جنيف – أعلنت سلطنة عمان التي تقود الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران، أن الجولة الثالثة من المحادثات التي عقدت في جنيف الخميس، أفضت إلى تحقيق “تقدم مهم”، وستليها مباحثات تقنية في فيينا الأسبوع المقبل.
ورغم التفاؤل الذي أبداه وزير الخارجية العماني بدر بن حمد البوسعيدي الذي يتولى الوساطة في المباحثات غير المباشرة، لكن مراقبين يرون أن الأمور لا تزال غير محسومة، وأن فرضية استخدام الولايات المتحدة للقوة لا تزال واردة وبقوة.
وأمهل الرئيس الأميركي دونالد ترامب في 19 فبراير إيران ما بين 10 و15 يوما للتوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة وإلا مواجهة “أمور سيئة”. ودعا نائب الرئيس الأميركي جاي دي فانس إيران الأربعاء إلى أن تأخذ تهديدات واشنطن “على محمل الجد”.
وأتت جولة المحادثات الجديدة في جنيف في حين يؤكد كل من الطرفين منذ يناير انفتاحه على الحوار واستعداده في الوقت نفسه لعمل عسكري.
وبعد محادثات قسمت إلى جزءين صباحا وعصرا، كتب وزير الخارجية في منشور على منصة إكس “أنهينا اليوم بعد تحقيق تقدم مهم في المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران. سنستأنف قريبا بعد تشاور في العواصم المعنية”.
وأشار إلى أن “نقاشات على المستوى التقني ستجرى الأسبوع المقبل في فيينا” حيث مقر الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتي شارك مديرها العام رافايل غروسي في جولة الخميس.
من جهته نقل موقع “إكسيوس” عن مسؤول أميركي قوله إلى المباحثات اتسمت بالإيجابية. وعقدت المباحثات في مقر إقامة السفير العُماني قرب جنيف. وقاد وفد إيران وزير خارجيتها عباس عراقجي، بينما تقدم الوفد الأميركي المبعوث الخاص ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر صهر ترامب.
رغم التفاؤل الذي أبداه وزير الخارجية العماني بدر بن حمد البوسعيدي، لكن مراقبين يرون أن الأمور لا تزال غير محسومة، وأن فرضية استخدام الولايات المتحدة للقوة لا تزال واردة وبقوة.
وكان البوسعيدي كتب على إكس في وقت سابق الخميس “تبادلنا اليوم في جنيف أفكارا بنّاة وإيجابية”، مضيفا “نأمل في إحراز مزيد من التقدم”.
وانضم غروسي إلى المحادثات “بصفة مراقب تقني من شأنه أن يساهم في دفع المحادثات بقدر أكبر من الدقّة والجدّية”، وفق التلفزيون الرسمي الإيراني.
وتؤكد واشنطن ضرورة أن يضمن أي اتفاق محتمل منع إيران من امتلاك سلاح نووي، وهو هاجس غربي يغذي منذ زمن الخلاف مع طهران. وتنفي الأخيرة على الدوام أنها تسعى لتطوير سلاح ذري، مع تمسّكها بحقها في برنامج نووي لأغراض سلمية.
كما تريد واشنطن تقييد طهران في مجال الصواريخ البالستية والنفوذ الاقليمي، وهو ما ترفض إيران البحث فيه.
وذكرت صحيفة وول ستريت جورنال الخميس أن فريق التفاوض الأميركي سيطالب إيران بتفكيك مواقعها النووية الرئيسية الثلاثة، وتسليم مخزونها من اليورانيوم المخصب إلى واشنطن.
وبموازاة استمرار الحشد العسكري الأميركي، قال الرئيس دونالد ترامب الثلاثاء إنه يفضل حل الخلاف بالطرق الدبلوماسية، لكنه اتهم طهران بمواصلة طموحاتها النووية “الشريرة”، والعمل على تطوير صواريخ قادرة على بلوغ أوروبا وحتى الولايات المتحدة.
وردا على اتهام ترامب طهران في الملف النووي، أكد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان الخميس أن “مرشدنا الأعلى (آية الله علي خامنئي) أعلن من قبل أننا لن نملك إطلاقا أسلحة نووية”، في إشارة إلى الفتوى الدينية التي أصدرها بهذا الشأن قبل عقود.
وأضاف بزشكيان “حتى لو أردت المضي في هذا الاتجاه، لن أتمكن من ذلك من وجهة نظر عقائدية، لن يُسمح لي بذلك”.
وتشكّل مسألة الصواريخ البالستية موضوعا خلافيا آخر بين الجانبين، إذا تريد واشنطن إدراج برنامج إيران في هذا المجال في الاتفاق، لكن طهران أكدت أن النقاش سيقتصر على الملف النووي.
وحذّر وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو عشية المحادثات من أن إيران يجب أن تتفاوض أيضا بشأن برنامجها الصاروخي، واصفا رفضها بأنه يمثّل “مشكلة كبيرة جدا”.
وقال ترامب في خطاب “حال الاتحاد” في الكونغرس إن الإيرانيين “صمموا بالفعل صواريخ يمكنها تهديد أوروبا وقواعدنا (العسكرية) في الخارج، وهم يعملون على بناء صواريخ ستكون قريبا قادرة على الوصول إلى الولايات المتحدة”.
وأعاد هذا الخطاب إلى الأذهان محطة بارزة في الحياة السياسية الأميركية، حين عرض الرئيس الأسبق جورج دبليو بوش مبرراته لغزو العراق عام 2003.
ووصف المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي ادعاءات ترامب بأنها “أكاذيب كبرى”.
وتؤكد إيران أنها تمتلك ترسانة كبيرة من الصواريخ البالستية المصنّعة محليا، وتشدد على أن أقصى مدياتها يبلغ ألفي كيلومتر. ويمكن لهذه الصواريخ أن تطال إسرائيل وبعض الأنحاء الشرقية من أوروبا.
ورغم هذه الاختلافات، اعتبر عراقجي قبل المباحثات أن الاتفاق “في المتناول”، متحدثا عن فرصة تاريخية لإبرام “اتفاق غير مسبوق”.
وسبق لإيران أن أبرمت اتفاقا مع القوى الكبرى عام 2015 أتاح تقييد برنامجها النووي لقاء رفع عقوبات عنها. لكن مفاعيله أصبحت في حكم اللاغية منذ سحب ترامب واشنطن منه عام 2018 خلال ولايته الأولى.
واستأنفت الولايات المتحدة وإيران المفاوضات في وقت سابق هذا الشهر، بعدما أطاحت بالمباحثات السابقة الحرب التي أطلقتها إسرائيل في يونيو ودامت 12 يوما، وساهمت فيها واشنطن بقصف مواقع نووية.
وبرزت التوترات الجديدة بين واشنطن وطهران بعد حملة قمع عنيف شنّتها السلطات الإيرانية على حركة احتجاجية واسعة النطاق شهدتها البلاد، وأسفرت عن مقتل الآلاف من الأشخاص.
وكان ترامب تعهد خلال الاحتجاجات بأن المساعدة الأميركية “في طريقها” إلى الشعب الإيراني. وشهدت جامعات إيرانية وخصوصا في العاصمة، تجمعات جديدة مؤيدة للحكومة وأخرى مناوئة لها منذ بدء الفصل الثاني لهذا العام السبت.
وعلّقت جامعة طهران عضوية ثلاثة من طلابها بسبب حرقهم علم إيران المعتمد منذ إقامة الجمهورية الإسلامية بعد ثورة 1979 التي أطاحت بالنظام الملكي.
وتنشر واشنطن حاليا 13 قطعة بحرية حربية في منطقة الخليج والشرق الأوسط، بينها حاملة الطائرات الأكبر في العالم “جيرالد آر فورد” التي غادرت قاعدة بحرية في جزيرة كريت اليونانية الخميس.