واجه المتعايشون مع فيروس نقص المناعة البشري (HIV) في سوريا صعوبات كبيرة خلال سنوات الحرب، أبرزها الانقطاعات المتكررة في الأدوية، سواء نتيجة الأعمال الحربية أو تعذّر الوصول إلى مراكز التوزيع بسبب إغلاق الطرقات. هذا الانقطاع أثّر مباشرة على استمرارية العلاج، ما شكّل تهديداً حقيقياً لصحة المرضى.
ومع سقوط النظام في نهاية عام 2024، لم تتحسّن الأوضاع الصحية بالشكل المطلوب. بل زادت التحديات مع تغيّر طرق تمرير الأدوية وتعقيد سلاسل الإمداد، بخاصة بعد تحوّل المسار من لبنان إلى الأردن، نتيجة التوترات السياسية بين البلدين، ما تسبب في تعطيل وصول العلاج إلى سوريا لفترة طويلة.
في تصريح لموقع “درج”، قال مدير البرنامج الوطني لمكافحة الإيدز، عمر أبو النعاج، إن عدد المتعايشين مع الفيروس الذين يتلقون العلاج حالياً يبلغ 466 شخصاً، بينهم 9 أطفال.
لكن هذه الأعداد لا تعكس بالضرورة الواقع الكامل. إذ تشير المعطيات إلى أن المتعايشين لم يتمكنوا من الحصول على أدويتهم بشكل منتظم بعد سقوط النظام وحتى شهر آذار/ مارس الماضي، وهو ما يُرجح أنه فاقم من تدهور أوضاعهم الصحية.
كما أن غياب الفحوصات الأساسية، مثل اختبار “الحمل الفيروسي” لتقييم فعالية الأدوية، واختبار “CD4” لقياس مستوى المناعة، يحول دون معرفة دقيقة بالحالة الصحية الفعلية للمرضى، بخاصة بعد انقطاعهم عن العلاج لفترات طويلة. ويُضاعف غياب الدعم النفسي وحملات التوعية من الأثر النفسي للمرض، ليصبح في بعض الأحيان أشد وطأة من الفيروس ذاته.
ويعد انتشار فيروس نقص المناعة المكتسبة (HIV) بين السوريين منخفضاً نسبياً بالمقارنة مع المعدلات العالمية والإقليمية، على رغم التدهور الواسع الذي لحق بقطاع الصحة خلال سنوات الحرب المستمرة منذ العام 2011. ووفقاً لإحصاءات وزارة الصحة السورية، بلغ العدد التراكمي لحالات الإصابة المكتشفة بالفيروس منذ عام 1987 وحتى نهاية 2023 نحو 1245 حالة، بينها 882 حالة لسوريين، بينما توزعت باقي الحالات على جنسيات أجنبية. وسجلت خلال العام 2023 فقط 95 إصابة جديدة، بينها 87 إصابة لمواطنين سوريين (78 من الذكور و9 من الإناث).
وعلى رغم انخفاض العدد الرسمي، تشير تقديرات منظمات أممية إلى أن الرقم الحقيقي قد يكون أعلى بكثير بسبب ضعف إمكانات الفحص خلال النزاع، والوصمة الاجتماعية التي تدفع بعض المصابين لتجنّب الكشف أو الإفصاح عن حالتهم. ويرجح أن غالبية الإصابات في سوريا ناتجة من الاتصال الجنسي غير الآمن.
ماهر: 25 عاماً من التعايش مع الفيروس
ماهر (49 عاماً من دمشق)، يعد من أقدم المتعايشين مع فيروس نقص المناعة البشرية في سوريا، يروي في حديثه مع “درج” أنه بدأ العلاج قبل 25 عاماً، وكان حينها يتناول 14 حبّة يومياً، أما اليوم، فيكفيه تناول حبة واحدة فقط . وأشار ماهر في حديثه مع “درج”، إلى أن خطة علاجه تغيّرت 12 مرة منذ بداية إصابته، بما يتماشى مع تطور الأدوية.
على رغم ذلك، واجه ماهر انقطاعات متكررة في العلاج، أبرزها عام 2014 حين توقف توافر الدواء لمدة 33 يوماً من دون أن يكون لديه أي مخزون احتياطي، وهو ما وضعه في خطر صحي مباشر. وأوضح أن الحرب أدت إلى تأخر الشحنات الدوائية نتيجة تغيّر خطوط الإمداد، حيث كانت الأدوية تصل أولاً عبر لبنان ثم تحولت إلى الأردن بعد سقوط نظام الأسد، آخرها كان في شهر كانون الثاني/ يناير الماضي.
في ما يتعلق بالفحوصات الطبية، يؤكد ماهر أن جميع الفحوصات المجانية التي كانت متاحة قبل عام 2010 (مثل فحوص CD4 والكبد والكلى) اختفت تماماً، وأن الفحوصات الأساسية أصبحت مكلفة جداً وتُجرى على حساب المريض، إذ يبلغ سعر فحص CD4 نحو نصف مليون ليرة سورية، أما فحص الحمل الفيروسي فهو غير متوافر إطلاقاً، لعدم وجود الأجهزة اللازمة. ويشير إلى أن سوريا لا تمتلك حتى اليوم نظاماً لمراقبة فعالية العلاج بشكل منتظم كما هو الحال في دول أخرى.
على صعيد الرعاية الصحية، يشير ماهر إلى وجود طبيب واحد فقط يدعى “رجب بك”، متخصص في أمراض الجهاز الهضمي، يتعامل مع المتعايشين، فيما يفتقر المركز الوطني للأمراض المعدية الى أطباء متخصصين في الفيروسات، بل يتولى متابعة المرضى أطباء من اختصاصات أخرى، مثل طب الأطفال. كما تحدث عن مواقف إقصائية من أطباء أسنان رفضوا علاجه بمجرد معرفتهم بإصابته، في خرق واضح لحقوق المريض، وفي حالات أخرى، كان خائفاً من رفض الأطباء إجراء عمليات جراحية له، بخاصة عند تعرضه لأزمة قلبية.
ماهر يؤكد غياب أي شكل من أشكال الدعم النفسي، مشيراً إلى أن البرنامج الوطني لا يوفّر استشارات أو متابعة في هذا المجال، ويقتصر دوره على صرف الأدوية فقط. لذلك، أصبح ماهر نفسه يقوم بدور الداعم النفسي عبر الإنترنت، إذ يتواصل مع مرضى آخرين ويوجههم، في ظل غياب أي جمعية رسمية. ويوضح أن جمعية “أصدقاء مرضى الإيدز في سوريا” ليست سوى صفحة على فيسبوك، وليست كياناً فعلياً يقدم خدمات مادية أو طبية.
أما عن التواصل بين المتعايشين، فيقول إنه يتم بشكل غير رسمي وبمبادرات فردية عبر وسائل التواصل، في ظل منع البرنامج الوطني هذا النوع من التواصل، ما يساهم في عزلة المرضى. وبخصوص المراكز، يشير إلى أن لكل محافظة مكتباً لتوزيع الأدوية، فيما يتوزع مركز الفحص في دمشق بمنطقة الزبلطاني، وفي ريف دمشق بمنطقة الميدان، إضافة إلى مراكز أخرى في المدن الرئيسية بالمحافظات.
حياة طبيعية في الدول المتقدمة
لم يعد فيروس نقص المناعة المكتسب المسبب للإيدز مرضاً مخيفاً كما كان في السابق، ففي ظل التقدّم الطبي والعلاجي، أصبح من الممكن التعايش مع الفيروس بصورة طبيعية، بحيث يعيش المصاب حياة كاملة: يعمل، يتزوج، يمارس الجنس، وينجب من دون أن ينقل العدوى للشركاء أو الأطفال، بشرط الالتزام بالعلاج والمتابعة الطبية المنتظمة.
يتيح العلاج المضاد للفيروسات القهقرية (ART) للمصابين بفيروس نقص المناعة الوصول إلى مرحلة “العدوى غير القابلة للكشف”، وهي الحالة التي يصبح فيها الفيروس غير مرئي في الدم ولا يمكن نقله إلى الآخرين عبر العلاقات الجنسية، وتشير دراسات طبية حديثة إلى أن مرضى الإيدز في الدول المتقدّمة قد يعيشون عمراً أطول من غير المصابين، ليس لأن الفيروس يمنح مناعة إضافية، بل لأن المتابعة الصحية الدقيقة والفحوصات الدورية تكشف عن أمراض أخرى في مراحلها المبكرة، ما يساهم في تحسين جودة الحياة وزيادة فرص الوقاية والرعاية.
وتتوافر الآن جرعات سنوية، في بريطانيا على الأقل، حيث يأخذ المتعايش حقنة واحدة، تجعل الفيروس في دمه يختفي، بمعنى أن يصبح غير ناقل للمرض، ويتمتع بمناعة عالية تجعله يعيش حياته كأي شخص آخر، وفي ألمانيا الجرعة متوافرة لمدة 3 أشهر، وستتوافر الجرعة السنوية قريباً.
صورة إيجابية عالميّة تصطدم بالواقع السوري
هذه الصورة الإيجابية التي وصل إليها التعامل مع هذا المرض، تصطدم بجدار من التحديات حين ننتقل إلى الحديث عن فيروس “HIV” في سوريا. حيث لا يزال محاطاً بـ”وصمة العار” ليس بسبب خطورته الطبية، بل بسبب المعاني الاجتماعية والدينية المرتبطة به، فهو مرتبط بالـ”خطيئة”، وبممارسات توصف أنها “غير أخلاقية” كالمثلية أو العلاقات الجنسية خارج الزواج، ما يجعله أقرب إلى التابو منه إلى تشخيص طبي. هذا الربط يجعل المريض موضع شك، ويدفع الكثيرين إلى إخفاء إصابتهم، خشية التمييز، النبذ، أو حتى الملاحقة.
على رغم انخفاض العدد الرسمي، تشير تقديرات منظمات أممية إلى أن الرقم الحقيقي قد يكون أعلى بكثير بسبب ضعف إمكانات الفحص خلال النزاع، والوصمة الاجتماعية التي تدفع بعض المصابين لتجنّب الكشف أو الإفصاح عن حالتهم.
تفادي العدوى وتحديات العلاج
فرضت السلطات الصحية السورية إلزام فحص الفيروس المسبب لنقص المناعة “الإيدز” ضمن شروط عقد القران، ويشترط إبراز نتيجة سلبية من الطرفين، ما يمنع عملياً الزواج في حال الإصابة إلا عبر إجراءات خاصة واستثنائية. وقد أدى ذلك إلى كشف عدد من الحالات التي ربما كانت ستبقى خافية، إذ سجل عبر الفحص الروتيني للخطّاب في عام 2022 وحده أكثر من ألف حالة تراكمية منذ بدء البرنامج.
وتوجد في محافظات سورية عدة مراكز للفحص الطوعي والاستشارات (VCT)، لكنها تضررت بشدة خلال الحرب بفعل نقص الموارد والخوف من الوصمة الاجتماعية وخطورة التنقل، ما قلل الإقبال عليها.
يتوافر العلاج المجاني لجميع المرضى المسجلين، على رغم الحرب والعقوبات التي أثّرت على الإمدادات الطبية. وصرحت وزارة الصحة بأن نسبة تغطية العلاج داخل البلاد وخارجها تجاوزت الٍـ 80 في المئة منذ العام 2011، ما ساعد على استمرارية الرعاية في معظم المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة.
في المقابل، واجه المرضى في مناطق المعارضة أو خارج سيطرة الحكومة تحديات كبيرة في الوصول إلى التشخيص والعلاج، نتيجة غياب المختبرات المتخصصة وندرة الأدوية. وصرحت الحكومة السورية المؤقتة عام 2017 عدم تسجيل أي إصابة بالإيدز في المناطق الخاضعة لها، وهو ما اعتبر مؤشراً إلى ضعف قدرات الكشف وليس غياباً فعلياً للحالات.
وتعتمد سوريا في تأمين هذه الأدوية على دعم منظمات دولية مثل برنامج الأمم المتحدة المشترك لمكافحة الإيدز (UNAIDS) والصندوق العالمي لمكافحة الإيدز والسل والملاريا، إضافة إلى شحنات مساعدات طبية تصل عبر الهلال الأحمر ومنظمات إنسانية تعمل في قطاع الصحة.
وعلى رغم صعوبة الاستيراد، تؤكّد الجهات الصحية السورية أن الأدوية المتوافرة فعالة وتخضع لمعايير منظمة الصحة العالمية. لكن بعض المرضى في مناطق النزاع أو في المناطق الخارجة عن سيطرة الحكومة سابقاً واجهوا انقطاعات في العلاج، إما بسبب غياب مراكز التوزيع أو عدم قدرة الجهات المحلية على تأمين البدائل، كما انقطعت الأدوية خلال شهر كانون الثاني/ يناير الماضي، بسبب التخليص الجمركي والإعفاءات والشحن عن طريق الأردن، ليصبح متوافراً ابتداءً من 17 آذار/ مارس الماضي، بحسب أحد المتعايشين مع المرض الذي التقى به “درج”.
ويحصل المتعايشون مع فيروس نقص المناعة البشرية في سوريا على دواء يحمل اسم Triumeq، وهو يتكون من ثلاث مواد فعالة هي: Abacavir (600 ملغ)، Dolutegravir (50 ملغ)، وLamivudine (300 ملغ). تعمل هذه المركبات بتكامل على تثبيط تكاثر الفيروس داخل الجسم، وقد أظهرت دراسات سريرية، مثل دراسة SINGLE، فعاليته في خفض الحمل الفيروسي وتحسين استجابة الجهاز المناعي، مقارنة بعلاجات أخرى ذات تركيبات مختلفة. هذا الدواء متوافر بصيغته الجنريك (Generic) ومصنوع في الهند من شركة Laurus Labs Limited، وهو المعتمد رسمياً في سوريا ضمن بروتوكولات العلاج المقدمة عبر وزارة الصحة أو منظمات دولية.
البرنامج الوطني السوري: إدارة التوتر
أوضح مدير البرنامج الوطني السوري لمكافحة الإيدز عمر أبو النعاج لـ”درج” أن البرنامج بدأ منذ عام 2023 تطبيق أداة الدعم النفسي “المساعدة الذاتية بلس” (SH+) التابعة لمنظمة الصحة العالمية، والتي تهدف إلى إدارة التوتر لدى المتعايشين مع فيروس نقص المناعة البشرية من خلال تدخلات نفسية منخفضة الكثافة يمكن أن يقدمها غير المتخصصين بعد تدريبهم. وجاء هذا التطبيق بعد ورشة استشارية أُجريت بين البرنامجين في منظمة الصحة العالمية (فيروس نقص المناعة والصحة النفسية) ومسؤولي وزارة الصحة من المستويات المركزية والمحلية.
نُفّذ البرنامج في مقر الميسات بدمشق، حيث شارك فيه ستة أفراد متعايشين مع الفيروس، خمسة منهم حضروا شخصياً وواحد شارك عبر الإنترنت. اختير المشاركون بناءً على تقييمات نفسية مسبقة باستخدام مقياسي PHQ-9 وGAD-7، ما أظهر معاناتهم من أعراض توتر وقلق شديدة. كما حضر الجلسات ثلاثة مستشارين من مراكز الاستشارة في دمشق وريفها، ضمن برنامج تدريبي لتطوير مهاراتهم في تقديم الدعم النفسي.
امتدت الجلسات على مدى ثمانية أسابيع، بمعدل جلسة نصف شهرية، وركزت كل منها على جانب معين من جوانب إدارة التوتر، باستخدام تقنيات مثل التصور الموجّه، تمارين اليقظة الذهنية، واستراتيجيات من العلاج السلوكي المعرفي ونهج ACT. وأفاد المشاركون في نهاية البرنامج بأنهم استفادوا من المهارات المكتسبة وتحسنت قدرتهم على التعامل مع التوتر، كما أعربوا عن رضاهم عن الجلسات.
من ضمن أهداف هذا البرنامج أيضاً هو تمكين المشاركين من تقديم هذه الجلسات مستقبلاً لأفراد آخرين داخل شبكات دعمهم، بخاصة وأن هذه الشبكات يصعب الوصول إليها من الكوادر الطبية الرسمية، ما يتيح نموذجاً مجتمعياً للدعم النفسي.
أضاف مدير البرنامج أنه تم تشكيل فرق طبية متعددة التخصصات في كل محافظة، تشمل ممثلين عن وزارات الصحة، الأوقاف، الإعلام، ونقابات الأطباء والجمعيات الأهلية، لتقديم الخدمات الطبية والنفسية للمتعايشين. كما يتم تنظيم أيام علمية في المستشفيات العامة بالتعاون مع الأطباء المقيمين والاختصاصيين لرفع الوعي ومكافحة الوصمة، إضافة إلى عقد اجتماعات دورية مع المسؤولين المحليين في المحافظات.
بخصوص الفحوصات الأساسية، أوضح المدير أن اختبارات CD4 لم تجر خلال الفترة الماضية بسبب عدم توافر المواد اللازمة، لكن هذه المواد تم تأمينها حديثاً، وستبدأ الاختبارات قريباً.أما اختبارات الحمل الفيروسي فهي غير متوافرة.
غياب حملات التوعية
لا توجد في سوريا حملات توعية وطنية تتعلق بفيروس نقص المناعة، ولا حتى برامج للتثقيف حول وسائل الوقاية الأساسية مثل استخدام الواقيات الذكرية. هذا الغياب لا يرتبط فقط بإهمال القطاع الصحي، بل أيضاً بموقف قانوني وديني يعتبر الحديث عن الوقاية الجنسية أمراً محرّماً. إذ ترى الدولة أن الإيدز ينتقل حصراً من خلال ممارسات جنسية “محرمة”، وهو ما يجعل التطرق إلى وسائل الوقاية وكأنه ترويج لهذه الممارسات، التي لا تزال مجرّمة في القانون السوري. وبهذا تتحول الوقاية من أداة صحية إلى قضية أخلاقية تُقابل بالصمت والتجاهل، ما يزيد من المخاطر على الصحة العامة ويعمّق من عزلة المصابين.
وفي هذا السياق، قال النعاج: “حالياً يتم التعاقد مع بعض المنصات الإلكترونية الطبية المعروفة للاتفاق معها لنشر رسائل صحية وتوعوية حول الإيدز والمشورة على مدار العام”.
إقرأوا أيضاً:
السيكولوجية الجمعية للإبادة: سوريا نموذجاً
“سجن صيدنايا”: “ثينك تانك” إسلامي ومفارقة أصل الثورة السورية!
الوصم يقتل أكثر من المرض
الوصمة تطاول أيضاً تعامل الأسر، إذ سجلت حالات طرد واعتداءات ضد المصابين داخل بيوتهم. وفي حادثة صادمة عام 2023، تم ترحيل لاجئة سورية متحولة جنسياً مصابة بالإيدز من تركيا إلى شمال سوريا، حيث قُتلت بعد حملة كراهية استهدفتها بسبب مرضها وهويتها.
وتشير دراسات محلية إلى أن المرضى المنتمين إلى فئات مهمشة، كالمثليين والعاملين في الجنس، يواجهون تمييزاً مضاعفاً يمنعهم من الحصول على الرعاية الصحية والنفسية اللازمة. نحو 70 في المئة من المشاركين في دراسة محلية أقروا بأن هوياتهم الجندرية أو ميولهم الجنسية تحول دون حصولهم على العلاج في مناطق سكنهم.
تُظهر الإحصاءات الرسمية أنه من بين 1245 حالة إصابة في سوريا حتى 2023، سُجلت 363 حالة لأشخاص غير سوريين تم ترحيلهم جميعاً خارج البلاد. أي أن السياسة المتبعة هي إبعاد أي أجنبي مقيم يُكتشف أنه مصاب بالإيدز، سواء كان عاملاً مغترباً أم لاجئاً أم طالباً. هذا الإجراء معمول به منذ ما قبل الحرب ومستمر حتى اليوم، ويعكس مقاربة قانونية تعتبر الإيدز سبباً لمنع دخول أو إقامة غير المواطنين. بل إن سوريا مدرجة ضمن الدول التي تحظر دخول الأشخاص المصابين بفيروس HIV حتى لأغراض الزيارة القصيرة.
طبعاً، هذه السياسة تتعارض مع توصيات منظمة الصحة العالمية بعدم ربط الإقامة بحالة المرض، لكنها لا تزال شائعة في الكثير من دول المنطقة. بالنسبة الى اللاجئين وطالبي اللجوء من غير السوريين في سوريا (وهم قلة)، فالمفوضية السامية لشؤون اللاجئين هي المسؤولة عن تسجيلهم، لكن يبقى حصولهم على علاج للإيدز داخل سوريا أمراً بالغ الصعوبة في ظل هذه القوانين، ما يدفع من يكتشف منهم إلى طلب الإجلاء أو النقل الى بلد آخر.
غياب تشريعات حماية من التمييز
لا يتضمن قانون العمل أو القانون المدني السوري مواد خاصة تمنع التمييز ضد مرضى الإيدز في التوظيف أو التعليم أو الحصول على الخدمات. وبالتالي قد يواجه المصاب تمييزاً ضمنياً من دون مظلة قانونية يلجأ إليها. فعلى سبيل المثال، يمكن نظرياً لصاحب عمل فصل موظف إذا علم بإصابته بالإيدز بحجة الخوف على بقية العاملين أو الجمهور، وليس لدى المريض أدوات قانونية واضحة للاعتراض. وبسبب علنية جلسات المحاكم وصعوبة الحفاظ على سريّة هوية المدعي، يتردد معظم المرضى في مقاضاة أي جهة تنتهك حقوقهم. إذ إن رفع دعوى قضائية قد يكشف إصابتهم أمام أطراف ثالثة ويعرضهم لوصمة أوسع. لهذا السبب، تكاد تنعدم السوابق القضائية في سوريا المتعلقة بحالات فصل أو تمييز بسبب الإيدز، ببساطة لأن المرضى يفضلون تجنب الفضيحة على المطالبة بالإنصاف القانوني.
حقوق العلاج والرعاية
على الجانب الإيجابي، يكفل النظام الصحي الحكومي السوري العلاج المجاني مدى الحياة لكل مواطن مصاب بالإيدز يتم تسجيله في البرنامج الوطني. الأدوية والفحوص الدورية متوافرة من دون مقابل للمريض (بدعم من منظمات دولية أحياناً). ولا يُطلب من المريض أي مساهمة مادية، كما لا تفرض عليه قيود في الحصول على خدمات طبية أخرى بسبب إصابته – فله الحق في العلاج في المستشفيات من أي مرض آخر كغيره. أيضاً يمنع على الأطباء عدم تقديم العلاج لمريض لمجرد كونه حاملاً للفيروس، في البروتوكولات الطبية توجب اتباع إجراءات مكافحة العدوى القياسية مع مرضى الإيدز من دون تمييز، وأي إجراء إضافي أو مبالغة في احتياطات التعقيم تعد مخالفة، مثلاً رفض جراح إجراء عملية لمريض HIV ستكون انتهاكاً لحقوق المريض. وعلى رغم هذا الإطار، قد تحدث ممارسات على الأرض تنطوي على تمييز كرفض بعض أطباء الأسنان استقبال مرضى معروفين بالإيدز، وغيرها من المواقف التي يصعب توثيقها بسبب إحجام المرضى عن الشكوى رسمياً.
بشكل عام، يمكن القول إن القانون السوري يتعامل مع الإيدز كمسألة صحية أكثر منها حقوقية، ويركز على منع الانتشار عبر الفحص والترحيل، وتوفير العلاج للمرضى المحليين، لكنه لا يتطرق كثيراً الى حماية حقوقهم الاجتماعية في العمل والزواج والحياة الكريمة من دون تمييز. هذا النقص يترك المجال واسعاً للوصمة المجتمعية لتفرض نفسها، إذ لا رادع قانوني حقيقي لها. ومع طول أمد الأزمة السورية، ربما باتت أولوية المشرعين بعيدة عن قضايا مرضى الإيدز، إلا أن الحاجة ملحة لوضع سياسات تضمن دمج هؤلاء الأشخاص في المجتمع وتمكينهم من حقوقهم من دون خوف أو خجل، لكن في ظل الحكومة الجديدة، ليس هناك أي معلومات حول ذلك.
اللاجئون السوريون المصابون بالإيدز
منذ العام 2011، اضطر عدد من السوريين المصابين بفيروس “HIV” إلى مغادرة البلاد بحثاً عن بيئة طبية واجتماعية أكثر أماناً. وتفاوتت أوضاعهم بشكل ملحوظ بين دول الجوار (لبنان، الأردن، تركيا) وألمانيا، حيث تختلف مستويات الرعاية الصحية والحماية القانونية والنظرة المجتمعية.
يؤمن لبنان العلاج المجاني للاجئين السوريين المصابين بالإيدز ضمن البرنامج الوطني، بدعم من مفوضية اللاجئين والمنظمات الدولية. على رغم ذلك، تعيق الأزمة الاقتصادية والوصمة الاجتماعية وصول المرضى إلى الخدمات، إذ يتجنب كثيرون الكشف عن إصابتهم حتى داخل مجتمعاتهم اللاجئة، ويعانون من العزلة والقلق. عدم وجود إقامة قانونية دائمة يفاقم هشاشتهم القانونية والاجتماعية.
على رغم اتفاق أردني أممي يتيح للاجئين المصابين الحصول على العلاج، لا يزال قانون الترحيل المفروض على الأجانب المصابين بالإيدز سارياً، ما يحدّ من رغبة المرضى في الخضوع للفحوص أو الإفصاح عن حالتهم. بعد عام 2018، طُلب من اللاجئين دفع 20 في المئة من تكاليف الرعاية الصحية، ما زاد الأعباء على المصابين. اجتماعياً، يعاني المرضى من وصمة قوية وسط بيئة محافظة، ويفضل كثيرون إعادة التوطين في بلد ثالث أكثر أماناً.
تقدم تركيا رعاية صحية مجانية للسوريين المصابين، وتدعمهم منظمات كـPozitif Yaşam بخدمات قانونية ونفسية. ومع ذلك، تبقى الوصمة حاضرة، بخاصة بين الجاليات المحافظة. وقد أثار ترحيل لاجئة متحولة جنسياً مصابة بالإيدز إلى شمال سوريا وقتلها هناك صدمة في أوساط المرضى، ما عزز الخوف من الترحيل، على رغم أن القانون التركي لا يجيز ذلك رسمياً.
توفر ألمانيا أفضل دعم صحي وقانوني للاجئين المصابين بالإيدز، إذ يتم علاجهم منذ لحظة دخولهم ويُمنحون الحماية من التمييز والترحيل. يشملهم التأمين الصحي العام، وتتوافر لهم برامج لمّ الشمل والسكن والرعاية الاجتماعية. التحديات تقتصر على الحواجز الثقافية واللغوية، إلا أن منظمات مثل Aids-Hilfe توفر دعماً شاملاً بلغات متعددة، بما في ذلك العربية.
الإيدز واللجوء: حماية استثنائية لا تشمل الجميع
في السياق القانوني الدولي، لا يُعد الإيدز بحد ذاته سبباً كافياً للحصول على اللجوء، إلا إذا اقترن بخطر حقيقي على الحياة أو تعرض للاضطهاد، كما في حالات بعض المصابين من مجتمع الميم. في حالة سوريا، يمكن تصنيف بعض المصابين ضمن “فئة اجتماعية مضطهدة”، نظراً الى الوصمة المجتمعية والتمييز المرتبط بالمرض.
بعض الدول ككندا وفرنسا وألمانيا استقبلت حالات طبية حرجة ضمن برامج إعادة التوطين، شملت مرضى سوريين مصابين بالإيدز، بخاصة من الفئات المهمشة. ومع ذلك، يظل الحديث العلني عن تجاربهم نادراً بسبب استمرار الخوف من الوصمة، حتى في بلدان اللجوء.
على رغم مرور أكثر من أربعين عاماً على اكتشاف فيروس نقص المناعة البشرية (HIV)، لا يزال العالم من دون لقاح فعّال أو علاج شافٍ نهائي، لكن هذا لا يعود إلى تقاعس من شركات الأدوية، بل إلى الطبيعة المعقدة للفيروس. وعلى رغم أن بعض النقاد يلمّحون إلى تأثير العوامل الربحية في توجيه الأبحاث، إلا أن تمويل الدراسات في هذا المجال يعتمد بشكل أساسي على مبادرات حكومية وغير ربحية، مثل NIH وPEPFAR، إذ لا تستثمر الشركات الخاصة في ذلك، ويبقى الاعتماد على تطوير أدوية جديدة بشكل دوري أساسياً.