بعد سقوط الأنظمة الشيوعية في أوروبا الشرقية، احتاجت المجتمعات سنوات طويلة حتى تستعيد شيئاً من الثقة بالمؤسسات العامة.
في ألمانيا الشرقية، اكتشف الألمان حجم الشبكة الواسعة للمخبرين المرتبطين بجهاز الأمن الشهير “شتازي”، الأمر الذي عمّق الشعور بالخوف والشك، مع تأكيد الإحساس بأن “الدولة” كانت بمنزلة شبكة مراقبة داخل كل مفاصل المجتمع.
لن يبدو هكذا أمر مفاجئاً لنا كسوريين خبِروا تجربة أكثر قسوةً من معظم دول الديكتاتوريات، فعموماً، في كل المجتمعات التي عاشت طويلاً تحت الأنظمة الأمنية، سوف نلحظ أن الخوف لا يزول من صدور الناس خلال فترة وجيزة بعد سقوط النظام، رغم ما يرافق ذلك من انتقامات رمزية تتمثل بتحطيم تماثيل الديكتاتور وتمزيق صوره ونزعها عن الجدران، ومحو شعارات تمجيد القائد الأوحد.
هناك شيء آخر سيبقى عالقاً في أرواح الناس وفي المستويات الخفيّة من بنيتهم النفسية، إنها الطريقة التي تعلَّم بها الناس أن يعيشوا لعقود.. نعم، الخوف الذي استقر في النفوس لسنوات طويلة لن يرحل بسهولة. خوفٌ وشكٌّ تحولا إلى عادة نفسية إن جاز هكذا تعبير.
..
من خلال مراقبة، ولو سطحية للمجتمع السوري اليوم، سنلحظ العديد من المفارقات والتناقضات، السوريون يريدون دولة قوية قادرة على فرض القانون، لكنهم، على نحوٍ ما، لديهم شكوك ما زالت مترسبة من فكرة مفادها أن الدولة القوية هي مصدر الخوف، هم يرغبون بمؤسسات تحميهم، ولكن من جانب يمكن لحظه في سلوكهم وتعليقاتهم، لا يثقون بالمؤسسات، أما في المشهد السوري العام فهم يريدون نظاماً عامّاً مستقراً، لكنهم يترددون، وهم محقّون بحكم تجربتهم المريرة، في إعادة تسليم حياتهم مرة أخرى إلى سلطة عامة.
هذه الظاهرة لن نلحظها في أوساط المعارضة السياسية فحسب، فهذا مفهوم، إنما يمكن رصدها بدرجات متفاوتة في أوساط من عاشوا تجربة الثورة، بمن فيهم ثوار ومقاتلي الحصارات، مع ذلك يمكن القول إنّ هذا طبيعي في حين لو اطّلعنا على تجارب دول أخرى عاشت في ظل استبداد مديد.
معظم دراسات علم الاجتماع السياسي وصلت إلى نتيجة مفادها أن هكذا نوع من الاستبداد يترك خلفه مجتمعاً مكسور الثقة، إذ لا يمكن إسقاط نظام استبدادي ثم التوقّع أن تظهر فوراً ديمقراطية تقوم على ثقة اجتماعية قوية، فالمجتمعات التي تعيش في ظل مؤسسات فاسدة وغير عادلة تميل إلى إنتاج مستويات منخفضة من الثقة بين المواطنين، وعلاج هذا حتماً يحتاج إلى زمن.
في الدول الطبيعية، تقوم العلاقة بين المواطن والدولة على فكرة بسيطة، الدولة هي الضامن، هي الجهة التي يلجأ إليها الفرد عندما يتعرض للظلم، وهي التي يفترض أن توفر الحماية والقانون والخدمات العامة، لكن في الأنظمة الاستبدادية تنقلب هذه العلاقة رأساً على عقب، فتغدو الدولة مصدر الخطر، تتحول الشرطة التي تحمي المواطنين إلى أداة للقمع، ويتحول القضاء الذي ينصف الناس إلى مؤسسة فاسدة تشكّل امتداداً لظلم السلطة وتغوّلاتها.
مع مرور الوقت، تعلَّمَ الناس في سوريا درساً بسيطاً يتلخص بأن الأمان، ولو نسبياً، يتمثل بالابتعاد عن الدولة ومؤسساتها، كما تعلّموا أن الصمت أكثر أماناً في حضور أناسٍ مرشحين، في الأذهان على الأقل، لأن يكونوا مخبرين. لهذا السبب نرى في المجتمعات الخارجة من الاستبداد نوعاً من الحذر العميق تجاه الدولة حتى بعد تغيير النظام، فالدولة كانت طوال عقود أداة للبطش، ولا يمكن بين عشية وضحاها، أن تتحول في وعي الناس، وفي الواقع أيضاً، بسبب ممارسات ممثليها الجدد، إلى الصورة المعروفة عالمياً عن الدولة.
مع ذلك يبدو الأخطر من هذا، أن الأنظمة الأمنية لا تكتفي بتخويف المجتمع من الدولة. إنها تفعل شيئاً أخطر بكثير حين تزرع ثقافة الشك داخل المجتمع، فكما نعلم جميعاً، كان المخبرون جزءاً من حياتنا اليومية، وليست قليلة الحوادث التي يمكن أن يرويها أي من السوريين عن حيوات أناسٍ أودت بهم التقارير الأمنية إلى حتفهم أو إلى السجون على الأقل. حدثَ ذلك في كثير من الحالات بسبب تعليقٍ عابر أو مزحة استشعر فيها المخبر خطراً داهماً على أمن الدولة. هذا المناخ العام يعلّم الناس تدريجياً أن الثقة هي واحدة من أهم مصادر الخطر.
هكذا، ومع الوقت تتغير قواعد السلوك الاجتماعي، فيغدو الصمت فضيلة مِن ذهب، والحذر والشك من موجبات الحماية الذاتية للأفراد. لذا نرى في دولة الاستبداد تآكلاً للروابط بين المواطنين، فالناس الذين عاشوا سنوات طويلة في ظل المراقبة الدائمة يتعلمون مع الأيام أن يضعوا مسافة بينهم وبين الآخرين، حتى أقربهم أحياناً. هذه الثقافة لن تزول بسهولة للأسف.
.
على فداحة المآسي الواضحة التي تركها نظام الأسد خلفه، ومنها السجون والاختفاء والمقابر الجماعية، فإن الأنماط النفسية التي رسّخها ستبدو مأساة مجتمعية مديدة. فليس من السهل معالجة حقيقة أن الخوف والشك والابتعاد عن الشأن العام أصبحوا أسلوب حياة لدى السوريين، كشكلٍ من أشكال الدفاع عن النفس. هذه العادات قد تستمر أكثر من جيل، فهي مرتبطة بالذاكرة الجماعية حتى حين لا يكون هناك خطر مباشر.
المشكلة المستجدة هنا أن بعض ممارسات مسؤولي الدولة الناشئة، تستنسخُ اليوم من مفاسد نظام الأسد في كثير من المناحي، وبدلاً من أن تسهم السلطات الجديدة في معالجة مختلفة وذكية لهذا الإرث الثقيل كي يتبدَّد، أقلّه عبر عنصرٍ غير مرئي يُدعى “الثقة”، فإنها تضيف إليه طبقات جديدة.
مع ذلك ودون رفع المسؤولية عن كاهل السلطة، فالأمر ليس مهمة الحكومات وحدها، بل مهمة مجتمع كامل عليه أن يتعلم ببطءٍ العيش من جديد خارج منطق الخوف والشك، في بيت مُشترَك اسمه “الدولة”، وإلّا ماذا سنفعل نحن السوريين الذين نجونا بتلك النجاة.
