ملخص
عبر الرئيس الإيراني بزشكيان في الاتصالين الهاتفيين اللذين أجراهما مع نظيريه الروسي فلاديمير بوتين والباكستاني شهباز شريف عن الجزء الأهم من رؤية إيران للتسوية، التي تبدأ من الأساسيات الاستراتيجية، بإعلان وقف إطلاق النار من دون قيد أو شرط، وإنهاء حالة التهديد بالعودة للحرب في أي وقت بضمانات دولية حاسمة وصلبة، إضافة إلى دفع تعويضات عن الأضرار التي لحقت بالاقتصاد الإيراني، وقد تتوسع لتشمل هذه المطالب تعويضات عن كل آثار العقوبات.
وسط ضجيج المواقف المتشددة التي تصدر عن أطراف النزاع الدموي الذي تعيشه المنطقة، وتحديداً عن الرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي يصر على أن تسويق نتائج هذه الحرب وما انتهت إليه من اغتيال رأس النظام وكبار قادته العسكريين والسياسيين، وأن التطورات الميدانية الناتجة من ذلك والمأزق الذي يعيشه النظام جراء ما لحق به من خسائر وأضرار من الصعب تعويضها وترميمها بسرعة وسهولة، قد وصلت إلى خواتيمها، وبالتالي يجب على القيادة الجديدة التي ستتولى السلطة في طهران القبول بالشروط التي وضعها أو سيضعها للحل.
في المقابل، يبدو أن طهران استطاعت تجاوز الفراغ الحاصل نتيجة اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي، وانتقلت إلى مرحلة ما بعد انتخاب المرشد الجديد – القديم، في عملية تبدو أنها جرت بسلاسة وبحسب ما كان مخططاً لها في دوائر الدولة العميقة ومنظومة القرار والسلطة الخاضعة تماماً لإرادة مؤسسة حرس الثورة العسكرية. وبالتالي أصبحت أكثر قدرة على اعتماد لغة متشددة في مواجهة الشروط والمطالب الأميركية، وأيضاً في الذهاب نحو مزيد من التصعيد الميداني باعتبار أنها انتقلت من مرحلة تلقي الضربات إلى مرحلة الإيلام وإلحاق الخسائر بالعدو على مختلف الجبهات، خصوصاً الجبهة الإسرائيلية التي تشكل العقدة الأساسية في سياق صراعها مع واشنطن.
وإذا ما كان الرئيس الأميركي ينطلق في رؤيته التي تسمح بالخروج من حالة الحرب على أن الضربة العسكرية التي شنها على إيران والنظام الحاكم قد قضت بصورة نهائية على البرنامج النووي، وهي في طريقها للانتهاء من القضاء على البرنامج الصاروخي، وأن هذه الحقائق تفرض واقعاً جديداً على المستوى الإقليمي لا يتيح لإيران الحديث عن امتداد نفوذها ودورها في الخارج، فإن هذه الحقائق تسمح له بالانتقال إلى الشرط النهائي بفرض الاستسلام التام للنظام وخضوعه لإرادة واشنطن بصورة كاملة، بكل ما يعنيه ذلك من تحكم بمصادر الطاقة والثروات الإيرانية والجهات القادرة على الاستثمار والدخول إلى السوق الإيرانية والقطاع الاقتصادي.
على الجهة الأخرى، فإن النظام الإيراني الذي يحاول الإيحاء بأنه استطاع استعادة التوازن بعد انتخاب المرشد الجديد مجتبى خامنئي، واضعاً نهاية لحالة التخبط التي رافقت عمل المجلس القيادي، من خلال تصريحات الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في الأيام القليلة الماضية والاعتذار الذي قدمه لدول الجوار الخليجي نتيجة الاستهدافات التي طاولتها، الذي اعتبرته المؤسسة العسكرية التي تسيطر على القرار والقيادة في إيران أنه لا ينسجم مع الاستراتيجية التي تعتمدها في المواجهة ويحمل نوعاً من التنازل ويكشف حالاً من الضعف في موقف المنظومة، بخاصة أن الرئيس خلال إعلانه هذه المواقف كان يمثل أحد أقطاب المجلس القيادي الثلاثي، وبالتالي قد يتحول إلى موقف ملزم لكل مستويات النظام.
ومع غياب أي ظهور علني للمرشد الجديد، والذي قد يعود لخضوعه للعلاج نتيجة تعرضه لجروح جراء الضربة التي طاولت مقر خامنئي، أو أن يكون هذا الغياب متعمداً لأسباب أمنية، أو كنوع من الغموض والإيحاء بأن عملية المواجهة تجري ضمن السياقات والخطط والاستراتيجية التي سبق أن وضعها المرشد الراحل، وبالتالي لا تعديل عليها، بل من المحتمل أن يعمد بالتنسيق مع مؤسسة حرس الثورة إلى رفع وتيرتها وتصعيدها أكثر، لإيصال رسالة أكثر تشدداً بأن النظام ما زال قادراً على الاستمرار والصمود وإلحاق الخسائر بالعدو، وقدرته على تغيير الوقائع وفرض المعادلة التي تصب في خدمة مصالحه.
وخيار التصعيد والإصرار على الاستمرار في المواجهة، في الأقل في المدى المنظور، وعلى رغم ما فيه من أخطار وإمكان أن تذهب واشنطن إلى خيارات أكثر دموية وعنفاً، إلا أنه يصب في سياق مساعي المرشد الجديد وحرس الثورة لتقديم صورة من القوة والقدرة على قيادة الأحداث وإفشال الخطة الأميركية، وفرض المسار الذي يريدونه على أية مفاوضات، بحيث تمكنه في مرحلة ما بعد الحرب وعقد التسوية من السيطرة على الداخل الذي سيكون متحفزاً لمرحلة جديدة من المحاسبة والمطالبة بحلول جذرية تنهي ما يعيشه من أزمات متراكمة، سواء على المستوى الاقتصادي أم على الصعيد السياسي، خصوصاً أن المرشد الجديد سيكون أمام تحدي تسويق قيادته وقدرته وجدارته على إدارة البلاد والعملية السياسية والاقتصادية، بعيداً من التوريث الحاصل بانتقال السلطة من الأب إلى الابن.
على العكس مما يعلنه بعض المسؤولين الإيرانيين من أن الأمور وصلت إلى مرحلة لم يعد الحوار مع واشنطن مجدياً، وهو ما يكرره وزير الخارجية عباس عراقجي، الذي يتعارض مع موقفه المتمسك بالحوار والدبلوماسية، إلا أن الإصرار أو اعتماد خيار عدم الحوار والتفاوض، وإن كان بعد أسابيع أو أشهر، يعني أن الطرف الإيراني اختار الانتحار السياسي والعسكري، حتى مع تأكيد حرس الثورة أنه قادر على الاستمرار في المواجهة وإطلاق الصواريخ لأكثر من ستة أشهر بالمستوى والقدرة الحاليين، من هنا قد يكون من الطبيعي أن تكون دوائر القرار الإيراني قد بدأت التفكير جدياً بالصياغات والنقاط التي سيكون عليها طرحها على طاولة التفاوض وإنهاء الحرب.
وستحاول القيادة الإيرانية تعزيز أوراقها قبل العودة لطاولة التفاوض، خصوصاً أن تحديات القيادة الجديدة ستكون متمحورة حول كيفية الخروج بإيران من هذا النفق والانتقال إلى مرحلة جديدة بعد أن استطاعت الأسابيع الماضية إحداث تغيير في موقف الإدارة الأميركية وتخليها عن تغيير النظام والحديث عن تسوية معه في ظل قيادة جديدة أكثر انفتاحاً بحسب رغبة واشنطن.
وانطلاقاً من إنجاز الصمود الذي حققه النظام، فإن همساً بدأ يتداول داخل الأروقة الإيرانية حول النقاط التي يمكن طرحها على طاولة التفاوض مع واشنطن بعد توقف الحرب. وقد عبر الرئيس الإيراني بزشكيان في الاتصالين الهاتفيين اللذين أجراهما مع نظيريه الروسي فلاديمير بوتين والباكستاني شهباز شريف عن الجزء الأهم من رؤية إيران للتسوية، التي تبدأ من الأساسيات الاستراتيجية، بإعلان وقف إطلاق النار من دون قيد أو شرط، وإنهاء حالة التهديد بالعودة للحرب في أي وقت بضمانات دولية حاسمة وصلبة، إضافة إلى دفع تعويضات عن الأضرار التي لحقت بالاقتصاد الإيراني، وقد تتوسع لتشمل هذه المطالب تعويضات عن كل آثار العقوبات.
وهذا يشكل مدخلاً للتفاهم حول نظام جديد في المنطقة يبدأ من الاعتراف بحق إيران في امتلاك برنامج نووي سلمي وحق تخصيب اليورانيوم على أراضيها، تحت رقابة دولية وقوانين الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
– سحب الحديث والجدل حول البرنامج الصاروخي والمسيرات، باعتبارهما السلاح الردعي الاستراتيجي الذي يتملكه النظام لمواجهة أي عدوان قد يتعرض له، كما الحال الآن.
– مطالبة الولايات المتحدة بدفع تعويضات كبيرة وواسعة عن الخسائر التي لحقت بالبنى التحتية الإيرانية خلال فترة الحرب.
– تفكيك القواعد الأميركية في الدول المجاورة، أو في الأقل تعديل مهمتها بمحاصرة إيران وتهديدها.
– إنهاء تام لكل أنواع العقوبات الاقتصادية ضد إيران من أية جهة كانت.
– لا تتعهد إيران بأية ضمانات أمنية أو سياسية في الموضوع الإسرائيلي.
– إيجاد آلية تفاهم بين واشنطن ودول الجوار الخليجي للحد من الوجود والنفوذ الإسرائيلي في المحيط الإيراني، خصوصاً بعد أن وصل إلى مرحلة لم تعد طهران قادرة على تحملها.
– لا عودة لقرار مجلس الأمن رقم 1701 الخاص بالصراع بين “حزب الله” وإسرائيل، والبحث عن صيغة جديدة لا تعطي تل أبيب حق الاعتداء على لبنان، وأن يتضمن نشر قوات روسية للفصل على غرار ما قامت به موسكو في الجنوب السوري في أيام حكم بشار الأسد.
– مصير الجناح العسكري لـ”حزب الله” يجب أن يكون موضوعاً لبنانياً داخلياً، ويحل عن طريق الحوار اللبناني – اللبناني من دون تدخل أو ضغوط من أي طرف خارجي.
أما الخطوة التي قد تكون بحاجة إلى كثير من البحث والتدقيق فتتعلق بمضيق هرمز وأمنه وكيفية إدارته، وقد تكون طهران على استعداد للبحث في إمكان إنشاء “كونسورتيوم” مع سلطنة عمان للإشراف عليه، مع إمكان بحث تولي الجانب الصيني مهمة الإدارة، بناء على التجربة التي اكتسبتها بكين في إدارة مضيق بنما.
قد تكون هذه الشروط الإيرانية ذات السقف العالي الورقة التي تلعبها إيران حالياً تحت قيادة حرس الثورة، وقد يكون المطلوب منها صناعة صورة القيادة الحاسمة والفاعلة للمرشد الجديد الذي استطاع الانتقال بإيران من حالة تلقي الضربات إلى حالة الهجوم وتحقيق الإنجازات وفرض الإرادات، انطلاقاً من شعور بالنصر التام أو الكبير، أو القدرة على قلب المعادلات، بخاصة في ظل السقف المرتفع الذي تضعه الإدارة الأميركية لأي تفاوض أو تفاهم، الذي ما زال يتمسك بشرط الاستسلام المطلق من دون قيد أو شرط.
ومع إدراك كل من طرفي الصراع (الأميركي والإيراني) أن الحرب مهما طال أمدها، لا شك أنها ستنتهي بطاولة تفاوض، وأن مهمة هذه الطاولة هي التخفيف من الشروط وخفض السقوف للوصول إلى نقطة وسط تضمن لكلا الطرفين الخروج غير مهزومين، فيما يبقى الجدل مستمراً في البحث عن الطرف الخاسر من هذه الحرب.
اندبندنت عربية
