعتراف ضمني بعجز الدولة المركزية عن الإصلاح. فالدولة الواثقة من نفسها لا تخشى نقل الصلاحيات، ولا ترى في تمكين المجتمعات المحلية تهديدًا لوحدتها، بل ضمانًا لاستمرارها. أما الدولة التي لا تعيش إلا عبر السيطرة، فهي دولة هشّة مهما بدت متماسكة ظاهريًا.
وفي ظل تفاقم الفرز الإقليمي، وتحول الدول الهشّة إلى ساحات صراع مفتوحة، تبدو اللامركزية السياسية والإدارية خيارًا واقعيًا للخروج من إدارة الأزمات إلى معالجتها. لا استقرار من دون مشاركة، ولا وحدة من دون عدالة، ولا دولة قابلة للحياة من دون عقد اجتماعي يعيد تعريف العلاقة بين المركز والأطراف.
إن الرهان الحقيقي اليوم ليس على الدفاع الأعمى عن مركز فاشل، بل على إعادة توزيع السلطة داخل الدولة الواحدة. فاللامركزية ليست طريقًا إلى التفكك، بل آخر فرصة لمنع انهياره. ومن يواصل شيطنتها، إنما يدافع عن استبداد أثبت فشله، ويساهم، بوعي أو بدونه، في تقويض ما تبقّى من الدولة.