يصحب الروائي السوري زياد عبد الله القارئ في رحلة معرفية لا تنقصها المتعة والشغف، إذ ينجز، عبر كتابه الجديد، “لا تقرأ هذا الكتاب إن لم ترَ من السماء إلا زرقتها”، توليفة تراثية تجمع بين إرث الغرناطي والقزويني، ساعيا إلى قراءة التراث العربي الإسلامي من زاوية مختلفة تضفي عليه الألفة، وتهبط بمجلداته الضخمة من الرفوف التي علاها الغبار ليجعلها متاحة لأولئك الذين يعشقون روح المغامرة، وتحديدا ذلك القارئ الذي “اذا سمع عجبا جائزا استحسنه ولم يكذّب قائله ولا هجَّنه”.

الكتاب الذي صدر عن “محترف أوكسيجين للنشر”، المشروع الذي يعود الى الكاتب ذاته، هو الأوّل ضمن سلسلة “أو كلاسيك” التي أطلقها المحترف ضمن “مشروعٍ جديد في اتباع دائم وحرّ للاكتشاف وإعادة اكتشاف الكلاسيكيات، وليكون اسم السلسلة أوّل معبر لهويتها، وهو نتاج معادلة: أوكسيجين + كلاسيك = أوكلاسيك”، وفقا للقائمين عليها.

يشترط عبد الله على القارئ الذي يرغب مشاركته هذه الرحلة أن يرى من السماء أكثر من زرقتها، ومن الأرض أكثر من غبرتها، وهي عبارة مستلة مما قاله القزويني ذاته، يتخذها الكاتب مع بعض التحوير عنوانا لكتابه، وتنطوي على ضرورة الاقتناع بطبائع المخيلة، والامتثال التام لسحرها، واتباع خريطةٍ عِمادها العوالم والأمصار العجائبية، فمن لا يؤمن بطاقة الخيال المذهلة على الرحيل الدائم في عوالم اللامحدود واللامرئي واللامألوف والخارق والمدهش دون أي قيود أو ضوابط، فقد لا يجد في الكتاب سوى تهويمات غامضة ومحض خرافات تربك الذهن وترهق العقل.

 

أجنحة الخيال

في هذا المعنى، يشرع عبد الله الباب واسعا أمام أجنحة الخيال كي تحلق بالقارئ عاليا إلى ما هو أبعد من زرقة السماء، وتهبط به إلى تضاريس الأرض من سهول وجبال ووهاد وأودية كي يتعرف إلى خفاياها وليس فقط “غبرتها” الظاهرة للعيان، وتبحر به، كذلك، في البحار والمحيطات والجزر كي يكتشف خزائن المياه الدفينة التي لا تفصح عن كامل أسرارها لذوي المخيلة الضحلة.

 

لتحقيق مثل هذا الهدف، يجتهد عبد الله في الجمع بين كتابين هما “تحفة الألباب ونخبة الإعجاب” للغرناطي (437 – 565 ه) وهو كتاب من أربعة أبواب، الباب الأول في صفة الدنيا وسكانها من أنسها وجانها، والثاني في صفة عجائب البلدان وغرائب البنيان، والثالث في صفة البحار وعجائب حيواناتها وما يخرج منها من العنبر والقار، أما الباب الرابع فيبحث في صفات الحفائر والقبور وما تضمنته من العظام إلى يوم النشور”. الكتاب الثاني هو “عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات” للقزويني (605 –  682 ه) يتناول وصف السماء وما فيها من كواكب وأبراج وحركاتها وما ينتج من ذلك من فصول السنة، ويتحدّث عن الأرض وتضاريسها، والهواء وما فيه من رياح وأنواعها، والماء والبحار، والجزر، وأحيائها وكذلك عن النبات والحيوان.

من هذين الكتابين يختار عبد الله كل ما هو عجائبي وأسطوري وغريب ويحفز الخيال على التحليق بعيدا، إذ يستبعد كل ما هو مألوف وعادي وما قد يعد حقائق علمية واضحة، ليقتصر على إيراد الفقرات والمقاطع التي تزخر بالعجائب، وذلك بعد أن يعقد في مقدمة كتابه حوارية بين هذين العالمين، الغرناطي والقزويني، فيتخيل نفسه وهو يتحدث اليهما ويناقشهما، وهما يردان عليه، ويجادلانه من أجل الوصول إلى الصيغة النهائية لهذا الكتاب المؤلف من 175 صفحة من القطع المتوسط، والذي يضم في صفحاته الأخيرة ثلاثة معاجم هي: معجم الأمكنة والتضاريس، ومعجم الأعلام، ومعجم المخلوقات العجيبة.

 

يستسلم عبد الله في هذا الكتاب لغوايات النصوص البديعة ولذائقته الجمالية الشخصية، فهو روائي وأداته الرئيسة هي الخيال، لذلك يهتم بما هو أدبي وأسطوري وخيالي، ويورّط معه القارئ في هذه الحيلة السردية “الماكرة” التي تنجح في غربلة الكتابين المذكورين، وتنقيتهما من كل ما يعيق المخيلة من السفر بعيدا في عوالم “الميتافيزيقيا” و”الما ورائيات”، وهو يشرح ذلك للقزويني، قائلا: أنا لا أبحث عن توصيفاتك للأشهر والتقاويم والأفلاك والكواكب، ولا حتى قولك بكروية الأرض ونحو ذلك! أنت سابق لعصرك ولاحقٌ لعصري في العلم، وسابق لعصري وعصرك في المخيلة، وفي هذا التوصيف الأخير ما يشمل الغرناطي، من دون أن أُدخلَه في معترك العلوم، فهو لا ناقة له فيها ولا جمل، وأنا أبحث عن الخيال، عن الجمال! في هذا العصر تحديدا لن أكون بحاجة لمن يشرح لي الكسوف والخسوف ولا فضائلَ الأيام والأشهر والأبراج وخواصها، ولا الشهبَ والكواكب وتأثيراتِ القمر، فأنا لا أريدك عالمَ كونيات وجغرافيا، بل أديبا خياله حر، ووصفه بديع آسر”.

حين يسأل القزويني زيادا، في الحوارية المفترضة، عن الجانب العلمي في ما خطه، يردّ زياد: دعنا من حديث العلم، فأنا لست أهلا له، ولست سوى كاتب، أجدني أتحرى ما هو أشد ضرورة وإلحاحا، ولهذا بدأت بالغرناطي، وقلت أتبعه بعوالمك، فما يهمني وأجده ضروريا – أعود وأكررّ – الخيال… فالخيال أول باب للحرية”.

نثر عجائبي

نحن، إذاً، حيال نصوص تنتمي إلى ما يمكن تسميته بـ”النثر العجائبي”، حيث يجمح الخيال بلا أي منطق أو ضفاف، ويتمادى في اختراق حدود الواقعي والتاريخي والجغرافي، ويتجاوز المتعيّن والملموس ليخضع كل الوجود لخصائصه وقوانينه، إن كان للخيال من قوانين أصلا، بإحساس مطلق بالحرية التي يشير إليها عبد الله… خيال يعجن العالم كما يشاء، ويصوغ نثرا لا يأبه لأي تفسير سهل، ولا يخضع لأي سلطة سوى سلطته، سلطة الخيال جامحا، طليقا، منتهكا، مشاكسا، متمردا، كاشفا، مندفعا.

 

 

ويرى عبد الله في مقدمته أن المخرج جيمس كاميرون، صاحب فيلم “آفاتار” الفانتازي والعجائبي بجزأيه، لو تعرّف إلى مخلوقات الغرناطي والقزويني لوجد لها كوكبا مثل “باندورا” وصنع بدلا من “أفاتار” عشرات الأفلام، ومنها ألوانٌ وأشكال وأحجام عجيبات، برا وبحرا وجوا، فيها الخيّر والشرير، الجميل والقبيح، الهائل والضئيل، العملاق والمتقزِّم، الملائكي والمتشيطن…، ومثل هذه الملاحظة تفتح الباب أمام مسألة التقصير في توظيف التراث العربي والإسلامي في الانتاج السينمائي والتلفزيوني العربي الذي يستعين بأنصاف المواهب، فيما التراث حافل بكل ما يثير الدهشة دون أن يتجرأ أحد على الاقتراب منه، إلا قليلا، وتلك قضية لا مجال للتوسع فيها هنا.

سنمضي في صفحات هذا الكتاب لنستكشف ما اختاره عبد الله من أمكنة وجبال وجزر وبحار وأنهار من العبث أن تبحث لتجد لها موقعا على الخريطة، مثل إِتلْ، وأُديم، وإرم ذات العماد، وأستراباذ، وباشغرد، وبرطاييل، وحود قور، والرهون، والزانج، وسخسين، والسلامط والسلاهي وطمام والقلزم وهركند والواق واق، وغيرها، وسنتعرف إلى ما في تلك الامكنة من مخلوقات عجيبة من بهموت والتنين إلى الدلهاث والرخ وسيرانس والعنقاء وصولا إلى الغول والقاطوس والقطربة وكيوبان ومرطونس ونكير وهاروت وماروت والهواهي وغيرها من التسميات والأوصاف والأمكنة التي تظهر ضمن قالب قصصي سيثير الإعجاب والدهشة لدى البعض، فيما سيثير الاستهجان لدى آخرين لا يمتثلون لفضائل الخيال.

الكتاب الذي يعد مساهمة في جهود الحفر والتنقيب في التراث العربي والإسلامي، وتسليط الضوء على تحف سردية مجهولة، يشكل، من زاوية أخرى، حافزا للباحثين في حقل التراث نحو المزيد من الاكتشافات حيال ما يمكن وصفه بالميثولوجيا العربية الإسلامية، وتقديمه بشكل مبسط، فليس من المتوقع من قارئ هذا العصر الرقمي أن يمضي بطيب خاطر إلى قراءة القزويني والغرناطي والتوحيدي والجاحظ والقرطاجني والاصفهاني والأصبهاني وغيرهم، وهو ما يتطلب جهودا لتبسيط هذه المدونة التراثية الهائلة، وجعلها مألوفة وجذابة لقارئ غارق في عوالم “السوشال ميديا”، مدجج بالأزرار والشاشات.

ما يبرر مثل هذا المطلب، هو أن التراث العربي والاسلامي حافل بنثر متشعب ومتنوع، ولعل النثر الغرائبي هو أحد أوجهه الكثيرة، وهذا ما يشير اليه الباحث السوري كمال أبو ديب الذي يرى أن التراث العربي فيه الكثير من جوهر “التجاوز والجموح وكسر المألوف والمحدود والمنطقيّ والتاريخي والواقعي”، مما يجعله أولى بنسبة هذه الكتابة الأدبية العجائبيّة والغرائبية إليه لا الى غيره، ذلك أن ثمة دراسات تنسب إلى الغرب حصرا ابتكار ما يسمى الآن “الفانتاستيك”، غير أن أبو ديب يرى أن هذا الاسلوب الأدبي، وبمعزل عن دقة المصطلح، له جذور بعيدة في التراث العربي الاسلامي يتطلب بحثا مضنيا لاستخراج كنوزه المدفونة.