حسام معروف.. كاتب
ففي الكتاب كل المفاهيم تتداعى، وتعيد تكييف نفسها مع واقع جديد، البيت، الهوية، الإنسان، الصور، الفكرة الوجودية ببركتها.
الكتاب عبارة عن مقالات توثيقية حول إبادة الشعب الفلسطيني، ويمكن وصفها بلحظة محو، في قلب الإبادة ذاتها، كأن اللغة لم تعد أداة للتفسير وإنما وسيلة للبقاء. يكتب الكتاب ضد النسيان، ضد الترويض، ضد تلك الفكرة الساذجة بأن الأدب يستطيع “ترميم” الخراب. هنا، الأدب هو الخراب ذاته، لكن على نحو فني ولغوي يقترب من البلاغة السوداء التي تجعل القارئ يمشي على أعصابه، كما وصفت بدقة.
خلال سرده يطرح الكاتب رموزًا، يمكن الإمساك من خلالها بصوته السردي والفكر الذي ينادي إليه عبر 218 صفحة من القطع المتوسط.
رمزية الحرية
يضع قراقع الحرية في قلب جدلية مقلوبة: ليست حرية الفلسطينيين وحدهم، بل أيضًا حرية الجلاد من تاريخه، من هتلره الداخلي، من محرقة تتكرر في صورة معكوسة. في مقطع لافت يكتب:
“حريتنا أن ننقذكم من هتلر الذي يعيش في داخلكم، الخوف والرعب من كل شيء، ومهمتنا أن نطفئ الحريق الذي يشتعل في ذواتكم ومدارسكم وثقافتكم حتى لا نحترق معًا. حريتنا أن نحرّركم من ثقافة السفاحين والقتلة، ومن عقدة المحرقة الاستحواذية…”.
هذا المقطع لا يكتفي بطرح معادلة أخلاقية، بل يعرّي المفارقة الوجودية: الضحية تُصبح هي المنقذ. الحرية هنا ليست شعارًا وطنيًا؛ بل عملية علاج نفسي جماعي لعدو يعيش على “وهم الإبادة الماضية” ليبرّر إبادة الحاضر.
إنه قلب للأدوار: من يحتاج للنجاة ليس الفلسطيني وحده، بل أيضًا الإسرائيلي، الذي يعيش مأزقًا وجوديًا داخل ذاكرته. وكأن الكاتب يقول: من دون شفاء العدو من مرضه، لا يمكن للحرية الفلسطينية أن تولد. الحرية إذًا ليست تحررًا من الاحتلال فقط، بل أيضًا تحررًا للعدو من عاهته التاريخية.
الرقص الأسود
من الغرابة في كتاب قراقع أن توجد رمزية الرقص، وكأن الكتابة فعل حتى في العتمة، فعل كرنفالي. لكن ذلك ليس رقصًا في الأعراس أو في الساحات الشعبية؛ بل رقص الأجساد حين تتناثر في الهواء. في أحد النصوص يكتب:
“لماذا لا ترقص؟ الغارة المقبلة تجعلك ترقص، تطير أشلاء جسدك على شكل دائرة، ترتفع وتسقط، ترقص في الريح والغبار، مصحوبة بموسيقى الانفجار العظيم…”.
الرقص هنا ليس فعلًا إراديًا، بل نتيجة انفجار. إنه كوميديا سوداء بامتياز، مثلما قدم كازانتزاكيس الألم الوجودي إلى احتفال عبثي، عبر تقديم شخصية زوربا الفلسطيني. في نص قراقع لا يُمنح خيار الرقص؛ بل يُدفع إليه بالقصف. يتحول جسده إلى راقص قسري، والجمهور المتلذذ يجلس في الكنيست أو في شوارع تل أبيب، أو في أي مكان في العالم.
هذا التحويل المروّع للرقص إلى حركة موت هو ذروة السخرية التراجيدية: الفلسطيني يرقص على إيقاع انفجاره، العالم يصفق، والجسد ينصهر. ومع ذلك، يبقى في الرقص معنى: إذ هو رفض للصمت، وحركة ضد الثبات، حتى لو كان الثمن أشلاء مبعثرة.
أسطورة
لا يغفل الكتاب عن تفكيك الأسطورة التي بُنيت عليها دولة الكيان. حيث يشير قراقع إلى أن التأسيس لم يكن على وقائع التاريخ، بل على “أوهام وأساطير” تُستعاد الآن لتبرير الإبادة.
هنا يظهر الكاتب كمنقّب في جذور نشأ من خلالها الوعي: الاحتلال ليس آلة عسكرية فقط، بل سردية متخيلة، تقوم على أن الشعب الآخر غير موجود، أو أن وجوده خطر أسطوري يجب محوه. بهذا، يربط الكاتب بين الإبادة الجارية والخيال المؤسس للدولة العبرية، ليكشف أن الأسطورة لم تنته، بل تحوّلت إلى آلة موت.
السجن
في نص آخر يخاطب الكاتب الأسير الشهيد وليد دقة:
“إلى أين يا وليد؟ كل شيء من حولك مرعب ومغلق، الغارات الجوية، القصف المتواصل… فلا مجال يا وليد من الخروج من الزنزانة المحاطة بالحراس وبكل أنواع الأسلحة”.
المشهد هنا ليس توصيفًا لسجن فقط، بل لكون كامل. وليد ليس أسيرًا فرديًا، لكنه استعارة عن الفلسطيني برمته. الزنزانة تحوطه من كل الجهات: جغرافية، سياسية، رمزية. إنها سيزيفية مطلقة: الأسير يُدفع لرفع صخرته كل يوم، ليجدها تسقط من جديد، بلا جدوى، بلا مخرج.
يتحول السجن في خطاب قراقع إلى “غوانتانامو” آخر: مكان لتعطيل الزمن، لإلغاء المعنى، لجعل الإنسان كائنًا بلا هوية. لكنه أيضًا مسرح مقاومة: إذ مجرد أن يكتب وليد أو أن يُذكر اسمه، فهذا يعني أنه لا يزال يعرّف نفسه، يصرّ على الوجود.
الغناء والفولكلور
إلى جانب الرقص والسجن، يستحضر الكاتب رمزية الغناء والفولكلور الشعبي. الأغنية هنا ليست مجرد تراث، بل وسيلة لربط زمنين: نكبة 1948 ونكبة 2023. الفلسطيني يغني ليقول: أنا موجود.
الأغنية كلذة جمالية، كجسر أو حلقة وصل بين موتين، بين إبادة وأخرى. في هذا المعنى، يتحوّل الشعب الفلسطيني إلى “كورال جماعي” يغني وجعه كي يُسمع العالم بعد أن يُمحى جسديًا. الغناء هنا استمرار للحياة بعد الموت، محاولة لجعل الذاكرة تصمد حيث الجسد.
لغة مبسطة وموحية
لغة قراقع في الكتاب تُحاكي التوتر ذاته الذي يصفه: لغة بسيطة في ظاهرها، لكنها مشحونة ببلاغة تراجيدية. الجمل قصيرة، لكنها تحمل ثقلًا تاريخيًا وفلسفيًا. القارئ يقرأ النص كما لو كان في قاعة محاكمة، حيث تُعرض الأدلة بالصوت والصورة والدم.
لا يوجد في الكتاب فسحة للأمل أو الهدوء. اللغة تسير على أعصاب ملتهبة، كما لو أن الكاتب يتعمّد إبقاء القارئ في المحرقة. وهذه سمة أساسية: الأدب هنا لا يهدف إلى التخفيف، بل إلى الإشهاد. اللغة تصبح شاهدًا، وثيقةً، وصرخة في آن.
بين المقال والسينما الديستوبية
الكتاب يتألف من مقالات تحليلية، لكن طبيعته أقرب إلى السينما الديستوبية. النصوص مليئة بالمشاهد البصرية: أجساد ترقص، زنزانات مغلقة، أفران موت، انفجارات، جثث، رؤوس مقطعة، أشلاء، تعذيب، سجون إبادة وتطهير عرقي. القارئ لا يقرأ فقط، بل يرى. وهذه السينمائية تجعل الكتاب يخرج من إطار المقال إلى فضاء أشمل: كأنه فيلم طويل من لقطات مرعبة، متتابعة، بلا انقطاع.
بهذا المعنى، يمحو الكتاب منتجات السينما العالمية التي غالبًا ما تجاهلت الإبادة الفلسطينية، ليؤسس سينماه الخاصة: سينما الجثث.
يمكن اعتبار “الكتابة بين الجثث” كتابًا أدبيًا، توثيقيًا، ومن ثم هناك صمت طويل بعد قراءته، لكن لا يمكن إغفال كونه شهادة للتاريخ، وصراخًا لن يتوقف في الذاكرة. كل صفحة فيه تضع القارئ في مواجهة نفسه: ماذا يعني أن تكون إنسانًا بينما العالم يصفق لموتك؟ ماذا يعني أن تكون اللغة آخر ما تبقى لك حين يختفي الجسد؟
لا يقدّم قراقع عزاءً ولا أملًا. لكنه يقدّم مشرحة بلاغية تبقى شاهدًا على زمن الإبادة. الكتاب وثيقة للتاريخ، تضع المأساة الفلسطينية في قلب الفكر الإنساني، حيث الحرية يُعاد تعريفها، والرقص يصير موتًا، والغناء يصير جسرًا بين نكبتين.