
تقع المناطق الكردية في إيران على امتداد الحدود مع العراق وتركيا وتقدر مساحتها بنحو 8 في المئة من مساحة البلاد (أ ف ب)
المصدر ..اندبندنت عربية
ملخص
في ضوء هذه المعطيات، تبدو القضية الكردية جزءاً من معادلة سياسية أوسع تتعلق بمستقبل النظام السياسي في إيران وطبيعة العلاقة بين الدولة المركزية ومكوناتها القومية المختلفة. ومع تصاعد التوترات الإقليمية، ولا سيما في ظل الهجوم العسكري الذي تقوده الولايات المتحدة بمشاركة إسرائيل ضد إيران، يزداد الجدل حول احتمال دخول المنطقة مرحلة سياسية جديدة قد تفرض إعادة النظر في بنية الدولة الإيرانية وآليات التعامل مع تنوعها القومي.
تعد القضية الكردية في إيران واحدة من أبرز القضايا القومية في البلاد، إذ يعيش ملايين الأكراد في المناطق الغربية والشمالية الغربية من إيران ضمن جغرافيا تاريخية تعرف بكردستان الشرقية. وعلى امتداد العقود الماضية، ارتبط حضورهم السياسي والاجتماعي بتاريخ طويل من المطالب القومية والصراعات مع السلطة المركزية، في سياق إقليمي ودولي معقد جعل من المسألة الكردية أحد الملفات الحساسة في الشرق الأوسط
الأكراد في إيران: الجغرافيا والسكان
تقع المناطق الكردية في إيران على امتداد الحدود مع العراق وتركيا، وتقدر مساحتها بنحو ثمانية في المئة من مساحة البلاد، ولا تتوفر إحصاءات رسمية دقيقة حول عدد الأكراد بسبب امتناع السلطات الإيرانية عن إجراء إحصاءات سكانية على أساس قومي أو عرقي، إلا أن تقديرات الباحثين تشير إلى أن عددهم يبلغ نحو 7 ملايين نسمة، أي ما يقارب 10 في المئة من سكان إيران.
ولا يقتصر الوجود الكردي على الإقليم الكردي التقليدي، إذ أدت عوامل اقتصادية وسياسية إلى انتشارهم في مناطق أخرى داخل إيران، خصوصاً في إقليم خراسان شمال شرقي البلاد، حيث استقرت مجموعات كردية منذ قرون وتشكل اليوم جالية كبيرة حافظت إلى حد كبير على هويتها الثقافية واللغوية.
كما دفعت الظروف الاقتصادية الصعبة ونقص فرص العمل أعداداً كبيرة من الأكراد إلى الهجرة نحو المدن الإيرانية الكبرى أو إلى خارج البلاد، حيث يعمل كثير منهم في قطاعات البناء والأعمال الشاقة.
الجذور التاريخية للشعب الكردي
يعد الأكراد من أقدم الشعوب التي استوطنت منطقة الشرق الأوسط، وتشير دراسات تاريخية متعددة إلى عمق حضورهم في المنطقة، كما ترد إشارات إليهم في كتابات مؤرخين قدامى وباحثين معاصرين.
ويعد الأكراد اليوم أكبر شعب في العالم لا يمتلك دولة قومية مستقلة، إذ يتوزعون بين أربع دول رئيسة هي إيران والعراق وتركيا وسوريا. وقد لعبت التحولات الكبرى في تاريخ المنطقة، خصوصاً الصراعات الإمبراطورية والحروب العالمية، دوراً أساسياً في تشكيل واقعهم السياسي الراهن.
من جالديران إلى الحرب العالمية الأولى
يعد الصراع بين الدولة الصفوية في إيران والإمبراطورية العثمانية نقطة مفصلية في تاريخ كردستان، ففي عام 1514 أدت معركة جالديران إلى تقسيم الأراضي الكردية بين الإمبراطوريتين، مما شكل أول تجزئة سياسية لكردستان.
لكن التحول الأكبر جاء بعد الحرب العالمية الأولى، عندما انهارت الإمبراطورية العثمانية وأعيد رسم خريطة الشرق الأوسط. فقد توزعت المناطق الكردية بين دول جديدة هي تركيا والعراق وسوريا، إضافة إلى الجزء الواقع في إيران، وهو ما عمق من تشتت الشعب الكردي جغرافياً وسياسياً.
وكانت معاهدة سيفر عام 1920 قد تضمنت بنوداً تتحدث عن إمكان منح الأكراد حكماً ذاتياً، بل وحتى حق الاستقلال في مرحلة لاحقة، غير أن تلك البنود لم تطبق لاحقاً بعد التحولات السياسية التي شهدتها المنطقة.
بدايات التنظيم السياسي الحديث
شهدت الحركة السياسية الكردية في إيران تحولات مهمة خلال القرن الـ20، ففي أربعينيات القرن الماضي ظهرت أولى التنظيمات السياسية الكردية الحديثة، أبرزها “جمعية إحياء كردستان”، التي مهدت الطريق لتأسيس الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني عام 1945 بقيادة قاضي محمد.
وفي العام التالي أعلنت “جمهورية مهاباد”، التي تعد أول تجربة حكم كردية حديثة في إيران، غير أن هذه الجمهورية لم تستمر سوى فترة قصيرة، إذ سقطت عام 1946 بعد دخول الجيش الإيراني إلى المدينة وإعدام قاضي محمد وعدد من قادة الحركة.
ومع ذلك، تركت تلك التجربة أثراً عميقاً في الوعي السياسي الكردي، وأصبحت رمزاً مركزياً في تاريخ الحركة القومية الكردية في إيران.
الأحزاب والتنظيمات الكردية
إلى جانب الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني، ظهرت تنظيمات سياسية أخرى لعبت دوراً بارزاً في الساحة الكردية، من أبرزها الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني وحزب “كومله”، الذي نشأ بتوجهات يسارية ماركسية، ومنظمة “خبات كردستان إيران” ذات التوجه الإسلامي القومي، إضافة إلى حزب “الحياة الحرة في كردستان” (بيجاك) المرتبط فكرياً بحزب العمال الكردستاني.
وخلال العقود الأخيرة، شهدت الحركة السياسية الكردية انقسامات وتحالفات متعددة، كما سعت بعض الأحزاب إلى إنشاء آليات للتنسيق في ما بينها، أبرزها “مركز التعاون بين الأحزاب الكردية الإيرانية”.
الاقتصاد والتنمية في كردستان
على رغم غنى المناطق الكردية بالموارد الطبيعية، بما في ذلك النفط والغاز والمعادن، فإنها تعد من بين المناطق الأقل تنمية في إيران وفق عدد من المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية.
وتشير تقارير مختلفة إلى أن البطالة والهجرة الداخلية من أبرز المشكلات التي يعانيها الإقليم، كما أن الطابع الأمني الذي يطغى على إدارة المناطق الكردية يؤثر سلباً في فرص الاستثمار والتنمية الاقتصادية.
وتذهب بعض النخب السياسية الكردية إلى اعتبار هذا الوضع نتيجة سياسات تهميش متعمدة، بينما ترى السلطات الإيرانية أن هذه المناطق تعاني مشكلات تنموية مشابهة لمناطق أخرى في البلاد.
التحولات الاجتماعية
شهد المجتمع الكردي، مثل بقية المجتمع الإيراني، تحولات اجتماعية واسعة خلال العقود الماضية، خصوصاً مع تسارع التحضر وانتقال نسبة كبيرة من السكان من القرى إلى المدن.
وقد رافق هذا التحول تحديات اجتماعية متعددة، مثل البطالة وتراجع الخدمات الاجتماعية وتزايد الضغوط الاقتصادية، وهي عوامل أثرت في بنية المجتمع المحلي وفي أنماط الحياة التقليدية.
الصراع مع السلطة بعد الثورة الإيرانية
بعد قيام الثورة الإيرانية عام 1979، دخلت العلاقة بين الأحزاب الكردية والسلطة الجديدة مرحلة توتر حاد، إذ طالبت التنظيمات الكردية بمنح مناطقها حكماً ذاتياً ضمن إطار الدولة الإيرانية.
لكن تلك المطالب قوبلت برفض من القيادة الجديدة في طهران، مما أدى إلى اندلاع مواجهات مسلحة بين القوات الحكومية والفصائل الكردية استمرت سنوات عدة، وأسفرت عن سقوط آلاف الضحايا.
ومن بين الأحداث التي تركت أثراً كبيراً في الذاكرة الكردية حادثة قرية قارنا عام 1979، التي قتل فيها عشرات المدنيين خلال حملة عسكرية نفذها الجيش الإيراني ضد الشعب الكردي بأمر الخميني، مؤسس الجمهورية الإسلامية.
ائتلاف استراتيجي للأحزاب الكردية في إيران
في خطوة سياسية بارزة، أعلنت خمسة أحزاب كردية في إيران تأسيس “ائتلاف القوى السياسية لكردستان إيران” في الـ23 من فبراير (شباط) الماضي. ويأتي هذا التحالف في إطار السعي إلى تعزيز حضور الأحزاب الكردية وتثبيت موقعها في المشهد السياسي الإيراني الراهن. ويأتي هذا التشكيل ضمن التحركات السياسية المستمرة للأحزاب الكردية داخل إيران، في ظل تسارع التغيرات الإقليمية والدولية وتأثيرها في مستقبل التنوع القومي في البلاد.
ويمكن القول إن هذا الائتلاف يمثل محاولة موحدة لتقوية الحضور الكردي على الساحة السياسية، ويعكس إدراك القيادات الكردية لأهمية التعاون في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية.
رضا بهلوي يهاجم الائتلاف الكردي الجديد
أثارت تصريحات رضا بهلوي موجة جدل واسعة بعد إعلان تحالف خمسة أحزاب كردية في إيران، ففي رسالة عبر حسابه على شبكة “إكس”، وصف بهلوي الأحزاب الكردية بـ”الانفصالية”، واتهم بعضها بـ”التعاون مع الخميني وصدام حسين”، مشيراً إلى أن بيان الائتلاف يطرح “ادعاءات واهية وسخيفة حول وحدة الأراضي والسيادة الوطنية”.
وردت الأحزاب الخمسة على الفور، نافية كل الاتهامات، ومشددة على أن بيانها لم يتضمن أية دعوة إلى الاستقلال أو الانفصال، ومؤكدة أن بهلوي لوح باستخدام “ورقة الانفصالية” لتبرير قمع حقوق الشعب الكردي بعد إسقاط النظام.
وبدوره، شدد عبدالله مهتدي، الأمين العام لحزب كومله، على وحدة الشعب الكردي في العمل ضد النظام الإيراني، والسعي نحو “إيران ديمقراطية تحمي حقوق جميع الشعوب والقوميات”، محذراً من أن تصريحات بهلوي قد تضعف التماسك الوطني.
ويعود هذا الجدل والصراع السياسي لرفض الأحزاب الكردية الانضمام إلى معسكر التيار البهلوي الفارسي، إذ تعتبر الأحزاب والقوى السياسية، إضافة إلى الشعوب غير الفارسية، أن هذا التيار امتداد لحكم الشاه والحقبة البهلوية، التي شهدت خلالها هذه الشعوب سياسات تمييزية وممارسات قمعية أثرت في أوضاعها السياسية والاقتصادية والاجتماعية في إيران.
مستقبل القضية الكردية في إيران
يبقى مستقبل القضية الكردية في إيران مرتبطاً بجملة من العوامل الداخلية والإقليمية، من بينها طبيعة النظام السياسي، ومستوى التنمية الاقتصادية، فضلاً عن التحولات المتسارعة في منطقة الشرق الأوسط، وإيران على وجه الخصوص.
وتتراوح المطالب السياسية التي تطرحها القوى الكردية بين الحكم الذاتي والفيدرالية ضمن إطار الدولة الإيرانية، فيما يرى بعض النشطاء أن تحقيق هذه المطالب يظل مرهوناً بحدوث تحولات سياسية أوسع تمس بنية النظام السياسي في البلاد.
كما أن تنامي الوعي القومي لدى الشعوب غير الفارسية في إيران، مثل العرب والبلوش والترك الأذربيجانيين، يضيف بعداً جديداً إلى النقاش الدائر حول مستقبل التعددية القومية في البلاد.
وفي ضوء هذه المعطيات، تبدو القضية الكردية جزءاً من معادلة سياسية أوسع تتعلق بمستقبل النظام السياسي في إيران وطبيعة العلاقة بين الدولة المركزية ومكوناتها القومية المختلفة. ومع تصاعد التوترات الإقليمية، ولا سيما في ظل الهجوم العسكري الذي تقوده الولايات المتحدة بمشاركة إسرائيل ضد إيران، يزداد الجدل حول احتمال دخول المنطقة مرحلة سياسية جديدة قد تفرض إعادة النظر في بنية وشكل الدولة الإيرانية وآليات التعامل مع تنوعها القومي.