صقر أبو فخر.. ضفة ثالثة
بين 2005 و2025 خرج من بين أصابع الروائية اللبنانية بسمة الخطيب نحو أربعة عشر عملًا روائيًا وقصصيًا. وهذه الأعمال كانت تشير كلها إلى كاتبة مميزة ما انفكت تزين أيامها، منذ عشرين سنة، بالإبداع الأدبي وبالصحافة والكتابة للناشئة، وبالعمل الإذاعي، وإعداد البرامج التلفزية، وكتابة المسلسلات للأطفال، فضلًا عن الإنغمار بالأمومة التي تتقدم على أي خيار آخر في هذه الحياة. وكانت البداية مجموعة “دانتيل لسهرة واحدة” (قصص، دار المدى، 2005)؛ “شرفة بعيدة تنتظر” (قصص، دار الآداب، 2009)، ثم “نحر الغزال” (قصص، دار المتوسط، 2023). غير أن أكثر أعمالها مدعاة للتأمل في مبناها ومعناها رواية “حائكات الأزل” (دار الآداب، 2025)، التي صدرت بعد عشر سنوات على رواية “برتقال مرّ” (دار الآداب، 2015). وحائكات الأزل هن نساء هذه الأرض منذ حواء المغوية التي صنعت أول رداء في تاريخ البشر من ورق التين، حتى غازلات القطن والصوف والكتان والقنب في هذا الزمان. وليس من المستغرب أن ترصد بسمة الخطيب حكايات الحائكات وأنوالهن، والخيّاطات وخيوطهن، فأهل إقليم الخروب في منطقة الشوف في لبنان، التي تتحدر الروائية منهم، اشتهروا منذ قرون بتربية دود القز لاستخلاص خيوط الحرير منها. وما إن انتهى عصر الحرير الطبيعي في أواخر القرن التاسع عشر حتى تحوّل كثيرون إلى المتاجرة بالأقمشة، وبعضهم القليل انصرف إلى حياكة شعر الماعز لصنع البُسط منها، وهو ما يسمونه “البلاس”. وكانت البادية السورية مسرح أعمالهم لتوافر قطعان الجداء في تلك الديار.
المخزون الحكائي في تراثنا الشعبي لا ينفد، والحكايات غزيرة لا تُحصى. وبسمة الخطيب في هذه الرواية حائكة ماهرة للقصص الحزينة، كأنها شهرزاد الجميلة التي لم تنم طوال “ألف ليلة وليلة” لتسلي شهريار الذبّاح. غير أن رواية “حائكات الأزل” ليست حكاية مسلية، بل حكاية حارقة عن الألم الإنساني الذي ما برح مخيّمًا على أجساد النساء وأرواحهن منذ بداية التاريخ البشري حتى اليوم. وفي هذه الرواية تتعانق الحكاية والأسطورة والخرافة في قوام واحد، وفي عوالم غرائبية تكاد تشبه، ولو من باب بعيد، الواقعية السحرية لدى غبريال غارثيا ماركيز، الذي برع في مزج الأسطورة بالتاريخ وبالواقع معًا. أما بسمة الخطيب فقد برعت في تصوير الحرير والكرخانات والأنوال ومفارش ديدان القز في جبل لبنان وبلاد الشام، واستعادت، في خط موازٍ، أسطورة تانيت وابنتها ليلان وحفيدتها أثاليا، وصولًا إلى حسينة العجلونية وابنتها أميرة الداية، وحفيدتها ندى التي يفور نهداها بالحليب حتى قبل الزواج. إنها رواية تختلط فيها العوالم السحرية بالحكايات العابرة للأزمنة.
تحتمي دودة القز من البرد في داخل شرنقتها، لكن رجال الكرخانات سيقتلونها تغريقًا بالماء الساخن لاستخلاص خيوط الحرير منها في سبيل إضفاء الدفء على الجسد الأنثوي. لنتذكر أسطورة وحيد القرن التي اتكأ عليها الشاعر توفيق صايغ ليقاوم وحدته في عراء البراري. فالمشهور أن وحيد القرن، أو الكركدن، حيوان لطيف يعيش وحيدًا كإله معزول، أو كشاعر متوحد مع الطبيعة. وهذا الحيوان من المحال إخضاعه، وهو يفضل الموت على الخضوع. لكن متعته الوحيدة هي البحث عن عذراء ليضع رأسه في حضنها، مع أنه يدرك أن حضن العذراء يخبئ الموت له؛ فهي الشرك الذي يضعه الصيادون في طريقه لاصطياده واستعمال قرنه الوحيد في تقوية شهواتهم. أما العذراء فهي تعرف أن في قرن الكركدن تكمن الحياة واللذة، ولأنه لا يستطيع أن يمنحها الحياة بنفسه، فهي تسلمه إلى الصيادين (الكهنة)، وتمنحه الموت (راجع: صقر أبو فخر، توفيق صايغ: الحائر والمتمرد والشهواني، مجلة “نزوى” العُمانية، العدد 88، 2016). وعلى هذا المنوال، تحوك العنكبوت خيوطها، وتلتف على شريكها في نهاية عناقهما الجنسي، وتقتله، ثم تلتهمه.
الكاهن العنين وتانيس الجميلة
رواية “حائكات الأزل” هي ثلاث حكايات في مسرد روائي واحد: حكاية تانيس ابنة تانيت ربة الخصب والأنوثة التي عاشت بين الموج وهدير البحر والأصداف، وهناك أُغرمت بشاب من صور استُعبد لتعليم البحارة كيفية استخراج الأرجوان من الأصداف، وحبلت منه بابنتها ليلان، ثم هربت واختارت أن تكون صماء وبكماء. وحكاية ندى، المرضعة العذراء، التي لم تتمكن من الإنجاب لأن زوجها لا يُنجب، وهي ابنة الداية أميرة واهبة الحياة للحبالى، وجدّتها هي حسينة العجلونية التي ماتت في زلزال 1956. ثم حكاية وادي الهجران والقصر وجناح الصوم في ذلك القصر والكاهن العنّين المستبد. كأن تلك الحكايات المترادفة ظهورات ثلاثة في حياة واحدة متواصلة.
تانيت هي إلهة الخصب عند البونيين سكان تونس القديمة. وهي الإلهة الأم لأؤلئك التجار البارعين والمحتالين وعديمي الوفاء ذوي الأصول الفينيقية الصورية. ولعل تلك الوشيجة الفينيقية هي التي جعلت بسمة الخطيب تختار تانيت وحدها من بين آلهات الجمال، أمثال فينوس الرومانية، وأفروديت اليونانية، وعشتار السورية، وإيزيس المصرية (العزى بالعربية). أما تانيس (أو تونس ربما)، فهي ابنة تانيت ومثالها الأرضي. لكن تانيس استُعبدت للعمل في استخراج الصباغ الأرجواني من الأصداف البحرية الشائكة (المُريق، أو الموريكس). وهناك، في مكان العبودية، اختارت أن تكون صماء وبكماء. ثم التقت شابًا من صور، أمه زنجبارية، وهو بدوره أُسر وأستُعبد مثلها، وأُرغم على تعليم الناس كيفية استخراج اللون الأرجواني في مقابل عتقه. لكن هذا الصوري احتال كي لا يُعتق، فلم يعلّم الناس سره المهني. وحدها تانيس فهمت لماذا لم يُرد الصوري أن يُعتق: إنه الحب الذي جعله يبقى إلى جانبها ولو إلى أجل. وكان على نحر تانيس وحمة هي علامة تانيت المشهورة وحين حبلت تانيس من الصوري بابنتها ليلان علمت أنه سيهجرها، فانتظرت حتى موعد مخاضها، ثم اختفت حتى توفر على حبيبها عناء الوداع، وتركت ابنتها بلا أم، وتوقفت عن الكلام. وحين التقت تانيس ابنتها ليلان بعد دهر من الزمن المروّع، ولم تكن تعرف أنها أمها، حدثتها ليلان قائلة: “أمي ساقطة جبانة، تخلت عني وأنا صغيرة، فأخذوني إلى جناح الصوم حين كبرت”. وجناح الصوم في قصر الهجران هو المكان الذي تُحبس النساء فيه، ويجري تصويمهن إكراهًا، ولبضعة أيام لا يُسمح لهن بتناول غير السوائل. ثم تُنقل النساء إلى المخادع وقد تعقمت أمعاؤهن وأدبارهن، ويصبحن جاهزات للمعاشرة (ص 101).
حين سمعت تانيس الصماء البكماء هذا الكلام الراعب تكلمت، وعلمت على الفور أن ليلان هي ابنتها، وقالت لها: “أمك لم تتخلَّ عنك” (ص 125). ودُهشت ليلان كيف أن الصماء البكماء تكلمت فجأة، وعلمت أن تانيس هي أمها، وأنها عاشت أهوالًا بعد هروبها من الكاهن؛ أهوالًا تكاد تطابق قصة كل امرأة وكل حائكة: “مُنعنا من الحكي، وأُنهكنا بالعمل لتأمين قوتنا وافتداء حيواتنا، إما بالرق وبيع الهوى، وإما بالأعمال الشاقة، كالزراعة والرعي والتدجين والغزل” (ص 7). أما قصر الهجران فهو مكان معزول استعمله الكاهن لحبس الخائنات والعاصيات والمتمردات والموبوءات بسبب خيانة إحدى زوجاته (ص 26). والكاهن في رواية “حائكات الأزل” إنما هو السلطة العاتية المتجددة، ملكًا كان، أو سلطانًا، أو قيصرَ، أو امبراطورًا (ص 176). وتلك السلطة القبيحة تمثلت لا بالكاهن وحده، بل بزوج ندى التي لم تتمكن من أن تهب الحياة من رحمها، فأرادت أن يكون لها ابن من ثدييها اللذين يفوران بالحليب، فأرضعت آدم وصار ابنها. لكن آدم صار مرغمًا على العيش بين ظلي رجلين: والد مات قبل أن يرى النور، وأب رفض أن يحبه (ص 111). إنها الأمومة المستحيلة، والأبوة العسيرة.
تانيس هي واهبة الحياة والمعذَّبة في الوقت نفسه. تعلمت تدجين الحيوان ورعاية الماشية وغزل أصوافها ثم حياكتها (ص 176). وعاشت ابنتها ليلان عذابًا لا يمكن احتماله، لتموت بدورها بعد أن ولدت أثاليا التي كان من نصيبها أن تمتلك وادي الهجران بعدما مات الكاهن البغيض، ومات جميع مَن كان معه. وماتت أثاليا في الصدع السوري الكبير، لتُدفن حيث دُفنت أمها ليلان. إنها دورة الحياة القاسية حتى لمن يهب الحياة: “ستموت بعد أن تُنجب وتُرضع وتساعد نساء أخريات، بينهن بناتها، على وضع أطفالهن، وتعلمهن الأمومة وإدرار الحليب والزراعة والغزل والحياكة وحيل التغلب على الجوع والحروب والأوبئة والأسى والهجر” (ص 31). وما زال نسل أثاليا يعيش في مكان ما بين صور وبيروت، ربما في بلاد الشوف. ها هنا توالدت الحفيدات، ودارت حياتهن دوراتها التي لا تنتهي: الزراعة والرعي والغزل والحياكة. هنا لا بد من الانتباه إلى أن أثاليا في التقليد الديني عبرانية شريرة قتلت جميع أفراد عائلتها، وهي مثل أمها إيزابيل الفينيقية سيئة، وانتهت إلى الموت بيدي كاهنها. أثاليا في “حائكات الأزل” غير أثاليا في التاريخ اليهودي. هنا التاريخ البوني والفينيقي والسومري والأرامي معًا، وهناك صارت أثاليا المرأة الوحيدة التي حكمت مملكة يهوذا الخرافية بالبطش والقتل.
الخيط والموت والحياة
لا ريب في أن فكرة الحياكة كانت التماعة ماهرة وحساسة لدى بسمة الخطيب، فصاغت من الخيط والنول والحياكة رواية بخيال من جمر، وبروح نيتشوية. فالخيط، منذ الأزل، هو حبل السُرّة، وهو حبل المشنقة. وملابس المسيح خاطتها الخاطئة مريم المجدلية من الكتان. والحبل المعلّق في رقبة ليلان ابنة تانيس كان من الكتان. وخيوط الحائكات هي حبال السُرَر التي تجعل كل مَن دَفَنَ حبل سرته ومشيمته يعود إلى الأرض التي دُفن فيها حبل سرته. ومرارًا، تراءت لي بسمة الخطيب في روايتها الحاذقة كأنها، هي نفسها، إحدى عابدات الهياكل القديمة؛ إنها رواية تعصف بالروح الجريحة عصفًا مهيبًا وحزينًا معًا، كأن الحيوات واحدة بأقمطة متعددة. لعل في ذلك يكمن لغز الحياة وسر الوجود، حيث من المحال أن نكتشف ما وراء السر أبدًا. ويبقى اللغز يومض ولا يضيء؛ يوميء ولا يُفصح. ومن تانيس إلى ندى ما زالت دودة القز تُغرَّق في الماء الحار كي لا تولد الفراشات. والحياة، كما تبدو في تاريخ الألم، إنما تشبه الصراع بين الديدان المقتولة والفراشات الناجية. إنها حكاية المرأة الواهبة للحياة وربّة الخصب والنماء، والأم التاعسة والمظلومة والمقهورة، والتي ما برحت تجوس في براري الصقيع باحثة عن الأمان والطمأنينة.
أَتكون الحياة نهرًا دافقًا متجددًا؟ أَتكون مثل الدائرة، أو مثل دورة فصول السنة؟ كل نهاية هي بداية جديدة. غير أن من المحال أن يسبح المرء في مياه النهر ذاتها مرتين.