منير أديب
مرّ نحو شهر على الحرب التي تشنّها إسرائيل على قطاع غزة من دون وجود أفق لوقفها، مع الهجمات اليومية التي يتعرّض لها الفلسطينيون، بسبب غياب الإرادة الدولية لوقف هذه الحرب المستعرة؛ وخلط المجتمع الدولي بين حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها وبين استهدافها للمدنيين.
لا خيارات أمام إسرائيل غير الاجتياح البرّي للقطاع، وكل السيناريوات تدفع إلى مزيد من التصعيد ربما ينتهي إلى حرب طويلة تدخلها إسرائيل مع العرب، في ظلّ خلو بنك الأهداف الإسرائيلي؛ إذ فشلت في القضاء على “حماس” خلال الأسابيع الأربعة الماضية أو إزاحتها عن حكم غزة أو حتى إضعافها!
صحيح أنّ إيران دخلت سريعاً على خط المواجهة مع إسرائيل، سواء بعد اقتحام حركة “حماس” لمستوطنات غلاف غزة أو قبلها، عبر الأذرع التابعة لها، “حزب الله” اللبناني أو العراقي أو من خلال بعض الميليشيات التابعة لها في العراق أو حتى في سوريا، ولكن استمرار هذه الحرب قد يُشعل المنطقة العربية والإقليمية.
إيران رقم مهمّ في حرب غزة، ولكن سوف يدفع العرب ضريبتها في حرب ربما حدّدت موعدها طهران. صحيح أنّ إسرائيل هي التي تدفع بمزيد من التصعيد مستخدمةً كل أسلحتها المحرّمة التي وظّفتها لقتل المدنيين الفلسطينيين؛ ولكن دول المنطقة العربية تقف على حافة صراع لم تتضح معالمه ولا حدوده على الأقل حتى الآن.
سيناريوات حرب غزة بعدما اقتربت من إتمام الشهر الأول تبدو مخيفة، في ظلّ عدم وجود مفاوضات من أي نوع قد تؤدي إلى إنهاء الحرب أو تخفيف وتيرة التصعيد، وربما يعود ذلك لعدم وجود إرادة دولية لوقف نزيف هذه الحرب، فقد غاب صوت العقل وما زالت الطائرات الإسرائيلية تحصد الآلاف من المدنيين، كما أنّ سيناريوات ما بعد الحرب تبدو غير واضحة المعالم هي الأخرى.
لا تظهر حلول في الأفق ولا يوجد استعداد لفتح ثغرة ولو صغيرة في مفاوضات مقبلة قد تُنهي هذه الحرب، مع وجود الحكومة الإسرائيلية الحالية؛ بخاصة أنّها تبحث عن مخرج سياسي، فحجم الانتقادات التي تعرّضت لها وحذّرت من انفجار الأوضاع كفيل بمحاسبتها على الأقل داخل إسرائيل.
ولذلك يبدو من الصعب وقف هذه الحرب أو إقناع القيادة السياسية الحالية في إسرائيل بأية حلول في ظل وجود حكومة بنيامين نتنياهو التي تحكم، وليست حكومة الطوارئ التي تشكّلت لإدارة الحرب الأخيرة على غزة. فإذا كان المجتمع الدولي جاداً في وقف الحرب الدائرة الآن وخفض وتيرة الصراع الحالي، فعليه الضغط على هذه الحكومة أو إسقاطها داخل إسرائيل، وما دون ذلك سوف تظلّ الحرب وتداعياتها وقتاً أطول.
في حكومة نتنياهو ما زال يبحث بعض وزرائها عن مستقبل سياسي لهم، وربما هو تبرير لما تعرّضت له إسرائيل في 7 تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، قبل أن يُحاكموا من قِبل الشعب الإسرائيلي أو يُحقّق معهم سياسياً بعد انتهاء الحرب، ولذلك تُصرّ هذه الحكومة على مزيد من التصعيد غير المحسوب للهروب من القدر المحتوم.
الولايات المتحدة الأميركية داعم رئيسي لإسرائيل، ولكنها ظهرت خلال الفترة الأخيرة وكأنّها تُرشد سلوك حليفتها بخاصة في استهداف المدنيين، وترى ضرورة التريث في تنفيذ عملية اجتياح بري لغزة خصوصاً أنّ تكلفة إسرائيل من الخسائر البشرية جراء هذه العملية سوف تكون كبيرة، مع تصعيد ترى واشنطن أنّ تخفيض حدّته قد يكون مفيداً للإفراج عن الأسرى الإسرائيليين.
في المقابل، تبدو حكومة إسرائيل عازمة على مزيد من التصعيد من دون أن تحسب عواقب ذلك، ولعلّ خياراتها صفرية في التعامل مع اعتداء “حماس” عليها، وهذا ما يُظهره خلو بنك الأهداف الإسرائيلي، حيث تحوّلت الآلة الإسرائيلية إلى قتل المدنيين في غزة من دون استهداف قادة “حماس” أو الوصول إليهم.
شعار الحكومة الإسرائيلية الحالية هو مزيد من التصعيد مهما كانت تكلفة ذلك؛ اعتقاداً منها أنّها كلما صعّدت من عملياتها العسكرية كانت أبعد من المحاسبة؛ فالحكومة تعلّق مستقبلها بالقضاء على حركة “حماس” في غزة أو الانتصار للجيش الإسرائيلي في تحقيق الأهداف المطلوبة منه.
وقناعتنا أنّ الحكومة الإسرائيلية لن تستطيع أن تحقق أهدافها بشكل كامل، وبالتالي لن تحدث أي حلحله للأزمة المتصاعدة في غزة، ويبدو الحل في تغيير هذه الحكومة، أو أن يستمر التصعيد من الطرفين، فتبقى كل الخيارات مطروحه وقائمة، وقد يكون من بينها حرب تشمل المنطقة بأكملها.
والسؤال الذي لا بدّ من أن يُطرح في هذا التوقيت، هل تتدخّل أميركا لإسقاط حكومة نتنياهو أو تغيّرها حتى يمكن فتح الباب أمام الحلول التي أُغلقت جميعها، بخاصة أنّ بوادر التصعيد الإسرائيلي بدأت تظهر تكلفته مع سقوط جنودها على أبواب غزة وحوافها قبل أن تدخلها؟
يبدو من الصعب القضاء على “حماس” بشكل كامل، وبالتالي لن تستطيع اسرائيل تحقيق اجتياح بري كامل، في ظلّ مواقف دولية وإقليمية وتحوّلات ربما تغيّر معادلة تحقيق انتصار إسرائيلي كامل في هذه المعركة، ومن هنا الحديث عن وجود إشراف دولي أو إقليمي على القطاع بعد القضاء على “حماس”، يبدو وكأنّه من ترف النقاش.
“حماس” ربما تذهب إلى تدويل قضيتها واستهداف مصالح إسرائيل في الخارج، وتلجأ إلى تنفيذ عمليات خارج حدود فلسطين، خيارٌ قد يُكلف إسرائيل وقد يؤدي إلى تحوّل غير محسوب سوف يدفع الجميع ضريبته، ولذلك اللجوء إلى الخيارات الصفرية من قِبل أي من الطرفين لن يكون مجدياً بأي حال من الأحوال.
والأفضل أن يدفع المجتمع الدولي إلى خيارات منطقية للصراع وللقوة الموجودة على الأرض، وأفضل خيار لذلك هو وجود مسار لحل الصراع الفلسطيني وإقامة الدولة الفلسطينية؛ فوجود جيش ودولة ذات سيادة قد يُحافظ على أمن إسرائيل وليس العكس.
اللجوء إلى خيار القوة واعتباره الخيار الوحيد والأمثل يُعقّد من الصراع الدائر، وربما يورط الجميع في صراع طويل وممتد، سوف يدفع الجميع ضريبته بما فيهم الولايات المتحدة، ولذلك البحث عن خيارات منطقية تتوافق مع المقررات الدولية، هو بمثابة السير في الطريق الصحيح، وما دون ذلك سوف يسير الجميع في فلك الصراع لسبعين عاماً مقبلة.
على المجتمع الدولي أن يبحث عن الخيارات المقبولة من طرفي الصراع، وأن تكون هذه الخيارات متوافقة مع الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، الذي يبحث عن حقه في أرض محتلة وحقه أيضاً في عودة اللاجئين ووجود دولة مستقلة ذات سيادة ومعترف بها في الأمم المتحدة.