إميل زولا (1840 – 1902): جريمة أم موت طبيعي؟ (غيتي)

مرة كل بضع عشرات من السنين تعود الصحافة الأدبية، وأحياناً غير الأدبية، الفرنسية لتطرح سؤالاً لا يتوقف عن العودة، وكل مرة بشكل يقترب من اليقين أكثر وأكثر، هل كان موت الكاتبزولا  مختنقاً في غرفة نومه بفعل انسداد أنابيب سحب ثاني أوكسيد الكربون من مدفأته خلال نومه، يوم 29 سبتمبر (أيلول) عام 1902، صدفة أم بتدبير إجرامي؟. صحيح أن الصحافي الفرنسي جان بيديل الذي أصدر في عام 2002، لمناسبة مرور قرن كامل على موت الروائي الكبير، كتاباً عنوانه “اغتيال زولا” يؤكد فيه واقعة الاغتيال، لم يكن أول من غاص في تلك الفرضية، فهناك كثر سبقوه إلى طرحها، لكنه كان الأول الذي أوفى الحكاية حقها بشكل مفعم باالتفاصيل وذلك منذ نشر في عام 1953، مجموعة من المقالات في صحيفة “ليبراسيون” (وهي غير “ليبراسيون” التي راحت تصدر بشكل مختلف تماماً بعد مايو (أيار) 1968) التي كفت عن الصدور عام 1956، واهتم فيها بشكل أساسي بتحري عديد من الوقائع القديمة التي توافرت لديه وهو المقاوم السابق خلال الحرب العالمية الثانية، وكانت وقائع تشير بوضوح إنما دون يقين مطلق إلى ضلوع تنظيم يميني متطرف يدعى “رابطة الوطنيين” في قتل زولا “عقاباً له” على مقالته المعنونة “إني أتهم” التي دافع فيها عن الضابط في الجيش الفرنسي  المتهم بالتجسس لحساب الألمان، وهي مقالة أدت إلى تبرئة الضابط وسجلت أول دخول جدي للمثقفين الفرنسيين في ميدان النضالات السياسية.

من هو المجرم “الحقيقي”؟

أشرنا أول هذا الكلام إلى أن جان بيديل لم يكن أول من طرح الفرضية. ونتابع هنا أن واحداً من أوائل الذين طرحوها كان المدعو بيار هاكان الذي أكد منذ عشرينيات القرن العشرين أنه يعتقد بأنه تعرف على المجرم الذي تسبب في موت زولا، وهو بحسب قوله شخص يعمل في تركيب مجاري سحب الهواء من البيوت وبشكل أكثر تحديداً، سحب انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون الناتجة من التدفئة من طريق الفحم داخل البيوت، وروى هاكان أن الحديث بينه وبين ذلك العامل دار حين كانا جارين يقطنان في منطقة سارسيل شمال باريس، فأخبره الجار الذي لم يكشف هاكان في ذلك الحين عن اسمه، لكن تحقيقات لاحقة وفي أساسها تحقيقات بيديل، سوف تكشف عن اسمه وهو هنري بورونفوس، بأنه هو نفسه قد قام بسد الأنبوب ليلة مقتل زولا على أن يعود إلى تنظيفه في اليوم التالي وهو ما قام به بالفعل. ولكن لماذا؟ بكل بساطة لأن بورونفوس كان مكلفاً بذلك من قبل قيادة “رابطة الوطنيين” التي كان عضواً فيها، والحقيقة أن جان بيديل لم يكشف عن اسم ذلك الجار ولا عن حكاية الرابطة إلا في عام 1978، ثم لاحقاً في كتابه “اغتيال زولا”. ويبدو أنه كان لا يزال في حاجة إلى مزيد من التأكيدات التي لن يكشف أبداً كيف توصل إليها، أو ما إذا كان قد توصل إليها حقاً. ففي نهاية الأمر إذا كانت التحقيقات المعمقة التي أجرتها الأجهزة الأمنية الفرنسية يوم مقتل زولا قد عجزت عن التوصل إلى أية حقائق دامغة كان من المستحيل التوصل إليها بعد كل تلك العقود، ومع ذلك لا شك أن في ما توصل إليه بيديل قدراً لا بأس به من المنطق.

طريقة موت غريبة

ففي الواقع أن موت زولا بتلك الطريقة الغريبة أثار النفوس منذ رحيله وترك المجال واسعاً لقدر كبير من التكهنات، لا سيما أن إميل زولا كان عرضة لكثير من التهديدات بالقتل وشتى ضروب التشهير وجملة من الشتائم والتعليقات النابية، من قبل عديد من التجمعات والروابط القومجية والمناهضة للسامية في سنواته الأخيرة بخاصة بعد تدخله في قضية درايفوس وصولاً إلى كتابته تلك الرسالة المفتوحة الموجهة إلى رئيس الجمهمرية الفرنسية بعنوان “إني أتهم” كما أشرنا، إذ تذكرت تلك المجموعات أن صاحب سلسلة “آل روغون – ماكار” حتى وإن كان قد كتب التاريخ الفرنسي الراهن حينها عبر نحو عشرين رواية لا يزال ذلك التاريخ يعتز بها حتى اليوم، هو “أجنبي” و”خنزير” و”إباحي” و”مبتذل” ومعاد” للقومية الفرنسية”، بالتالي فـ”إما أن يصمت ويعتذر من الفرنسيين الأقحاح” و”إما أن يرحل عن بلادنا ويعود إلى وطنه الأصلي إيطاليا”. وهذه العبارات الأخيرة سينقلها بيديل عن منشور أصدرته بالتحديد “رابطة الوطنيين” التي أخبر هنري بورونفوس جاره بيار جاكين باكراً منذ عشرينيات القرن العشرين، أنه كان عضواً فيها زاعماً أنها هي التي كلفته بما قام به فعلاً، وأدى إلى موت الكاتب مختنقاً، وجريمته أنه أساء إلى كرامة فرنسا وكرامة الجيش الفرنسي في نصه “إني أتهم”.

تحقيقات متواصلة

مهما يكن من أمر فإن جان بيديل، مات في عام 2015، وبعد عقد ونيف على إصداره كتابه الذي قدم فيه أكبر قدر من التأكيدات والوقائع دون أن تكون موثقة بشكل قاطع، فتح الباب، كما تقول مجلة “ماغازين ليتيرير” الفرنسية، التي كان قد سبق لها أن نشرت ملفاً وافياً حول هذا الموضوع نفسه في مايو 1967، وكان بيديل لا يزال على قيد الحياة فقدم في ذلك العدد مساهمة أساسية اعترف فيها يوماً أنه بعد عمل استغرقه سنوات طويلة لا يزال عاجزاً عن الوصول إلى أية حقائق قاطعة، وها هي “ماغزين ليتيرير” تعود إلى الموضوع نفسه اليوم من جديد في سياق عدد خاص حول زولا أصدرته قبل أسابيع من الآن، وننقل عنه هنا عدداً كبيراً من هذه المعلومات، فتح الباب أمام باحثين يبدو أنهما يريدان استكمال ما كان بدأه وهما آلان باجيس وأوين مورغان اللذان عرضا ما استجد لديهما من معلومات ووقائع إضافية في كتاب مشترك أصدراه بعنوان “دليل إميل زولا”. بخاصة في ما يتعلق بشخصية هنري بورونفوس، فهما عبر استعادتهما التحقيق من أوله، تمكنا من التوصل إلى الشخص الذي يختبئ خلف ذلك القاتل الذي اعترف بما اقترف طواعية في دردشة مسائية مع بيار هاكين في سارسيل حول مدفأة كانت هي فاتحة الحديث كما يبدو. فالباحثان، لدى سبرهما المحفوظات البلدية ومدونات تلك الفترة من نهاية القرن التاسع عشر، تبين لهما أن القاتل “المزعوم” ولد عام 1874 في بلدة سان كنتان ومات عام 1928 في سارسيل، وكانت مهنته تركيب المدافئ وأنابيبها في الدائرة الرابعة في باريس، وعرف عنه نشاطه السياسي ضمن “رابطة الوطنيين”.

 

كراهية للأجانب تبعث الفخر

وكانت هذه الرابطة معروفة بتطرفها الوطني منذ أسسها بول ديروليد على أسس مبادئ مناهضة السامية وكراهية الأجانب والدفاع عما كانت تعتبره كرامة الوطن الفرنسي على الضد من المهاجرين، (علماً بأن المهاجرين إلى فرنسا كانوا حينها إيطاليين على وجه الخصوص) وعلى أية حال لا بد أن نأخذ في حسباننا هنا على الأقل كما يقول الباحثان باجيس ومورغان مؤلفا “دليل إميل زولا”، أن ما اعترف به بورنوفوس قد لا يكون في نهاية الأمر وعلى الأرجح، أكثر من مجموعة من حكايات مختلقة من قبله كنوع من المفخرة الوطنية، ففي نهاية الأمر لم يكن ذلك النوع من الأعمال يعد جريمة بالمعنى الأخلاقي للكلمة في زمن كانت تسود فيه كل أنواع التطرف، بل كان يحلو لشخص نكرة مثل مركب أنابيب المدافئ أن يختلق لنفسه أمجاداً تدعو إلى اعتزازه بـ”خدمة قدمها لوطنه” وقد خلصه من كاتب قدمت له فرنسا المأوى والعيش الرغيد فبادلها هو “جحوداً” في دفاعه على حد تعبيره “عن ذلك اليهودي الخائن الذي أفشى أسرار الجيش الفرنسي للأعداء الألمان”!!!