لا يمكن لمن يشاهد “يونان” أن يغفل العنوان الذي يبدو على علاقة رمزيّة قويّة بمجريّات وأحداث الفيلم لما فيه من دلالة على الإرادة والمواجهة. فالعنوان من العتبات الأساسيّة التي تحفّز القراءة، فكيف بعناوين الأفلام الّتي تعدّ أساسية من ناحية جذب المشاهد وتحديد اختياراته انطلاقًا من ذائقته. يضاف إلى ذلك أداء الممثلين وقربهم من الجمهور، كذلك عمليّة الإنتاج والإخراج وصناعة الفيلم بأكمله.
العزلة بوصفها خلاصًا
غالبًا ما تبحث النفس البشرية عن الخلاص. لكن الأمر ليس بهذه السهولة، فالخلاص لا يتحقق ما لم يجاهد الإنسان ويبذل أقصى قدراته لتحقيق حالة السلام. دخل “يونان” بطن الحوت ثلاثة أيام، وكان الخلاص بعدها بالمواجهة فكانت له الحريّة. أما منير (جورج خباز)، فقد انتقى لنفسه حالة الانعزال والابتعاد عن العالم اليومي، الأمر الذي يمنح الإنسان الباحث عن نفسه فرصة لإعادة ترتيب أفكاره واستعادة ذاته التي كاد يفقدها بسبب قسوة الظروف وتراكم الأزمات. لعل منير لم يختر المواجهة، كما أنّه لم يتهرب من مسؤولياته كما قد يبدو من منظور بعضهم، إنما كان من الطبيعي أن يتخذ، كباقي الناس، مساحة يحاكي فيها نفسه بعد تعب الحياة. وقد تتضمّن العزلة في مكان ناء مساحات تتّسع لها الرّؤى.
والسّؤال هنا: من يمثّل منير في عصرنا؟ قد يكون منير الكاتب المبدع الذي يحتاج إلى هذه المساحة أيضًا بابتعاده عن كل ما يمكن أن يؤثر فيه أو يتحكم بمزاج المبدعين، خصوصًا وأنّه قد حاول متابعة رحلة التشافي بالكتابة بعد تجربة انتحار لم تتحقق. ونتطرّق هنا إلى اختيار الصور البصرية والمؤثرات الصوتية التي تليق بروحية العمل وسلوك الشخصية: مكان شاسع بعيد عن الناس (جزيرة نائية في بحر الشمال) لتأتي أهمّيّة عنصر التّصوير: الكاميرا الداخلية الّتي تنفذ إلى العزلة فتلتقط ما تعجز عن التقاطه العين المجردة.
حضور الآخر المنقذ
في لحظة ضعف قد يتّخذ الإنسان قرارات مناسبة ليعانق ذاته مهما كان الأسلوب، كأن يقرّر إنهاء حياته بطلقة، ولكنّ هذا الأمر لا يأتي من عبث لولا أنه مرّ بلحظة اختناق ووصل إلى مرحلة يأس متعدّد الأسباب.
هنا يطرح السّؤال: من يكون هذا المنقذ؟ وإذا فكرنا في قول سارتر “الآخر هو الجحيم”، ألا يمكن اعتبار الآخر المختلف حاجتنا لاعتراف الذّات ووعيها بصراعاتها الدّاخليّة؟
من جهة أخرى، نلمح حضورًا للعوامل الطّبيعيّة، فالعاصفة التي حدثت وسّبّبت خوفًا كبيرًا جعلت من منير يلوذ بمكان آمن، فدخل الفندق بعد أن دعته المرأة الممثلة الألمانية هانا شيغولا وكأنّها تقدّم له الحماية. وتمثّل المرأة صاحبة الفندق الآخر المختلف: اختلاف العادات ونمط الحياة وأمور أخرى يمكن الانتباه إليها من خلال متابعة أدقّ التّفاصيل.
الصّمت جزء من الأحداث
يكفي أن تراقب نظرات جورج خبّاز في كلّ مشهد لتأخذ عبرة في جدوى الصمت الذّي يرافق المحيط الواسع. فالصّمت فلسفة إنسانيّة وتجسيد للذّات بكلّ اختلاجاتها، ويصبح جزءًا من النّصّ. كان منير يتواصل مع صاحبة الفندق بالصمت والنظر، وهذا ما نفى الحواجز بين اللّغتين العربية والألمانية، فقد كان الصمت بليغًا، إنه لغة التواصل الذي جعل هذه العلاقة وطيدة، ومنحها بعدًا إنسانيًّا.
في هذا الإطار، يرى غاستون باشلار أن الروح الإنسانية تحتاج في أحيان كثيرة إلى الصمت بهدف الإنصات إلى الصوت الداخلي، ما يمنحها فسحة التأمّل والإصغاء إلى صوت الوجود، ويمنحنا المجال للتأمّل العميق. هكذا هو الصمت مكان ملائم وإقامة الذات في الذات خصوصًا في وضعيتي المنفى والغربة.
في هذا الصّدد، نستحضر كتاب “الصّمت لغة الوجود والمعنى” (ترجمة فريد الزّاهي)، يعالج دافيد لوبروتون هذا الموضوع لجهة الألم الّذي يكسر الصّوت بحيث لا يمكن التعرف إليه، وهو يستدعي الصراخ والشكوى والأنين والدموع، أو الصمت الذي يعدّ عنصرًا أساسيًّا لإيضاح المخفي الّذي يتردد في إيماءات الوجه والحركات الجسدية. ففي الصمت تكمن لغة الجمال في التجارب السينمائية، لما يحمله من دلالات فلسفية إنسانية عميقة.
الذّات بين الحياة والموت
في أدائه، استطاع جورج خباز أن يعبّر عن المعنى العميق للوجود، بإعادة طرح الأسئلة الوجودية، والتعبير عن موقفه وفلسفته من الحياة، لتأتي هذه السردية البصرية السمعية بمنزلة تجدّد لرواية حياتية معاصرة تتخذ لها ثيمات كبرى، كالمنفى والعزلة والانتماء وضياع الهوية، وسط حالة من الصراع الداخلي التي تحضر فيها الأبعاد النفسية للذات متشظية بين قوتين: الحياة وما يرافقها من تعلق ومأساة معاشة، والموت وما يرافقه من تأثير على ما بعد الغياب. هكذا يتجلى عمق المعنى الذي يبحث عنه كل إنسان في مسيرته.
ينتقل الفيلم من حالات تتشكّل عبر مستويات متوازية: من حالة سلبية إلى حالة إيجابية، فمن الحزن وغياب الأمل، إلى حالة إيجابية تتمثل بالرقص في نهاية الفيلم، وكأنّ حركات الجسد برفع اليدين إلى الأعلى، وتعابير الوجه الضاحكة التي بدت على وجه خبّاز، دلالة التحرر من الماضي من الخيال السلبي والاكتئاب.
وكأنّ منير انخرط أكثر في مجتمعه الجديد، راح يرقص على وقع أغنية “حوّل يا غنّام”، متصالحًا مع ذاته، متفلتًا من قيود الألم والمعاناة النفسية التي سببت له رهابًا واختناقًا ضيقًا في التنفس. لعله كان في أمسّ الحاجة إلى التّغيير الذي تولد الذات الأخرى في داخله، بعيدًا عن حياته الماضية في بلده، كي تتحول الغربة إلى أفق جديد.
هكذا راح منير يسأل عن جدوى الحياة انطلاقًا من شغفه بها بعد أن كادت تضيع منه، وربما لولا اقترابه من الموت وغيابه عن عالمه لما تمكّن من معرفة قيمة الحياة.
في النّهاية، يبقى من الحقّ أن نقول: انتهت هذه القصة بأفق مفتوح على الحياة، ليصبح فيلم “يونان” خروجًا من السرد التقليدي إلى عالم التّمنّي المتحّقق في الأحلام والرؤى، ليشعر المشاهد وكأنّه أمام مشهدية موسيقيّة شعريّة بصريّة مليئة بالإبداع.