ذكرى الثورة السورية.. من إسقاط الاستبداد إلى استحقاق العدالة والدستور

- صحيفة الثورة السورية
الثورة السورية – بتول الحكيم
تمرّ الذكرى الخامسة عشرة لانطلاق الثورة السورية هذا العام محمّلةً بقدر كبير من المشاعر المتباينة لدى السوريين، بين استعادة صور الألم والخسارات التي حفرت عميقاً في الذاكرة، وبين التطلع إلى مرحلة جديدة يأمل كثيرون أن تكون أقل قسوة وأكثر عدلاً، فالسنوات الماضية لم تترك بيتاً تقريباً من دون أثر، سواء بفقدان عزيز، أو غياب قسري، أو نزوح وشتات، ما جعل هذه المناسبة أقرب إلى محطة للتأمل فيما حدث وما يمكن أن يكون.
كيف بدأت الحكاية؟
بدأت القصة من أيدي أطفال درعا الذين خطّوا عبارات الحرية على الجدران، ليصطدموا بوحشية النظام المخلوع الذي قتلهم بدم بارد ووحشية مفرطة، وعاد بعضهم إلى أهاليهم جثثاً بلا أرواح، فتعالت الأصوات المنادية بالحرية والكرامة، وتعالت معها صيحات الشبيحة ووحشيتهم، يجوبون الشوارع ويطوّقون المساجد والأحياء ويقتادون الثوار إلى الأفرع الأمنية لخنق صيحات الحرية، التي ما لبثت أن تحوّلت إلى تشييع للشهداء إلى مثاويهم، وكلما وُوري جسد شهيد الثرى، أوقدت نار الثورة في قلوب الثوار، وارتفعت شعارات “الموت ولا المذلة”، واختاروا النصر أو الشهادة؛ فمن قُتل دون أرضه فهو شهيد، وغصّت المعتقلات بالحرائر والأحرار، وامتلأت عيون الأيامى بالعبرات، وشقّت صرخات الثكالى أبواب السماء، وقال الله لدعوة المظلومين والمكلومين: لأنصرنك ولو بعد حين.
وتتالت المجازر الواحدة تلو الأخرى، واتخذ الطغاة شعاراً: الأسد أو نحرق البلد، وقاموا بحرق الأخضر واليابس، وأمعنوا قتلاً في الشجر والحجر، ولا تزال صور المجازر حبيسة في ذاكرتنا، من دماء ضحايا مجازر وادي بَرْمَدا واللطامنة والتريمسة إلى الحولة والتضامن، إلى شهقات المخنوقين بالكيماوي في الغوطة وخان شيخون، والهياكل العظمية التي قضت في صيدنايا، والمقابر الجماعية التي ضمّت رفات الشهداء، ودموع أمٍّ تنتظر ابنها ولم يعد، فراحت تفتّش عن عظامه في المقابر الجماعية وتبحث عنه في وجوه المارة، تحلم بقبر تزوره وتقرأ له الفاتحة، ووجع طفل فقد أباه فتحوّل إلى رجل في يوم وليلة.
أرواح الضحايا لن تهدأ بدون عدالة
اليوم، وعلى أعتاب سوريا الحرة، لا يمكن فتح صفحة جديدة دون تحقيق العدالة التي طالما انتظرها المقهورون، حيث يقول رئيس مجلس إدارة رابطة عائلات قيصر وأحد ذوي الضحايا حسن عجم لصحيفة “الثورة السورية”: إن ملف المعتقلين والمغيبين قسراً لا يُعدّ ملفاً من الماضي لنطويه، وإنما يمثل جريمة مستمرة، فنحن لا نتعامل مع ضحايا سقطوا في معركة وانتهى الأمر، بل نتحدث عن مئات الآلاف من الأرواح التي طُحنت يومياً في مسالخ بشرية تحت الأرض، وتعقيد الملف ينبع من أن نظام الأسد اتخذ من أجساد أبنائنا رهائن وأدوات لترهيب المجتمع بأسره وسلاحاً للمساومة السياسية، وخلف كل معتقل عائلة بأكملها حُكم عليها بالانتظار القاتل؛ لا هم قادرون على الحزن وبدء الحداد، ولا هم قادرون على الفرح بالنصر وسقوط نظام الأسد، إنهم معلّقون في مشنقة الأمل واليأس معاً.
ويضيف “عجم” أن جبر الضرر بالنسبة للضحايا وذويهم ليس منّةً من أحد، ولا هو “دية” مالية تُدفع للأهالي، وإنما هو استعادة الكرامة التي حاول الجلاد سلبها، تبدأ أشكاله من الجانب المعنوي والقانوني، بالاعتراف الصريح بالجريمة والاعتذار العلني وتبرئة أبنائنا من تهم “الإرهاب” المعلّبة التي لُفّقت لهم لتبرير قتلهم، ثم يأتي تخليد ذكراهم عبر نصب تذكارية ومناهج دراسية تحكي قصصهم للأجيال القادمة كي لا تتكرر المأساة، ويشمل جبر الضرر المادي المتمثل في تأمين الرعاية الصحية والنفسية والاجتماعية لعائلات الضحايا والناجين الذين دُمّرت حياتهم ومصادر رزقهم.
ويرى “عجم” أن أي حديث عن التعويض قبل كشف المصير والمحاسبة هو إهانة لدماء الضحايا، وأن التعويض الحقيقي يبدأ بمعرفة مصير من قضوا تحت التعذيب، كما رأينا بأعيننا في “صور قيصر”، وتسليم رفات الشهداء لذويهم لدفنهم بكرامة تليق بهم، ورؤية من أمر ونفّذ عمليات التعذيب والقتل يقف خلف القضبان، وبعد تحقيق هذه العدالة يمكننا التحدث عن التعويض المؤسسي والمالي لمساعدة العائلات على النهوض من جديد، فالمادة لا تعوّض فقدان الابن، لكن العدالة تُبرّد قلب الأم والزوجة والعائلة ككل.
ويعتبر “عجم” إشراك الضحايا وذويهم في مسار العدالة الانتقالية الضمان الوحيد لعدم تفريغ العدالة من مضمونها، مشيراً إلى أن ترك تصميم مسار العدالة الانتقالية للسياسيين والدبلوماسيين وحدهم يحوّل تضحيات الضحايا إلى ورقة مساومة على طاولات التفاوض من أجل “تسويات سياسية” مشوّهة، فالضحايا وأهاليهم هم الوحيدون القادرون على وضع خطوط حمراء تمنع الإفلات من العقاب، وتضمن أن المحاسبة ستطال رؤوس النظام والمجرمين، وليس فقط الأدوات الصغيرة، وبدونهم تصبح العدالة الانتقالية مجرد حبر على ورق.
ويؤكد أن كشف الحقيقة هو نقطة الصفر، وهو حجر الزاوية الذي يُبنى عليه مسار العدالة، ولا يوجد مسار سياسي ولا انتقال سلمي ولا إعادة إعمار في سوريا يمكن أن ينجح ويثبت فوق مقابر جماعية نزلاؤها مجهولو الهويات، ولا يمكن طيّ الصفحة وهناك مئات الآلاف من السوريين لا يمتلكون شواهد قبور لأبنائهم.
العدالة الانتقالية الاستحقاق الأهم ما بعد التحرير
الحقوقية المحامية زينب الدرويش توضّح لـ”الثورة السورية” أن مفهوم العدالة الانتقالية هو حلقة الوصل بين مفهومين عموميين هما الانتقال أو التحول والعدالة، وبالنسبة لتعريفات الأمم المتحدة، فالعدالة “هي من المثل العليا للمساءلة والإنصاف في حماية الحقوق وإحقاقها ومنع التجاوزات والمعاقبة عليها”، أما الانتقال أو التحول في مفهوم العدالة الانتقالية فهو مفهوم منحصر في فترة من التغيرات السياسية، تتميز باتخاذ تدابير قانونية وحقوقية لمواجهة وتصحيح جرائم ارتُكبت عن طريق نظام قمعي سابق، ما يعني أنه النظام الذي يسعى إلى بذل كل ما يلزم كي تنجح المجتمعات في التعامل مع الإرث القديم للانتهاكات الجسيمة والصارخة لحقوق الإنسان، والعمل على تطوير أدوات مختلفة من أجل تحقيق هذه الغاية.
وتضيف “الدرويش” أن هناك حقيقة اجتماعية نفسية مهمة وجوهرية لا يمكن تجاهلها، وهي الخوف والقلق من فراغ العدالة الرسمية، فإذا حدث هذا الفراغ سرعان ما تملؤه أشكال من “العدالة الشعبية” أو “العدالة الغامضة” أو العدالة “القلقة”، أو أشكال من العدالة لا نعرف لها أساساً أو منشأً أو قانوناً، والتي غالباً ما تكون عشوائية وانتقامية وانتهازية وتفتقر إلى الضمانات القانونية الأساسية، لذلك كانت العدالة الانتقالية استحقاقاً أساسياً وإسعافياً للمرحلة الراهنة، إضافة إلى شمولها كشف الحقيقة وجبر الضرر وضمان عدم التكرار وإصلاح المؤسسات، وهذا يتطلب إجراءات ومهام وصلاحيات ينصّ عليها القانون لتكون العملية مبنية على أسس قانونية تنص على حقوق وواجبات جميع الجهات والمؤسسات والشخصيات المعنية ضمن إطار عملية العدالة الانتقالية.
وترى “الدرويش” أن المجتمع السوري أمام مفترق طرق مفصلي: إما المضي نحو بناء دولة قائمة على العدالة وسيادة القانون، أو الانزلاق نحو دوامة من الفوضى والانتقام وتصفية الحسابات، وبالتالي هناك معضلة جوهرية في المشهد السوري تتمثل في التوازن بين الرغبة المشروعة للضحايا في تحقيق العدالة، وخطر تحوّل هذه الرغبة إلى أعمال انتقام فردية خارج إطار القانون، مؤكدة أن استمرار هذه الظاهرة وتوسّعها يهدد بتقويض أي فرصة لبناء سلام مستدام، ويضع العملية الانتقالية برمتها على محكّ خطير، ما يبرز الأهمية القصوى لوجود إطار مؤسسي للعدالة الانتقالية يستجيب لتطلعات الضحايا في الإنصاف ويكفل حقوقهم ويحمي المجتمع من الانزلاق نحو حلقة جديدة من العنف المدمّر.
وعلى الرغم من وجود هذه الدوامة والصراع، فإن المحاسبة أمر لا بدّ منه حتى لا يتكرر المشهد ثانية، لأن إعمال ثقافة المساءلة مكان ثقافة الإفلات من العقاب يمنح شعوراً بالأمان والراحة للضحايا، ويوجّه تحذيراً لمن يفكر في ارتكاب انتهاكات جسيمة في المستقبل، فضلاً عن أنها تعطي قدراً من الإنصاف لمعاناة الضحايا وتساعد على منع تحقيق العدالة الانتقامية.
وتضيف “الدرويش” أنه لا يمكن تحقيق محاسبة مجتمعية حقيقية ومستدامة دون محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، حيث تُعد مساءلة الجناة ركيزة أساسية للعدالة الانتقالية، وتجاهل الانتهاكات الجسيمة يؤدي إلى الإفلات من العقاب، ما يكرّس الظلم ويمنع تعافي المجتمع، فالمساءلة تضمن الإنصاف للضحايا وتمنع تكرار الجرائم.
ويُعد الإصلاح المؤسسي، وفقاً لـ”الدرويش”، الآلية الرئيسية في عملية العدالة الانتقالية لضمان عدم التكرار، وغالباً ما يركز على المؤسسات الأساسية في العنف المباشر، كالقوات المسلحة والأجهزة الأمنية والقضاء، والتي تحتاج برمتها إلى الإصلاح وإعادة الهيكلة، بما في ذلك وضع معايير في التوظيف والرقابة على أدائها، وتشير إلى أن الثغرة الأكبر تتمثل في إصلاح البنية القانونية، حيث إن ضمان عدم التكرار يتطلب الضمانات الدستورية والقانونية لمعالجة جذور المشكلة على عدة مستويات.
وتلفت “الدرويش” إلى الإصلاح القانوني اللازم من خلال تسليط الضوء على تجربتها الواقعية عبر انتسابها لنقابة المحامين فرع ريف دمشق، حيث تؤكد أن الأمور تغيّرت نحو الأفضل بنسبة كبيرة جداً، وتقول: “أصبحنا نرى بأنفسنا التنسيق بين نقابة المحامين ووزارة العدل وكثير من الوزارات والمؤسسات لتحسين الأداء القانوني في الكوادر والإدارات المتعلقة بمهنة المحاماة، وهذا ما كنا نفتقده سابقاً”.
وتلفت “الدرويش” إلى أن وزير العدل الدكتور مظهر الويس أكد أن العدالة الانتقالية أصبحت أحد الملفات الأساسية ما بعد سقوط النظام، مشدداً على أن الهدف هو الانتقال من زمن الانتهاكات إلى مرحلة كشف الحقيقة وإنصاف الضحايا ومحاسبة المتورطين وجبر الضرر، مؤكداً أن وزارتي الداخلية والعدل تعملان على ملاحقة المسؤولين عن الانتهاكات، وأن النيابة العامة بدأت بالفعل تحريك بعض الملفات، بينما نشرت وزارة العدل معلومات على منصاتها الرسمية من باب الشفافية وطمأنة المواطنين بأن المسار ليس شكلياً، مشيرةً إلى أن طبيعة الانتهاكات المتراكمة على مدى أكثر من خمسة عشر عاماً، وبعضها يعود إلى سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، تجعل مسار العدالة الانتقالية طويلاً ومعقداً، إذ يتطلب وقتاً كافياً لبناء ملفات متكاملة تضمن تحقيق العدالة بشكل مهني وقانوني.
الدستور هو الضمان الأوحد للسلم الأهلي
وحول أهم الاستحقاقات ما بعد التحرير، يتحدث المحامي إبراهيم الشياح لـ”الثورة السورية” عن الدستور كأبرز استحقاقات السوريين ما بعد التحرير، وقيامه على أحقية الشعب بأن يحكم نفسه بنفسه عن طريق ممثلين نزيهين يثق بهم، وأن يشارك مشاركة فعّالة في جميع المجالات وإقرار السياسات الداخلية والخارجية بما يتناسب مع أفكاره وحرياته ونظامه الاجتماعي ووحدته الوطنية، مضيفاً أن الدستور هو القانون الأم الذي يحدّد حدود باقي القوانين وتوجهات المشرّع السياسية والاجتماعية والثقافية وصلاحياته وشكل السلطة، وهو البوصلة لباقي القوانين في الدولة، وعليه يجب أن يكون الدستور موضوعاً بعناية خاصة تصون العدل والحريات ضمن الحدود التي لا ترقى لمستوى الحرية السلبية، وتنظّم علاقة السلطة بالشعب.
ويلفت “الشياح” إلى ضرورة إحداث جهة مختصة تفرض رقابة مشددة على تطبيق مواد الدستور في جميع مرافق ومؤسسات الدولة، وضمان عدم مخالفته على مستوى الجهات الحكومية والأفراد بعد إقراره بالاستفتاء العام.
وحول أهم الحقوق والحريات التي يجب أن يكفلها الدستور في سوريا الحرة، يرى “الشياح” أن أهم هذه الحقوق حق الفكر الحر واستثمار النقد البنّاء، الأمر الذي يمهّد لإتاحة الفرص للإبداع وكسر النمطية وابتكار طرق جديدة على جميع الأصعدة، وحق سماع الأفكار من الجميع وإمكانية مقابلة أصحاب التأثير والسلطات دون حواجز بما لا يضر الوطن، ويؤسس لمشاركة فاعلة من الشعب في نهضة الوطن.
ويوضح أن استقلال القضاء ركيزة أساسية لبناء دولة حضارية وتفعيل الثقة بين منظومة العدالة والشعب، مشدداً على ضرورة خضوع القضاء لرقابة صارمة من داخل المؤسسة القضائية، وعلى أهمية إتاحة المجال أمام كافة مكونات الشعب للمشاركة في الحياة السياسية والتمثيل السياسي العادل لكافة المكونات بما يضمن العدالة في المشاركة والبناء، بالإضافة إلى التمثيل النسائي الفعّال في كافة مفاصل الدولة تبعاً للكفاءة والخبرة والمؤهلات وتكافؤ الفرص.
ويبيّن “الشياح” أن الدستور يلعب الدور الأهم في تعزيز السلم الأهلي في حال وضعه ضمن ضوابط قانونية مدروسة وعادلة، بما يضمن ترسيخ مبادئ العدالة والمساواة والمواطنة، فالحاجة إلى العدل والأمان حاجة فطرية تضمن أن يبذل المواطن كل غالٍ ونفيس لبناء وطنه.
الثورة السورية – إيمان سرحان
تستعيد قرى القنية واليعقوبية والجديدة في ريف إدلب الغربي، التي يشكّل أتباع الديانة المسيحية غالبية سكانها، ملامح الحياة تدريجياً بعد سنوات طويلة من حرب نظام الأسد المخلوع على السوريين، التي خلّفت دماراً واسعاً وشرخاً عميقاً في ذاكرة المكان وسكّانه.
ومع عودة العائلات النازحة إلى منازلها، تتجدّد ملامح الأمل في قرى عُرفت بتنوّعها الاجتماعي والديني، وتسعى اليوم إلى إعادة بناء ذاتها على أسس من التعايش والاستقرار.
في طرقات ما تزال آثار القصف شاخصة على جدرانها، تتشكّل ملامح مرحلة جديدة عنوانها العمل الدؤوب لترميم البيوت وإعادة فتح أبواب أُغلقت لسنوات، ومع تزايد أعداد العائدين تدريجياً، تتقاطع قصصهم مع حكايات نازحين استقروا في هذه القرى خلال سنوات النزوح، ليصوغ الجميع تجربة مشتركة من التكيّف والتضامن.
في المقابل، تواجه القرى تحديات كبيرة تتعلّق بإعادة تأهيل البنية التحتية وتوفير الخدمات الأساسية، في ظل محدودية الدعم المخصّص لملف إعادة الإعمار، فالأضرار التي لحقت بالمنازل والمرافق العامة، إضافة إلى تداعيات الزلزال، ما تزال تعيق عودة الحياة إلى وتيرتها الطبيعية، وتفرض على الأهالي واقعاً يتطلب جهوداً إضافية لتجاوزه.
يقول جورج زريق (55 عاماً) من قرية اليعقوبية، وهو أحد العائدين بعد أكثر من عشر سنوات من النزوح: “لم نغادر بيوتنا خوفاً من جيراننا أو من أهل المنطقة، بل هربنا من القصف الذي كان يطال كل شيء دون تمييز، كنا نعلم دائماً أن بيوتنا محفوظة، وأن هناك من يسأل عنا ويطمئننا، اليوم عدنا لأننا نشعر بالأمان، ولأن هذه الأرض هي هويتنا وليست فقط مكان سكن”.
التعايش الذي حافظ على القرى
من جهته، يشير عزيز محمود أبو أحمد (38 عاماً)، وهو من العائلات القادمة من ريف اللاذقية والمقيم حالياً في اليعقوبية، إلى طبيعة العلاقة مع العائدين قائلاً: “عشنا هنا سنوات كنازحين، واليوم بعد عودة أصحاب البيوت أصبحنا جيراناً، لا نشعر أننا غرباء عن بعضنا، نتشارك الخبز والمناسبات، ونزور بعضنا في الأعياد، هذه القرى تعلّمك أن الناس يمكن أن يعيشوا معاً رغم كل ما مرّوا به”.
وتختصر فايقة حصود أم فادي (50 عاماً)، من قرية الجديدة، تجربة السنوات الماضية بقولها: “التهجير كسرنا، لكن العودة جمعتنا من جديد، اليوم نشعر أن هذه القرى ليست للمسيحيين فقط، ولا للنازحين فقط، بل لكل من احترمها ودافع عنها، ما نحتاجه الآن هو دعم حقيقي لنكمل ما بدأناه ونعيش بكرامة”.
عودة تدريجية للسكان وجهود خدمية
يوضح عبد المالك محمو، المدير الإداري للناحية الشمالية بإدلب، في تصريح خاص لصحيفة “الثورة السورية”، أن قرى القنية واليعقوبية والجديدة الواقعة في الريف الغربي لمحافظة إدلب، والتي تتبع إدارياً لناحية دركوش في منطقة جسر الشغور، عانت لسنوات طويلة من آثار حرب النظام المخلوع التي امتدت لأكثر من أربعة عشر عاماً، شأنها شأن معظم مناطق الشمال السوري.
ويشير إلى أن مرحلة ما بعد التحرير شكّلت نقطة تحوّل في حياة هذه القرى، حيث بدأت عودة تدريجية للأهالي إلى منازلهم، إذ بلغ عدد العائلات العائدة نحو 150 عائلة، ليصل عدد المقيمين حالياً إلى قرابة 300 عائلة، معظمهم من العائلات القادمة من محافظتي حلب واللاذقية.
ويضيف أن عودة السكان ترافقت مع جهود لإعادة تفعيل البنية التحتية والخدمات الأساسية، حيث جرى إيصال الكهرباء ومياه الشرب إلى القرى الثلاث، والعمل على تحسين الطرقات الرئيسية، إضافة إلى تكليف رئيس بلدية في بلدة القنية للإشراف الخدمي على القرى مجتمعة.
غير أن هذه الجهود ما تزال تواجه تحديات كبيرة، في مقدمتها الدمار الواسع الذي لحق بالبيوت والأبنية نتيجة قصف النظام المخلوع، إضافة إلى الأضرار التي تسبب بها الزلزال، والتي أدت إلى تدمير العديد من المنازل بشكل كلي أو جزئي.
ويؤكد محمو أن ملف إعادة الإعمار ما يزال يعاني نقصاً واضحاً في الدعم، في ظل غياب شبه كامل للمنظمات المحلية والدولية المعنية، باستثناء بعض المبادرات المحدودة التي نفذتها منظمة ميرسي (MRC) بالتنسيق مع المؤسسات الحكومية، والتي اقتصرت على ترميم جزئي لعدد من المنازل.
ويرى أن المرحلة المقبلة تتطلب توفير إمكانات أكبر لإصلاح الأضرار في المرافق الصحية والطرق الفرعية، ودعم مشاريع الترميم وإعادة الإعمار، بما يضمن تأمين الحد الأدنى من الخدمات الضرورية للسكان العائدين.
نسيج اجتماعي متماسك وآمال بالمستقبل
وعلى الصعيد الاجتماعي، يؤكد المدير الإداري أن القرى الثلاث شهدت خلال سنوات الثورة تنوعاً في النسيج المجتمعي والديني، تميّز بروح الألفة والتسامح، استناداً إلى ثقافة مشتركة وعلاقات اجتماعية متجذّرة مع محيطها، قائمة على المودة والاحترام المتبادل، حيث يتشارك الأهالي في الزيارات والواجبات والتهاني في مختلف المناسبات.
ورغم مساهمة بعض الجمعيات الكنسية المحلية في ترميم الكنائس، فإن عدداً من المعالم التراثية لا يزال بانتظار تدخل جاد للحفاظ عليها.
ويختم محمو بالإشارة إلى أن مرحلة ما بعد التحرير أفرزت حالة وعي جديدة لدى المجتمع المحلي بمختلف مكوناته، برز فيها الإحساس بالمواطنة والانتماء بعيداً عن الطائفة والمذهب، إلى جانب نشاط ملحوظ للفعاليات الاجتماعية في دعم المؤسسات الحكومية وتعزيز دورها، كما ساهم الاستقرار الأمني والجهود التي بذلها عناصر الأمن الداخلي في تعزيز ثقة الأهالي، ما شجّع مزيداً من السكان على العودة والاستقرار والمشاركة في إعادة بناء مجتمعهم.

الثورة السورية – سمر حمامة
تحولت بعض المنازل السورية خلال الفترة الأخيرة إلى مراكز انطلاق لمشاريع اقتصادية واعدة تنسجها نساء امتلكن الإرادة والعزيمة لصناعة مستقبل أفضل من خلال العمل والإنتاج.
ولم تعد الأعمال اليدوية هوايات لتمضية الوقت، إنما أصبحت مصدراً للرزق لكثير من العائلات، وداعماً للاقتصاد المحلي في ظل الظروف الراهنة، فقد نجحت المرأة السورية في استثمار موهبتها في إعداد الطعام وإنتاج الحرف اليدوية لتحقيق قدر من الاستقلال المادي، وتعزيز حضورها بوصفها عنصراً فاعلاً في التنمية الاجتماعية والأسرية.
فكرة بسيطة تكللت بالنجاح
تشكل قصة ريم محمد نموذجاً للإصرار الذي يميز المرأة السورية، بدأت حكايتها مع انتسابها إلى مركز التدريب المهني، حيث شاركت بانتظام في الأنشطة والجلسات التوعوية، وفي إحدى الزيارات لفت انتباهها إعلان عن دورة لتعلم صناعة الكروشيه، فقررت خوض التجربة بدافع الفضول والرغبة في التعلم، ومع مرور الوقت شعرت بأن الفرصة قد حانت لتطوير مهاراتها وتحويل هوايتها إلى قطع فنية ذات طابع مميز.
وتقول لـ “الثورة السورية” إن بداياتها لم تكن سهلة، إذ واجهت بعض الصعوبات، لكنها واصلت المحاولة واستفادت من التدريب لاكتساب مهارات وأفكار جديدة، ومع مرور الوقت تحول العمل اليدوي من هواية إلى مصدر دخل يساعدها على إعالة أسرتها وتلبية احتياجاتها، كما أسهمت جودة منتجاتها في توسيع قاعدة زبائنها، فتزايدت الطلبات على حياكة السجاد وصناعة السلال والمفارش، ليتحول التدريب البسيط إلى مشروع إنتاجي يحقق لها دخلاً مستقراً.
جودة تنافس السوق
وفي السياق ذاته شهد المجتمع السوري إقبالاً متزايداً على المنتجات الغذائية المنزلية، وتوضح مريم خلف، وهي صاحبة مشروع لإعداد المؤونة المنزلية، أنها قررت خوض التجربة مستفيدة من خبرتها في تحضير الطعام المنزلي.
وتضيف أنها بدأت بإعداد وجبات بسيطة وبيعها ضمن الحي الذي تقطنه، ومع مرور الوقت اتسعت دائرة الزبائن الذين يطلبون منها مختلف أنواع الأطعمة، إضافة إلى الحلويات، ولا سيما في فترات الأعياد، وتؤكد أن ثقة المستهلكين بجودة الطعام المنزلي كانت العامل الأهم في نجاح مشروعها.
ولعبت وسائل التواصل الاجتماعي دوراً محورياً في دعم انتشار المشاريع الصغيرة، إذ تحولت منصات “فيسبوك” و”إنستغرام” إلى أسواق مفتوحة تتيح للسيدات عرض منتجاتهن بالصور ومقاطع الفيديو والتواصل المباشر مع الزبائن، ويشير مختصون في التسويق الإلكتروني إلى أن هذه المنصات خففت من أعباء التكاليف الأولية، مثل استئجار المحلات والضرائب في المراحل الأولى، ما أتاح لصاحبات المشاريع الانطلاق برؤوس أموال محدودة، كما أسهمت القدرة على استهداف الجمهور المحلي عبر المجموعات المتخصصة في تسريع انتشار هذه المشاريع وتحويلها تدريجياً إلى علامات معروفة على مستوى المدن.
وتؤكد الخبيرة الاجتماعية غفران عوض أن انخراط المرأة في العمل الإنتاجي من المنزل يحمل آثاراً إيجابية تتجاوز الجانب المادي، إذ إن المشاركة في دعم دخل الأسرة تسهم في تعزيز استقرارها، وتشير إلى أن هذه المشاريع تسهم أيضاً في إعادة صياغة الروابط الاجتماعية، حيث يتحول الجيران والأقارب إلى جزء من شبكة دعم اقتصادية متبادلة، كما يعزز العمل من الصحة النفسية للمرأة، ويمنحها شعوراً بالثقة والإنجاز، ما ينعكس إيجاباً على تنشئة الأجيال على قيم العمل والاجتهاد.
وترى عوض أن دعم المبادرات الصغيرة يشكل أحد المرتكزات الأساسية لتحسين الواقع المعيشي، إذ يسهم تحويل مهارات إعداد الطعام أو الحرف اليدوية إلى مشاريع إنتاجية في الحد من البطالة وتنشيط الحركة الاقتصادية المحلية عبر الاعتماد على المواد الأولية المتوافرة في الأسواق الوطنية، وتشدد على أهمية توفير قروض ميسّرة وتسهيلات قانونية لتشجيع المزيد من النساء على الانخراط في الإنتاج المنظم.
وأثبتت المرأة السورية أن التعلم وتوافر الدعم قادران على تحويل أبسط المهارات إلى فرص حقيقية للتغيير، وعلى تحويل التحديات إلى مسارات للعمل والإنتاج، ومن هنا فإن دعم المبادرات الصغيرة لا يقتصر على كونه واجباً مجتمعياً، إنما يمثل ضرورة وطنية تسهم في تعزيز تماسك المجتمع ودعم عملية التعافي الاقتصادي والاجتماعي.
الثورة السورية – همسة زغيب:
كان صوت المهباش يوقظ الصباح في القرى والبوادي، حيث تمتزج الدقّات الخشبية بتغريد العصافير، فتدلّ الجيران إلى البيت الذي تُحضَّر فيه القهوة، وكان ذلك الإيقاع علامة على كرم صاحب الدار، وإشارة صامتة إلى أن الضيافة جاهزة لكل من يمرّ أو يسمع.
يرتبط المهباش بالذاكرة الشعبية ارتباطاً وثيقاً، يشبه تمسّك السوريين بذاكرتهم الأوسع التي أعادت الثورة السورية إحياءها بوصفها مساحة للهوية والصمود، وفي هذا السياق قال الباحث الحرفي رائد عبدالله إن “المِهباش” هو الاسم الأصيل الذي تناقلته الروايات الشفوية جيلاً بعد جيل، وبقي ملازماً لطقوس إعداد القهوة في البادية والقرى.
ويرى أن الذاكرة التي حفظت صوته هي ذاتها التي تشبّث بها السوريون في زمن التحوّلات، بحثاً عمّا يبقى ثابتاً وسط تغيّر الواقع، ومن هذا المنظور يغدو صوت المهباش جزءاً من ذاكرة أعمق يجد فيها الناس ما يخفّف ثقل السنوات، ويعيد ترتيب ما تكسّر في زمن الألم.
وعند الانتقال إلى التفاصيل الفنية التي تمنح المهباش خصوصيته، نجده يُصنع من كتلة خشبية أسطوانية يتراوح ارتفاعها بين 38 و52 سنتيمتراً، ويصل عمق جوفها إلى نحو الثلثين، أما المدقّ فيتراوح طوله بين 75 و80 سنتيمتراً، ويُعدّ خشب البطم من أجود الأخشاب المستخدمة في صناعته، يليه الخروب، وقد تعددت تسمياته بين الجرن والنجر والهاون، كما حضر حضوره في الأغاني الشعبية التي حفظت إيقاعه ورسّخت مكانته في الوجدان.
وتروي الذاكرة الشعبية حكاية قديمة تتناقلها الألسن عن شيخ من شيوخ القبائل كان يجمع أفراد عشيرته عبر خادمه المخلص “مهباش”، الذي كان ينادي الناس عند الحاجة، وبعد رحيله لجأ أفراد العشيرة إلى دقّ الجرن بديلاً من النداء، ومع مرور الزمن ارتبط الصوت بفكرة الاجتماع، واستمرّ اسم “المهباش” تخليداً لذلك الخادم.
ومع تغيّر أنماط الحياة تحوّل المهباش إلى قطعة تراثية تزيّن البيوت وتحمل رمزية الكرم العربي الأصيل، ولا يزال من يتقن نقراته الموزونة يحظى بمكانة خاصة، إذ إن الإيقاع فيه حسّ لا يتقنه إلا من عاش طقوس القهوة عن قرب، واليوم يواصل المهباش حضوره في الذاكرة الشعبية شاهداً على دفء الضيافة العربية، وعلى قدرة التقاليد على جمع الناس وإعادة وصل ما انقطع بينهم، فالقهوة كانت دائماً أكثر من مشروب، والمهباش ظلّ يحمل معنى متجدداً يرمّم الروح قبل الكلمات، ويذكّر بأن اللقاء قيمة تُصان في القلب قبل أن تحفظها الذاكرة.
