منير أديب
لم يقترب الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي من مناطق الظل أو المسافة صفر التي تتعلق بإمكان حلّه أو حلحلته خلال السبعة عقود الماضية، كما حدث خلال الخمسين يوماً الأخيرة، رغم تعقّد الصراع على الأقل حالياً، ولكن تجاوز مرحلة العُقدة هذه قد يصل إلى تسوية سياسية كانت مفتقدة خلال العقدين الأخيرين.
الموقف معقّد والحرب التي ما زالت تشنّها إسرائيل على قطاع غزة لم تتوقف بعد، ولا يُعرف موعد لتوقّفها ولا يبدو في الأفق أنّها سوف تتوقف الآن، كما أنّ الصراع ما زال يعيش مرحلة العقدة، بعدها سوف يدخل مرحلة الحل الجذري، وهذا لا يُعني أننا مقبلون على أيام حلّ للصراع، ولكنها مرحلة تلي أخرى وقد تأخذ مزيداً من الوقت.
قد تستمر الحرب لأسابيع مقبلة وقد تطول لأشهر، فلا يوجد حل سحري يمكن أن يسقط من السماء؛ فصراع السبعين عاماً لن يتمّ حلّه في سبعين يوماً من الحرب؛ ولكن ما نستطيع قوله، إننا بتنا أقرب الى حل الصراع عند هذه النقطة الصعبة؛ فأشدّ ساعات الليل ظلمةً تلك التي تسبق طلوع الشمس، وهذا ما يبدو من التفاعل الحي مع الحلول العملية التي سبقت وطُرحت للحل.
صحيح أنّ المجتمع الدولي فشل في إرغام إسرائيل على قبول وقف إطلاق النّار، كما أنّ مجلس الأمن فشل هو الآخر في استصدار قرار في هذا الشأن، وكلها مؤشرات سلبية إلى استمرار الصراع، ولعلّ رغبة إسرائيل كانت جامحة لإعادة موازين القوة لمصلحتها، غير أنّها لم تُحقّق هذا الهدف وباتت مجرد أمنية، والفشل الاستخباري والعسكري تلاه فشل جديد، ولعلّ عدم تحريرها الأسرى الإسرائيليين هو بمثابة الفشل الأكبر، فضلاً عن عدم تحقيق هدفها الخاص بالقضاء على “حماس” خلال الأربعين يوماً الأخيرة.
 صحيح ما زالت الحرب قائمة، ولعلّ إسرائيل تنجح في تحقيق هدفها أو جزء من أهدافها العسكرية في غزة، ولكن الوضع العسكري الحالي يؤشر الى خلاف ذلك، ويُضاف الى هذا الفشل، وذاك رهانها، على وجود أسراها ومركز قيادة “حماس” تحت مجمّع الشفاء وباقي المشافي في إسرائيل، ورغم أنّها راهنت على ذلك منذ بدء حملتها العسكرية إلاّ أنّ معلوماتها الاستخبارية كانت فاقدة لأي صدقية، وهذا فشل جديد يُضاف لجملة الأهداف الفاشلة.
 ورغم تباين وجهة النظر الأميركية إزاء خروج الأسرى الإسرائيليين، سواء المدنيين أم العسكريين، إلاّ أنّ واشنطن فشلت في إقناع إسرائيل بوقف إطلاق النّار أو بالتسوية السياسية لقضية القرن، ولعلّ ذلك أحد أسباب استمرار الحرب الدائرة حتى الآن، ومعها سوف تظل كل السيناريوات مطروحة ومقبولة.
خسائر فلسطينية لا نظير لها في الحرب التي ما زالت إسرائيل تشنّها على قطاع غزة، فضلًا عن تصورات ما بعد الحرب والتي تبدو جميعها صعبة ومعقّدة بالنسبة الى حركة  “حماس”، إضافة إلى سيناريوات توسّع دائرة الصراع إقليمياً ودولياً، ولا يمكن استثناء هذا السيناريو أو تجاوزه أيضاً.
رغم كل هذه المعطيات، إلاّ أنّ الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي يمرّ بمرحلة المسافة صفر التي قد تؤدي في النهاية إلى الوصول إلى مسار إقامة الدولة الفلسطينية على كامل الأراضي الفلسطينية بما فيها القدس الشرقية؛ الأمر لن يكون هيناً، وإسرائيل لن تمنح الفلسطينيين حق تقرير المصير، ولن تُعطيهم القدس الشرقية عاصمة لدولتهم المتخيلة، ولكنه سوف يأخذ وقتاً طويلاً في المفاوضات والضغوط واستخدام القوة أيضاً، كل هذا سوف يُؤدي في النهاية إلى إقامة الدولة الفلسطينية كحل وحيد منقذ لإسرائيل، وهي مضطرة إلى ذلك.
شركاء إسرائيل باتوا جزءاً من الحل المفقود؛ هؤلاء الشركاء يُفكّرون بمنطق المكسب البعيد أفضل من الخسارة القريبة؛ وإسرائيل لا بدّ من أن تقبل ما كانت ترفضه في الماضي، وأن تسعى الى تحييد قوة “حماس”، ولعلّ التصور الأقرب بالنسبة إلى هؤلاء الشركاء هو إقامة دولة فلسطينية تُشارك في هذا الدور!
هذا التصور لا تؤمن به إسرائيل ولن يتمّ إقناعها بسهولة؛ والحكومة الإسرائيلية الحالية غير مؤهّلة للقيام بهذا الدور، وأميركا تسعى لتغيير سياسي في إسرائيل حتى تستطيع أنّ تُبشّر بما ترى أنّه سوف يحافظ على دولة إسرائيل كما سوف يحافظ على ما تبقّى من هيبتها.
أزمة إسرائيل ليست في غزة، ولكن في وجود حركات المقاومة وعلى رأسها حركة  “حماس”، والتي باتت الأقوى والأخطر على أمنها، كما باتت إسرائيل أمامها عاجزة عن المواجهة كما يبدو في مشهد الصراع الحالي الذي بدأته “حماس” من خلال هجوم 7 تشرين الاول (أكتوبر) الماضي.
أغلب تقديرات المواقف في مراكز الدراسات الاستراتيجية في الغرب تذهب إلى البحث عن مخرجات تتعلق بتهذيب سلوك “حماس”؛ والطريقة الأقرب الى ذلك تبدو في السماح بإقامة دولة فلسطينية هي التي تقوم بهذا الدور عبر قوتها الأمنية؛ خيار صعب وثقيل وقد يُكلّف إسرائيل الكثير ولكنها مضطرة للتفكير فيه بجدّية.
الولايات المتحدة تُسوّق فكرة المسار السياسي وحلّ الدولتين، وهي تُحاول بذلك إنقاذ إسرائيل من مأزقها الأمني الحالي؛ ولعلّها ترى أنّ وجود دولة فلسطينية ذات سيادة على حدودها تجمعها معاهدات سلام، قد يُساعد إسرائيل كثيراً في مهمّتها التي أخفقت في تحقيقها على الأقل خلال الأربعين يوماً الأخيرة.
صحيح أنّ موقف إسرائيل من السلطة الفلسطينية ليس على ما يُرام؛ فإذا كانت ترى “حماس” حركة إرهابية، فإنّها ترى أنّ السلطة الفلسطينية كذلك؛ الأولى تمارس إرهاباً بالسلاح والثانية تمارسه عبر السياسة والدبلوماسية؛ وهذا رأي محبط لأي محاولات تتعلق بإقامة الدولة الفلسطينية، ولكنها باتت مضطرة للتخلّي عمّا سبق وصرّحت به أو راوغت من أجل عدم تنفيذه والتملّص منه.
إسرائيل غير صادقة في حلّ الصراع ولكنها تهرب من فشلها في مواجهة المقاومة الفلسطينية و”حماس” على وجه التحديد، وهذا تحدٍ كبير قد لا ينتهي بإقامة الدولة الفلسطينية، لأنّه ببساطة شديدة، إسرائيل تُريد أن تواجه عدوها القريب بعدوّها البعيد من وراء طرح الدولة، وهذا لا يمكن أن يخلق أمناً على المدى القريب أو البعيد لإسرائيل.