ملخص
ترى إسرائيل في الحرب على إيران فرصة لتحقيق نصر تاريخي وتغيير موازين المنطقة، بينما قد يستثمرها نتنياهو لتعزيز موقعه السياسي. لكن النشوة العسكرية قد تكون مضللة، إذ إن الحملة قد لا تنهي الصراع مع طهران، وقد تُخفي أزمات إسرائيل الداخلية والانقسامات العميقة التي لم تُحل.
قد تكون الحملة العسكرية التي شنتها إسرائيل والولايات المتحدة ضد إيران عملية مشتركة. لكن تجارب البلدين في هذه الحرب، وكذلك حسابات قادتهما الاستراتيجية، متباينة للغاية. ففي النصف الآخر من العالم، ينقسم الرأي العام الأميركي وسياسيوه حول أسئلة أساسية تتعلق بالمبدأ والسياسة: هل الضربات قانونية؟ وهل يحتاج استخدام القوة إلى تفويض من الكونغرس؟ وهل المخاطر تتناسب مع المكاسب المحتملة؟
أما في إسرائيل، فعلى النقيض من ذلك، وحدت الحرب مؤقتاً جمهوراً منقسماً ومرهقاً. فبينما يناقش الأميركيون جدوى القضاء على الجمهورية الإسلامية، يرى الإسرائيليون أن تغيير النظام هو النتيجة الوحيدة التي تعادل النصر. وهم على ثقة بأن العملية العسكرية، التي أزالت أو أضعفت أجزاء واسعة من مراكز القيادة الإيرانية، والبنية التحتية الصاروخية، وعدداً من كبار الشخصيات، بمن في ذلك المرشد الأعلى علي خامنئي، تُحقق بالفعل نجاحاً باهراً. فهم يشعرون بمزيد من الأمان، وقادتهم يبدون منتصرين، وللمرة الأولى منذ سنوات، يستطيع كثيرون أن يتخيلوا منطقة خالية من النفوذ الخبيث لطهران أو شبكة الوكلاء التي رعتها ومولتها على مدى عقود. فقد شكلت الجمهورية الإسلامية تهديداً لا يمكن إنكاره للإسرائيليين، الذين عاشوا تحت وطأة التهديدات الإيرانية منذ عام 1979، وتعرضوا لوابل من الصواريخ وهجمات إرهابية شنتها ميليشياتها الوكيلة المتعددة. ومشاهدة القضاء المنهجي على قيادة هذا العدو الذي عانوا بسببه تبدو وكأنها إثبات قاطع بأن عقيدة الأمن القومي التي تتبناها البلاد صحيحة ومبررة.
وبالنسبة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، تُمثل الحرب هدية في لحظة حاسمة. ففي يناير (كانون الثاني)، كان يواجه دعوات متزايدة لمحاسبة حكومته على إخفاقاتها الأمنية قبل هجوم حركة “حماس” في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023؛ إضافة إلى محاكمة بتهم فساد؛ واستطلاعات رأي تشير إلى أن ائتلافه قد يخسر مقاعد برلمانية في الانتخابات المقرر إجراؤها في وقت لاحق من هذا العام. في الواقع، إن الحملة ضد إيران قد لا تنقذ إسرائيل من تهديد وشيك فحسب، بل قد تنقذ أيضاً قبضة نتنياهو على السلطة. فخلال مسيرته السياسية الممتدة ثلاثة عقود، جعل نتنياهو إيران محور رسائله السياسية، وبنى صورة لنفسه باعتباره القائد الوحيد القادر على حماية إسرائيل من هذا النظام. والآن يبدو أن جهوده قد أثمرت. وأخيراً، سعت حكومته إلى إعادة تأطير جميع العمليات العسكرية الإسرائيلية منذ السابع من أكتوبر بوصفها “حرب خلاص” ظافرة تبلغ ذروتها في هزيمة إيران، محولة هجوم “حماس” إلى الفصل الافتتاحي لقصة بطولية أكبر، ومصورة النجاح في هذه الحملة كأنه تعويض عن النصر الذي لا يزال بعيد المنال في غزة. وقد تكون قدرة نتنياهو على الادعاء بأنه قتل خامنئي وغير وجه الشرق الأوسط إلى الأبد هي الورقة الانتخابية الرابحة بالنسبة إليه
ومع ذلك، فإن حالة النشوة في إسرائيل تبدو مألوفة بشكل مقلق. فقبل ثمانية أشهر فقط، وبعد ما سُمي حرب الـ12 يوماً التي ألحقت أضراراً بالغة بالمنشآت النووية الإيرانية، ودمرت دفاعات طهران الجوية، وأبطلت قدرات صاروخية رئيسة، أعلن نتنياهو من على منبر الكنيست: “لقد أزلنا السيف الإيراني المسلط على رؤوسنا”. ويوم السبت، وبعد النجاحات الأولية لعملية “ملحمة الغضب”، كان خطابه شبه مطابق: “لقد قُوضت قدرة النظام الإيراني على تهديد إسرائيل بشكل دائم”.
ويتوق الإسرائيليون المنهكون من الحرب إلى نصر حاسم على إيران. لكن يبقى من غير الواضح كيف ستتعامل الحكومة الإسرائيلية مع دوامة تصعيد غير متوقعة، أو ما إذا كان بإمكانها التخلي فعلاً عن استراتيجية “جز العشب” التي تُبقي إسرائيل غارقة في صراعات دائمة في جوارها. فكلما عالجت إسرائيل مشكلة أمنية، يبدو أنها تخلق مشكلة أخرى. ومن المرجح أن تأتي الانتخابات قريباً بما يكفي ليتمكن نتنياهو من استثمار الحرب لتعزيز موقعه، بغض النظر عن العواقب السلبية على المدى الطويل. أما المشكلات الداخلية التي تُستخدم الحرب كوسيلة لصرف الانتباه عنها فلن تختفي، والإسرائيليون الذين يأملون أن تُنهي هذه الحرب الصراعات المستقبلية وتؤدي إلى تطبيع العلاقات مع العالم العربي قد يصابون بخيبة أمل مريرة في نهاية المطاف.
رب ضارة نافعة
بالنسبة إلى الإسرائيليين، لطالما مثلت إيران التهديد الأكبر، إذ إنها نظام ثيوقراطي يدعو باستمرار إلى تدمير بلادهم، ويسعى إلى صنع أسلحة نووية، ويبني آلاف الصواريخ الباليستية قصيرة وبعيدة المدى، فضلاً عن شبكة من الميليشيات الوكيلة التي تطوق إسرائيل في “حلقة نار”. منذ عام 2000، وبين الانتفاضة الثانية، وحرب لبنان عام 2006، ومجزرة السابع من أكتوبر والحرب التي تلتها، والصراع غير المباشر مع إيران، قتلت طهران ووكلاؤها ما لا يقل عن 3500 إسرائيلي. ووفقاً لتقرير صادر عن “مركز ويلسون” عام 2023، تلقت حركة “حماس” وحركة “الجهاد الإسلامي” في فلسطين، بين عامي 1990 و2023، عشرات الملايين من الدولارات سنوياً من إيران للقضاء على اليهود. وأعلنت وزارة الخزانة الأميركية أن طهران هربت ما لا يقل عن مليار دولار إلى “حزب الله” وحده خلال الأشهر الـ10 الأولى من عام 2025. وفي عام 2021، تفاخر قائد القوة الجوفضائية للحرس الثوري الإيراني، أمير علي حاجي زاده، بأن “جميع الصواريخ التي قد ترونها في غزة ولبنان صُنعت بدعم إيراني”. وفي العام نفسه، أقر يحيى السنوار، زعيم “حماس” والعقل وراء هجمات السابع من أكتوبر، في اتصالات تم اعتراضها، بأن “إيران تُزودنا بكل ما نحتاج إليه لمواصلة النضال”.
في تسعينيات القرن العشرين، أدرك رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحق رابين الخطر الإيراني الذي يهدد إسرائيل، فبدأ بتحويل تركيز الأمن القومي للبلاد نحو مواجهة النظام الإيراني، بما في ذلك توجيه الموارد نحو القوات الجوية وجهاز الاستخبارات، وهي استثمارات مهدت في نهاية المطاف لنجاحات إسرائيل في عملية “الغضب الملحمي”. أما بالنسبة إلى نتنياهو تحديداً، فقد مثل النظام الإيراني تهديداً استراتيجياً حقيقياً وأولوية سياسية في آن واحد. فقد عدل سياساته بشأن القضايا المتعلقة بالفلسطينيين مع تغير مواقف ائتلافه الحاكم، لكن تركيزه على إيران ظل ثابتاً خلال الحكومات المتعاقبة، وهذا يُعد جوهر التزامه في السياسة الخارجية. وفي خطاب ألقاه عام 2012 أمام الأمم المتحدة، رفع صورة كاريكاتورية لقنبلة، محذراً الهيئة من أن إيران قطعت 90 في المئة من الطريق نحو امتلاك القدرة على إنتاج قنبلة نووية. وفي دورات متتالية للجمعية العامة للأمم المتحدة، سعى جاهداً إلى حشد الدعم الدولي والمحلي لمواجهة التهديد الإيراني.
ويُصور نتنياهو عادة الخطر الذي تُشكله الجمهورية الإسلامية بعبارات كارثية، ويستحضر مراراً تشبيهات من الحرب العالمية الثانية. وقد جادل بأن الاتفاق النووي مع إيران عام 2015 يُعادل اتفاق ميونيخ في عام 1938 الذي استرضى أدولف هتلر، وكثيراً ما يقتبس إدانة ونستون تشرشل لرئيس الوزراء البريطاني نيفيل تشامبرلين: “لقد خيروك بين الحرب والعار. فاخترت العار، وستُفرض عليك الحرب”. وفي يوليو (تموز) 2019، شبه نتنياهو تحديداً انتهاك إيران للقيود المتفق عليها بشأن تخصيب اليورانيوم بإعادة احتلال هتلر لمنطقة الراين عام 1936، مُجادلاً بأن عدم فرض عقوبات دولية فورية على طهران سيُشجع مزيداً من العدوان، تماماً مثلما فعل استرضاء النازيين.
وعلى مدار العام الماضي، أصبح هذا التركيز يخدم غرضاً آخر، وهو إعادة توجيه النقاش العام بعيداً من إخفاقات الحكومة في السابع من أكتوبر. فكل يوم ينشغل فيه الإسرائيليون بالقلق من تهديدات الوكلاء والخطر الوجودي القادم من إيران، هو يوم لا يُمعنون فيه النظر في الثغرات الأمنية التي أدت إلى أحداث السابع من أكتوبر، ولا في الجدل الدائر حول رد فعل حكومتهم، ولا في محاكمة نتنياهو بتهم الفساد، ولا في المشكلات الداخلية المتفاقمة في البلاد، بما في ذلك استمرار جرائم العنف وارتفاع معدلات الوفيات على الطرق. وقد أصبح التهديد الإيراني أكثر فائدة سياسياً كأداة لصرف الانتباه بعد أن أدى وقف إطلاق النار في قطاع غزة إلى تراجع اهتمام وسائل الإعلام الإسرائيلية اليومي بالحرب في غزة وبقضية الرهائن الإسرائيليين.
مفاجأة مارس
لكن الإسرائيليين مستعدون للقضاء على التهديد الإيراني نهائياً. ففي استطلاعات رأي نشرها أخيراً “معهد دراسات الأمن القومي” INSS (مركز بحوث في تل أبيب) و”المعهد الإسرائيلي للديمقراطية” Israel Democracy Institute، أعرب المشاركون بغالبيتهم عن رغبتهم في استمرار الحرب إلى أن يسقط النظام الإيراني. وقد أظهر استطلاع “معهد دراسات الأمن القومي”، بشكل لافت، أن عدد الإسرائيليين الذين يخشون دوامة تصعيد أقل مما كان عليه خلال حرب الـ12 يوماً في يونيو (حزيران) الماضي، مما يُظهر توقاً إلى نصر حقيقي وأملاً في أن توجه هذه الحملة ضربة قاضية.
لقد سئم الإسرائيليون من حالة التأهب الدائم للحرب. فالتكاليف الاقتصادية للحملات العسكرية المستمرة التي يشنها جيش الدفاع الإسرائيلي تتزايد منذ عام 2023: من المتوقع أن تستهلك ميزانية الدفاع لعام 2026 ما بين 4.5 و6.5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، بانخفاض عن مستويات قياسية تجاوزت السبعة في المئة في عامي 2024 و2025، ولكنها أعلى بكثير من متوسط ما قبل الحرب البالغ 4.1 في المئة. وقد انهار قطاع السياحة بنسبة 60 في المئة منذ أكتوبر 2023، وارتفع عجز الموازنة العامة إلى ما يقارب أربعة في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وفي يناير الماضي، حذر بنك إسرائيل من نقص مرتقب في اليد العاملة، وارتفاع التضخم، وهجرة الأدمغة من العاملين في مجال التكنولوجيا. وحتى بعد وقف إطلاق النار في غزة في خريف العام الماضي، ظلت إسرائيل تعاني من العزلة الدولية. ويعرب كثير من الإسرائيليين عن إحباطهم من الاستدعاءات المتكررة لقوات الاحتياط، ويشعرون بأنهم عالقون في حلقة مفرغة حيث تفشل سلسلة من النجاحات العسكرية الظاهرية في تحقيق أمن دائم، فكل نصر يستلزم نصراً آخر. وقد ضعفت المؤسسات الديمقراطية، وتآكل التماسك الاجتماعي، وتراجعت الثقة في الحكومة.
وبالتالي، قد تُوفر عملية عسكرية ناجحة في إيران متنفساً مؤقتاً على الأقل للإسرائيليين وزعيمهم المثير للانقسام. فقد أظهر استطلاع رأي أجرته “القناة 12″، وهي إحدى أبرز وسائل الإعلام الإسرائيلية، في منتصف فبراير (شباط) الماضي، أن 59 في المئة من الإسرائيليين يؤيدون الانضمام إلى ضربة أميركية محتملة على إيران. فغالبية الناخبين المعارضين لائتلاف نتنياهو وغالبية الإسرائيليين الداعمين لنتنياهو أيدوا شن هجوم، وهو إجماع نادر. ويوم الإثنين الماضي (2 مارس)، بعد يومين من بدء العملية، ارتفعت نسبة تأييد الضربات بين الإسرائيليين إلى 81 في المئة وفق استطلاع أجراه “معهد دراسات الأمن القومي”؛ بينما أظهر استطلاع “المعهد الإسرائيلي للديمقراطية”، الذي نُشر يوم الأربعاء الماضي (الرابع من مارس)، أن نسبة ساحقة تبلغ 93 في المئة من الإسرائيليين اليهود تؤيد الحملة الجارية. وفي كلا الاستطلاعين، أشار معظم المشاركين إلى استعدادهم لحملة قد تستمر شهراً على الأقل.
وقد تحدد توقيت الحملة في الغالب بناء على الفرص العملياتية المتاحة. ففي أعقاب احتجاجات واسعة النطاق في إيران، كان ترمب قد وعد بدعمها، اعتقدت كل من الولايات المتحدة وإسرائيل أن النظام الإيراني بلغ أضعف حالاته، وأن هناك مجالاً زمنياً ضيقاً لإلحاق خسائر فادحة بطهران. لكن لا يمكن فصل ذلك عن الوضع السياسي الهش لنتنياهو. فبالنسبة إليه، قد يُعوض النجاح في ساحة المعركة عن النصر النهائي الذي لم يحققه قط في غزة، حيث لم يتمكن من القضاء على “حماس” على الرغم من وعوده.
يسعى نتنياهو بشدة إلى إعادة كتابة سردية أحداث السابع من أكتوبر التي تُركز على إخفاقات إسرائيل: ففي منتصف فبراير، ضغطت حكومته لحذف كلمة “مجزرة” من مشروع قانون يُخلد ذكرى السابع من أكتوبر، وعملت جاهدةً لتصوير فترة العامين والنصف الماضيين على أنها فترة نهضة وطنية أو “قيامة”. وقد فشلت محاولة تغيير صياغة مشروع القانون بعد احتجاجات شعبية واسعة. لكن تحقيق نصر نهائي على إيران قد يُغير مكانة نتنياهو في كتب التاريخ، من الزعيم الذي وقعت في عهده أسوأ مجزرة بحق اليهود منذ الهولوكوست، إلى الزعيم الذي قضى على ما يُعادل نازيي العصر الحديث.
قد تكون هذه الحرب المفتاح لتحقيق نصر انتخابي في مجتمع شديد الانقسام. فقد أظهرت استطلاعات الرأي التي سبقت اندلاعها أن لا ائتلاف نتنياهو ولا الكتلة اليهودية المعارضة قادران على بلوغ عتبة الأغلبية المطلوبة البالغة 61 مقعداً، رغم أن المعارضة كانت تحقق في العادة نتائج أفضل. وأظهر استطلاع رأي أجرته صحيفة “معاريف” الإسرائيلية في أواخر فبراير الماضي أن المعارضة قد تحصل على نحو 60 مقعداً، مقابل 50 مقعداً لائتلاف نتنياهو، مما يجعل المقاعد التي تشغلها الأحزاب العربية العامل الحاسم. ومع ذلك، لا تزال معظم أحزاب المعارضة، بما في ذلك تلك التي يقودها رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت ووزير الخارجية السابق يائير لابيد، مترددة في التحالف مع الكتلة العربية. ومن بين جميع الأحزاب، لا يزال حزب الليكود الذي يتزعمه نتنياهو يحظى بأكبر قدر من الدعم، ويحقق نتنياهو باستمرار معدلات تأييد أعلى من منافسيه.
قد لا تُغير قصة النصر الكامل على إيران المشهد السياسي تماماً، لكنها قد تزيد بضع نقاط مئوية إضافية لائتلاف نتنياهو. وهذا من شأنه أن يُفضي إلى واحدة من نتيجتين انتخابيتين: إما جمود سياسي طويل الأمد، لا يستطيع فيه أي من المعسكرين المؤيد أو المعارض لنتنياهو تشكيل أغلبية، مما قد يُؤدي إلى انتخابات متتالية تُتيح لنتنياهو البقاء رئيساً للوزراء في حكومة تصريف أعمال، أو قد يُعزز ذلك موقفه التفاوضي مع قادة المعارضة الإسرائيلية، الذين يخشون ترك البلاد مرة أخرى في أيدي اليمين المتطرف، وقد يُضطرون إلى تشكيل ائتلاف كبير أكثر براغماتية مع نتنياهو. إن حب هؤلاء القادة لإسرائيل يتغلب على كراهيتهم لرئيس وزرائها الحالي، وهم يلتفون حوله الآن. وقد صرح لابيد حين بدأت العملية العسكرية الإسرائيلية-الأميركية “في مثل هذه اللحظات، نقف صفاً واحداً وننتصر معاً. لا يوجد ائتلاف ولا معارضة، بل شعب واحد وجيش إسرائيلي واحد، ونحن جميعاً ندعمهم”. وقال بينيت في اليوم التالي “لم أكن يوماً أكثر فخراً بكوني إسرائيلياً. أقدم دعمي الكامل للحكومة ولرئيسها. لا يوجد يسار ولا يمين.”
تقييم التهديد الوجودي
على الرغم من إنجازاتها العسكرية الكبيرة، قد لا تكون هذه الحملة هي الكلمة الأخيرة في الصراع المستمر منذ عقود مع إيران. سيتعين على إسرائيل أن تتجنب بعناية كل من المخاطر المعروفة وغير المتوقعة مع استمرار الحرب، بما في ذلك احتمال فتح جبهة جديدة ضد “حزب الله”، وإمكانية تصعيد من جانب الحوثيين في اليمن، وخطر أن يؤدي اغتيال خامنئي إلى إشعال غضب شيعي واسع النطاق.
وفي يوم الثلاثاء، أشارت جيلا غمليل، وهي وزيرة في حكومة نتنياهو، إلى أن رئيس الوزراء قد يسعى على الأرجح إلى تقديم موعد الانتخابات الوطنية في إسرائيل إلى يونيو أو يوليو، ونقلت صحيفة “هآرتس” عن مصدر مجهول في حزب “الليكود” قوله إن هدف رئيس الوزراء هو استغلال النجاح الأولي للحرب. ويبدو أن نتنياهو قد دخل بالفعل في وضع انتخابي نشط، فقد شوهد في اليوم نفسه وهو يصلي علناً في يشيفا (معهد توراتي) شهير في القدس، في وقت كانت فيه بقية البلاد تخضع لإجراءات الإغلاق.
ويمكن أن تمنح الحرب نتنياهو اليد العليا. لكن استخدام التهديد الإيراني للتغطية على إخفاقات أخرى، داخلية وخارجية على حد سواء، ينطوي على تكاليف باهظة. وعلى المدى الطويل، ليس واضحاً على الإطلاق ما إذا كانت الحملة الحالية قادرة على وضع حد نهائي للضربات المتكررة التي لم يعد الإسرائيليون يرغبون فيها. فلا تزال جبهات عديدة أخرى، في غزة ولبنان وسوريا، مفتوحة على الرغم من الإعلانات الإسرائيلية المتكررة عن تحقيق النصر، ولا يوجد سبب واضح للاعتقاد بأن النمط نفسه لن يتكرر مع إيران. وقد تسعى واشنطن إلى إنهاء مشاركتها قبل تحقيق هدف إسرائيل المتمثل في تغيير كامل للنظام في طهران. وبالفعل، بدأت دورة جديدة يظهر فيها أن النصر العسكري يفتح جبهة جديدة، مع توجيه إسرائيل ضربات لـ”حزب الله” واستيلائها على أراض لبنانية.
كما أن نزعة الحكومة إلى التفاخر بالنصر وسرديتها عن التهديد الوجودي يغلقان المجال أمام الأسئلة والانتقادات التي يمكن أن تسهم في صقل استراتيجية الحرب. ففي ظل موجة الدعم للحملة داخل إسرائيل، يكاد لا يكون هناك مجال لطرح أسئلة مثل: إذا كان الهدف فعلاً هو تمكين الحكومة اللبنانية بعد سحق “حزب الله”، فهل نحتاج حقاً إلى الاستيلاء على مزيد من الأراضي اللبنانية؟ كيف ستنتهي هذه الحرب؟ هل توجد مخارج معقولة؟ كيف سيبدو شكل النصر؟ ومع غياب قادة معارضة مستعدين لمطالبة الحكومة بالإجابة على مثل هذه الأسئلة، قد يبقى الهدف النهائي للحرب غامضاً، على الرغم من ثقة الإسرائيليين في استطلاعات الرأي بأن غايتها واضحة. وحتى لو صمتت المدافع خلال بضعة أسابيع، فقد تجد البلاد نفسها في حالة حرب مرة أخرى خلال عام، وربما من دون دعم واسع من الولايات المتحدة. وعلى الرغم من التعاون العسكري غير المسبوق بين الجيش الأميركي والجيش الإسرائيلي، فإن مجتمعي البلدين آخذان في الابتعاد عن بعضهما. فقد أظهر استطلاع رأي أجرته مؤسسة “غالوب” في فبراير الماضي تراجعاً في الدعم الأميركي لإسرائيل على نطاق واسع، مع تعبير عدد أكبر من الأميركيين عن تعاطفهم مع الفلسطينيين أكثر من تعاطفهم مع إسرائيل، وذلك للمرة الأولى منذ عقود. وسيكون لتراجع التعاطف مع القضية الإسرائيلية عواقب وخيمة على حرية الحركة الدبلوماسية لإسرائيل وعلى صبر ودعم أقوى حلفائها.
وفي الوقت نفسه، فإن مشكلات أخرى لا تقل وجودية بالنسبة إلى إسرائيل، مثل تزايد عزلتها الدولية، وهجرة الأدمغة والأزمات الاقتصادية، والاستقطاب الداخلي الحاد، والضم التدريجي للضفة الغربية، وعدم استقرار غزة، ومستقبل “حماس”، كلها موضوعة جانباً في الوقت الراهن. ولا شك في أن الانتصار على إيران من شأنه أن يغير آفاق الأمن في البلاد ويعزز طموحاتها الإقليمية، لكنه لن يكون كافياً لترميم أعمق الانقسامات داخلها.
شيرا عفرون هي المديرة المتميزة لمنتدى السياسة الإسرائيلية وزميلة بارزة في مؤسسة راند.
مترجم عن “فورين أفيرز”، 6 مارس (آذار) 2026
