عماد الدين موسى باحث
.عماد الدين موسى
تُعدّ رواية “الرّوع” للكاتب العُماني زهران القاسمي إضافة لافتة في مشروعه السردي، سواء من حيثُ الفكرة وظلالها النفسية والاجتماعية، أو من جهة اشتغاله على ثيمة الخوف بوصفها تجربة فردية وجمعية في الآنِ معًا، تتقاطع فيها الذاكرة والرمز والموروث الشعبي.
في هذا الحوار، يحدثنا القاسمي عن ولادة الفكرة، عن علاقتها بثقافة الخوف في المجتمعات التقليدية، وعن اشتغاله على السرد النفسي، كما يتوقف عند تجربته في المزج بين البساطة اللغوية والعمق الدلالي، ويضيء ملامح من مشروعه السردي الممتد منذ روايته الأولى وحتى فوزه بـ”البوكر” عن “تغريبة القافر” عام 2023.
بالتزامن مع صدور روايته الجديدة “الرّوع”، كان لنا هذا اللقاء مع الروائي والشاعر العُماني زهران القاسمي، الذي يعود من خلالها إلى تفكيك بنية الخوف في الإنسان والمجتمع، محوّلًا الفزّاعة من مجسم في الحقل إلى رمز يتغلغل في الذاكرة والواقع:
زهران القاسمي
(*) نبدأ من عملك الروائي الأحدث “الرّوع”، كيف وُلدت الفكرة؟ وهل كانت هنالك أحداث أو تجارب شخصية ألهمتك لكتابة هذا العمل؟
مرّت فترة طويلة بين ولادة فكرة الرّوع “الفزّاعة” وبين كتابتها. كنت مهتمًا بفكرة الخوف الذي يتنامى في لا وعي الإنسان، ويكبر معه منذ طفولته، وكيف يخرج فجأة، أو كيف يتحول هذا الخوف الكامن في الداخل عندما يجد الوقت المتاح له، طرأت هذه الفكرة منذ أحداث الربيع العربي في 2011 م حين خرجت الشعوب على حكوماتها التي ظلت لفترة طويلة تحكم هذه الشعوب. وعلى الرغم من سطوة الأجهزة الأمنية واشتغالها في آلاتها الإعلامية الضخمة للترويج لقدرتها على الصمود في وجه أي متغيرات قد تقع، وكيف كانت تسوق الحاكم وحكومته، وكيف يمكنها ردع أي مظاهر من المطالبة بحقوق الشعب، وكيف كانت تزرع الخوف وتنميه في نفوس البشر، إلا أن كل هذه الأجهزة تساقطت الواحدة تلو الأخرى في أول اختبار لها مع خروج الشعوب وخلع عباءة الخوف الذي لبستها لسنوات، ولم يكن أحد ليتوقع ذلك السقوط المتتالي، من هنا بدأ السؤال يلح عليّ في كتابة شيء ما يتحدث عن الخوف المتنامي، وكيف كون تأثيره في النهاية، وما هي نتائجه التي قد تختلف من مكان إلى آخر، وكذلك بين الأفراد.
“اخترت الرّوع (الفزاعة)، كمثال للكتابة حتى تبدو واقعية أكثر… هذه الفكرة كانت تتنامى معي منذ فترة طويلة، فقررت كتابتها بعد “تغريبة القافر” مباشرة”
من هنا بدأت فكرة الرّوع (الفزاعة)، ذلك المجسم الصامت الواقف بين الحقول بلا حياة، وكيفية الاستفادة منه لصنع الخوف في الحيوانات والطيور حتى لا تعيث خرابًا في تلك الحقول، وكذلك ربط الرّوع بالحكايات الشعبية وتخويف الأطفال منه، مما جعلني أفكر كثيرًا في ثقافة الخوف التي يحملها المجتمع القروي ويبثها في الإنسان منذ نعومة أظفاره حتى يكبر، عن الفزاعات والكهوف والأماكن المظلمة والمقابر وما تحتويه من أهوال وشياطين وجن، داعمًا كل ذلك الخوف بالحكايات حتى يكبر الشخص منا ولا يستطيع المرور بمفرده في أمكنة محددة كونها مسكونة بالأرواح الشريرة خوفًا من أن يصيبه المرض، أو الجنون، أو المس.
إن تلك الآلة التي تسوق الخوف في الثقافة الشعبية تشبه إلى حدّ كبير أيضًا تلك الآلة الإعلامية التي تتبناها الأجهزة الأمنية للحكومات، وبالتالي كان لا بد من أن يكون الاشتغال هنا اشتغالًا رمزيًا، وعلى الرغم من ذلك مرت فترة طويلة منذ بزوغ الفكرة وحتى كتابتها، كتبت حينها أربع روايات، وعندما جاء أوان كتابة “الروع”، واتضحت فكرتها، بادرت مباشرة فيها.
(*) بعد نجاح روايتك السابقة “تغريبة القافر”، ما الذي دفعك لاستكشاف موضوع الخوف في رواية “الرّوع”؟
ما يهمني أكثر في كتابة أي رواية هو أن تناقش موضوعًا مهمًا، أحاول من خلاله البحث في حيثيات هذا الموضوع، هذا ما جعلني أقرأ كثيرًا من كتب علم النفس، خصوصًا في ما يتعلق بالخوف، فكما نعرف فإن هنالك أنواعًا عديدة من الخوف، وليس خوفًا واحدًا، هنالك الخوف من الوحدة، والخوف في المقابل من الازدحام، والخوف من الظهور، والخوف من الظلام، وعندما نعدد كل تلك الأنواع سنجد أن لكل واحد منها خصوصيته، وقد ينتج منها ما لا يستطيع الإنسان تخيله من سلوك، ومن نتائج على المدى البعيد.
حاولت قدر الإمكان أن أكتب في موضوع مختلف عن المواضيع التي تطرقت إليها سابقًا، كما في الروايات الأخرى، لذلك اخترت الرّوع (الفزاعة)، كمثال للكتابة حتى تبدو واقعية أكثر، وقريبة من التصديق، وكما قلت فإن هذه الفكرة كانت تتنامى معي منذ فترة طويلة، فقررت كتابتها بعد “تغريبة القافر” مباشرة.
(*) “الرّوع” تُحوِّل الخوف من مجرد شعور إلى كيان حيّ. كيف تمكنت من تجسيد هذا المفهوم في إطار روائي؟
كان لا بد أن يصنع محجان، وهو الشخصية الرئيسية في العمل، تلك الرّوع (الفزاعة)، ليدخل في منطقة من صناعة الوهم أولًا، ثم يبدأ في تصديق ما صنعته يداه، ومع تنامي الأفكار يقع من دون أن يشعر، وتدريجيًا، في تلك المنطقة المظلمة في نفسه، بحيث يتشكل له ذلك الكائن الصامت الواقف في وسط الحقل على أنه ليس جمادًا فحسب، ولكن له قدرات كبيرة حاولت جاهدًا أن أوضح كيف استطاع إقناع نفسه بقدرة الروع (الفزاعة) في الشعور بما يجول في خاطره وهو يستشعر رضاها وغضبها وقوتها وضعفها، حتى اقتنع أخيرًا بأنها تناكفه لأسباب قد يكون نسيها في حال تنصيبها مثلًا، وهكذا يبدأ في تصديق ذلك الوهم الذي صنعه، ليتحول الخوف إلى كائن منظور في جسد الرّوع.
(*) اعتمدتَ في الرواية على تقنية السرد النفسي العميق. هل واجهتَ تحديات في نقل مشاعر الشخصيات بهذه الكثافة؟
كان لا بد أن أعود بطريقة الاسترجاع إلى السيرة الذاتية للشخصية الرئيسية وهو محجان، ما علاقته بالخوف مذ كان صغيرًا، كيف كان يخاف من ظله كما حكت له أمه، وكيف كبر وهو يخاف الأماكن المظلمة والكهوف والخرائب، وما هي علاقته مع بعض الشخصيات في القرية، وما الذي استقاه من حكايات غذت ذلك الخوف الطبيعي في نفسه حتى عشش في داخله، كان لا بد لذلك الخوف الذي لا يبدو واضحًا على الشخصية أن يخرج بفعل ما، فمحجان على الرغم من هدوئه الظاهر وعلاقته التي يعرفها الجميع في القرية كونه إنسانًا مرحًا وغير مكترث، إلا أن شيئًا ما في داخله نائم، وقد يستيقظ في لحظة، هو فقط يحتاج إلى مفتاح، وذلك ما صنعه الروع.
زهران القاسمي يتسلم جائزة البوكر العربية للرواية عام 2023
(*) كيف ترى العلاقة بين البطل “محجان” والخوف كعنصر رئيس في الرواية؟ وهل يمثّل “محجان” الإنسان العادي الذي يتصارع مع هواجسه؟
محجان كأي شخص من شخوص الحياة، كلنا نستقي الخوف ونكبته في داخلنا، ونغذيه بطرق مختلفة، فالخوف لا يعنيه أن تكون ضحيته إنسانًا عاديًا، أو متعلمًا، لكل منا مخاوفه، وهنا يكمن السر في محجان، ذلك الرجل العادي تمامًا، الذي لا يتوقع أحد من معارفه وقريته أن يتغير فجأة، أو أن تبدر منه أفعال مختلفة، لقد استسلم أخيرًا لتلك الطاقة الكبيرة في أعماقه من دون أن يدرك أنه قد تغير، لقد سيطرت عليه الفكرة وذهب بعيدًا وراءها حتى النهاية.
(*) تناولتَ في الرواية فكرة الخوف كأداة للسيطرة في المجتمعات التقليدية. إلى أي مدى ترى أن هذه الفكرة ما زالت قائمة في الواقع المعاصر؟
تتحول فكرة الخوف حسب الزمان والمكان، لا ترتبط فقط بالخرافات والأساطير، ولكنها أحيانًا ترسم رسمًا محددًا لأشخاص داخل المجتمع لوضع هالة كبيرة عليهم ينتج عنه اكتسابهم خشية من المحيطين بهم، الخوف أيضًا يكمن في الأفعال ونتائجها، فنحن مجتمعات تقليدية مرتبطة كثيرًا بالدين الذي صنع منه آلة خوف كبيرة، وتم تسويقها للأسف داخل المجتمعات، ولذلك نجد أن كل مخالف ليس للدين كدين، ولكن حتى المخالف لأفكار بعض رجالات الدين سيجد أنه قد وقع في المحظور، وبالتالي سيناله الكثير، وهنا يبدأ صاحب الرأي المختلف في السكوت خوفًا، لأن هنالك فزاعة كبيرة منصوبة أمامه تحمل كل الأشكال التي يتوقعها أن تحدث له لو قال ما يخالف الفكر السائد.
هنالك فزاعات كثيرة في مجتمعاتنا، تمامًا كما هي موجودة في الحقول، فنجد فزاعات العادات والتقاليد، وفزاعة العيب، وفزاعة السلطة، وغيرها، وسيطرت هذه الفزاعات على كل فكر تقدمي داخل هذه المجتمعات ليست القروية فقط، بل حتى التي يفترض أنها مدنية، مما صنع من مجتمعاتنا العربية مجتمعات نمطية وتقليدية، وإن الخروج على هذه الفزاعات يكون له نتائج واضحة كما رأينا وقرأنا ما حدث لبعض المفكرين والمنظرين، والذي يصل أحيانًا إلى التكفير، أو الطرد، أو حتى محاولات الاغتيال والقتل.
(*) كيف نجحت في المزج بين الواقعية السحرية والتحليل النفسي في بناء الرواية؟ وهل كان ذلك خيارًا واعيًا منذ البداية؟
الاشتغال على الفكرة في إطار مكاني ضيق صعب جدًا، أعترف بذلك. وكنت خائفًا طوال الوقت من أن أقع في دائرة التكرار مع أعمال سابقة لي، لكن أيضًا وضوح الفكرة ووجود معادل كتابي لها وهو الروع (الفزاعة) جعلها محددة وواضحة أكثر عند كتابتها، وطبعًا حاولت استغلال الموروث الشعبي الثقافي السائد في القرية الذي يتحدث عن الخوف في جعل الشخصية الرئيسية في العمل لها تاريخها النفسي المتعلق بها ككيان منفصل منذ الطفولة والمتعلق أيضًا بالمجتمع المحيط بها وثقافته التي يتوارثها في بث الخوف بشتى أنواعه، فلولا قابلية هذه الشخصية نفسيًا لما نمت بعد ذلك ولما تطورت أيضًا.
(*) تتميز روايتك بلغة بسيطة وآسرة، لكنها تحمل كثافة شعرية. ما سر هذا التوازن بين البساطة والعمق التعبيري؟
في الحقيقة، كنت أحاول قدر الإمكان في رواياتي السابقة الهرب من طغيان اللغة الشعرية على لغة النص السردي، ولكن منذ “جوع العسل” فأنا أحاول أن أمزج الشعر بالسرد من خلال الحالة الوصفية أحيانًا، والشعورية أحيانًا أخرى، بقدر بسيط جدًا، حتى لا يؤثر ذلك على مجرى الحدث السردي، الذي أخشى أن يؤدي بالقارئ إلى الملل، ثم تركه للقراءة من ناحية، ومن ناحية أخرى حتى لا يؤثر على بنية النص السردي ككل.
(*) كيف تسهم اللغة البصرية في تعزيز جو الغموض والخوف الذي يسيطر على الرواية؟
يلعب الوصف داخل العمل السردي دورًا كبيرًا في تكوين الصورة الذهنية لدى القارئ في تصور المكان والشخوص والولوج إلى عوالم النص النفسية والمعقدة، وكلما كان الوصف بصريًا كانت الصورة واضحة جدًا.
“هنالك فزاعات كثيرة في مجتمعاتنا تمامًا كما هي موجودة في الحقول، فنجد فزاعات العادات والتقاليد، وفزاعة العيب، وفزاعة السلطة، وغيرها”
ومن هنا، حاولت الاشتغال على لغة بصرية لخلق صورة صادقة وواضحة توهم القارئ بأن ما يقرأه قد وقع فعلًا. وكما قلت حتى تتكون لديه الصورة الذهنية ويتخيلها أثناء قراءته للنص.
(*) هل تمثّل “الرّوع” انتقالًا نحو مرحلة جديدة في تجربتك الأدبية؟ وكيف ترى تطور مشروعك الروائي بعد هذه الرواية؟
في الحقيقة، من الصعوبة أن أقول إن “الرّوع” تعبر عن مرحلة جديدة، ولكنها أيضًا تتحدث عن منطقة مختلفة، فهي كمشروع لها سماتها الخاصة بها، كما أن الروايات التي سبقتها لكل واحدة منها مشروعها الخاص، أما هل تتطور تجربتي فهذا أيضًا صعب عليّ تصوره حاليًا، لأنني داخل التجربة، ولم أخرج منها بعد، أقصد هنا تجربة الكتابة بشكل عام.
(*) ما هي الرسالة الأساسية التي تودّ إيصالها من خلال “الرّوع”؟ وهل تتوقع أن تثير الرواية نقاشًا حول الخوف كظاهرة اجتماعية؟
هنالك رسائل كثيرة مبطنة في الرواية، ليس فقط الخوف، ولكن أيضًا صناعة الوهم، وصناعة الرمز، وطغيان الحالة لدرجة التصديق، كما يحدث مع بعض الناس الذين يدخلون في حالة ما فتأخذهم إلى أبعد مما يتوقعون، وكذلك الإشارة هنا إلى التحولات النفسية العجيبة التي تحدث، والتي يرى الناس فيها نقلات عجائبية وغير متوقعة، لكن لديها تاريخها الذي يصل بها إلى ذلك المكان.
أعتقد أن الرواية تحتاج إلى قراءات متعدّدة، من ضمنها الخوف كظاهرة اجتماعية، وأترك هذا للنقاد والباحثين لعلهم يجدون شيئًا ذا قيمة في هذا العمل البسيط.
زهران القاسمي: شاعر وروائي عُماني، ولد في ولاية دماء والطائيين عام 1974م، له عدد من الأعمال الشعرية، والروائية، والنصوص الأدبية، من أبرزها: رواية “القناص” الحاصلة على جائزة الإبداع الثقافي من الجمعية العمانية للكتاب والأدباء عام 2015، ورواية “تغريبة القافر” الحاصلة على الجائزة العالمية للرواية العربية عام 2023، كأول روائي عُماني يحصل على هذه الجائزة…ضفة ثالثة