لم يعد خطاب الكراهية في سوريا مجرّد ظاهرة لغوية أو جدلٍ في وسائل الإعلام ومواقع التواصل، بل تحول إلى خطرٍ حقيقي يهدد ما تبقى من روابط المجتمع السوري، ويعمّق الانقسامات بين أبنائه. الكلمة التي تُقال دون وعي أو مسؤولية قد تكون أكثر فتكًا من الرصاص، لأنها تزرع الخوف وتغذي الأحقاد، وتبني جدرانًا من الشك بين الناس.
إنّ التصدي لخطاب الكراهية لا يكون ببيانات الإدانة أو حملات موسمية، بل يحتاج إرادة حقيقية تتجسد في تعاون فعلي بين مؤسسات الدولة والإعلام والمجتمع المدني، لتأسيس بيئة تُعلي من شأن الحوار وتحترم الإنسان مهما كان انتماؤه أو فكره. فكل مؤسسة — سياسية كانت أو إعلامية أو تربوية — تتحمل جزءًا من المسؤولية في مواجهة هذا الخطر الصامت.
الإعلام على وجه الخصوص يقف اليوم أمام اختبار أخلاقي ومهني. فبينما يمتلك القدرة على إشعال الفتن، يمتلك أيضًا القوة على ترميم الوعي وإعادة بناء الثقة. المطلوب هو خطاب إعلامي مسؤول لا يختبئ خلف الشعارات، بل يقدم الحقيقة كما هي، دون تحريض أو انتقائية، ويمنح الناس مساحة للفهم لا للانقسام.
لقد آن الأوان لأن يصبح الحوار بديلاً للكراهية، وأن يتحول السلام من شعار إلى ثقافة تُمارس في حياتنا اليومية. فالمجتمعات لا تُبنى على الخوف ولا على الإقصاء، بل على الاعتراف المتبادل والقدرة على الاستماع.
نحن بحاجة إلى مشروع وطني طويل الأمد، يزرع في الأجيال الجديدة قيم التسامح والانفتاح، ويُعلّمها أن الخلاف لا يعني العداء، وأن الكلمة يمكن أن تكون جسراً للعبور نحو غدٍ أكثر عدلاً وإنسانية.
قد يكون الطريق طويلاً، لكن البداية الحقيقية تكون حين ندرك أن الكراهية لا تُواجه بالكراهية، بل بصدق النية، ومسؤولية الكلمة، وإيمانٍ عميق بأن سوريا لا يمكن أن تنهض إلا بسلامٍ عادلٍ يضم الجميع.