بالتأكيد لست قارئة لكتب الاطفال وتنحصر علاقتي بها في ما أسمعه عن أزمة ندرة الكتابة للأطفال (والبالغين)، وضرورة جذب اهتمام الطفل، والعدول عن الترجمة من أجل إنتاج أدب طفل عربي… والأهم دائماً هو أهمية طرح مواضيع تساعد الطفل على فهم المنظومة القيمية السائدة وقبولها.

 بالطبع ما يشغل أصحاب هذا الطرح هو الانفتاح غير المسبوق على كل ما يقدمه الإنترنت. تحمل هذه الأزمة وجاهة حقيقية، فكيف تجذب الطفل إلى كتاب يرى فيه ما هو أكثر تشويقاً من الفضاءات المفتوحة، بل كيف يمكن لقصة أطفال أن تنافس “غوغل” مثلاً؟

في أثناء تجوالي في معرض القاهرة الدولي للكتاب صادفت داراً ناشئة لكتب الأطفال، أول ما يلفت النظر إليها هو اسمها، “مرح”. ومباشرة تبعث أغلفة الكتب والرسوم وألوانها على السعادة والمرح فعلاً. إحساساً كهذا مفاجئ بالبهجة. فإن كل هذا الاستمتاع المرئي لم يثر فضولي تجاه الكتب، فهي ليست موجهة لي، لكن اسم أحمد الفخراني على كتاب “عندما اختفى الضخك من العالم” كان أمراً لا بد من التوقف عنده. فأحمد الفخراني كاتب مصري له نحو 10 كتب بينها سبع روايات، ومنها “إخضاع الكلب” (2021)، “بار ليالينا” (2022)، وآخرها “المشاء العظيم” (2023). كيف سيكتب، هذا الروائي الذي أخضع الكلب ثم كشف الفساد المسكوت عنه في “بار ليالينا”، ثم جعل كاتباً ينتحل كتابة أستاذه في “المشاء العظيم”، كتاباً ممتعاً للأطفال؟ والكتاب أو القصة بحق ممتعة، والرسوم المصاحبة التي أبدعتها هيام صفوت معبرة وفنية إلى أبعد درجة، وكأن القصة مكتوبة ومصورة.

اختفاء المضحكين والمهرجين

كانت المفاجأة هي استمتاعي الشديد بالقصة، وهو ما دعاني إلى الكتابة عنها. منذ الجملة الأولى يجد القارئ نفسه متورطاً: “ذات يوم، استيقظ الناس ليجدوا أن الضحك قد اختفى من العالم. اختفى المضحكون والمهرجون من دون أن يعرف أحد السبب”. بعد هذه البداية الدرامية التي تجمع العالم في جملة، يبدأ التفرد وتظهر شخصية زوزو، التي حرمت من الاستماع إلى حكاية مضحكة قبل النوم من والدها. الأمر يضرها بشكل مباشر، وعليه تبدأ في التفكير، ثم يمهد الكاتب أن زوزو كانت فتاة “جميلة وشجاعة، لكن خيالها هو أقوى ما تملكه”. بهذا التمهيد للدخول في عوالم أخرى، يؤكد الكاتب ضرورة احترام عقل القارئ، فلا إيهامات ولا أوهام ولا أساطير، بل هناك إعلاء من شأن الخيال الموازي للإبداع. الخيال هو ما سينقذ العالم وزوزو، وهي جزء من العالم، من ورطة اختفاء الضحك. ومن هنا تنشأ البنية الفرعية للسرد على أساس الخيال الذي يعمل كحيثية لتأملات زوزو في رسوم، وألوان، البساط الذي أهدته لها جدتها، بما يحوله إلى بساط سحري كبساط علاء الدين، لكنها أيضا، بمساعدة الفيل ظريف، تزور مملكة الضحك في رحلة تشبه رحلة أليس في بلاد العجائب.

وبتصعيد ملكة الخيال، المعلنة منذ البداية، وبخلق مزيد من التشويق للقارئ الذي يود أن يعرف سر اختفاء الضحك من العالم، نقابل ملك مملكة الضحك. ملك طيب أو لنقل عادياً مثل كل الأشخاص الطيبين، لكن الألم في قدمه حوله إلى ملك غاضب، فقد رأى في المنام أن الألم لن يشفى إلا بقدر كبير من الضحك، وبهذا تبدأ مستويات الرمزية في الظهور. فالحكم الرشيد يحتاج إلى ملك رشيد، ولأن كل المهرجين فشلوا في إضحاك الملك فقد أرسلهم إلى السجن. نتوقع الآن أن تأتي زوزو بعمل بطولي خارق يحل الأزمة، لكن الفخراني يجعلها توظف العقل، الذي يقوى بالخيال، فتعمد إلى تقديم تفسير معاكس لمنام الملك، وتشرح له أن المقصود هو أن يقوم هو بإضحاك الآخرين. بعد عدة محاولات يقرر الكاتب أن يصعد دور العقل عن طريق الطفلة زوزو، في إيحاء أن السلطة لا تعمل العقل في الأزمات. تكتشف زوزو أن هناك حصاة في حذاء الملك تسبب له كل هذا الألم.

 

نهاية سعيدة

تنتهي القصة نهاية سعيدة ويعود الضحك إلى العالم. لم يعد بمعجزة، ولا من خلال أفعال أسطورية، بل من خلال أعمال العقل وإعادة التفكير في المسلمات. من يخطر بباله أن ثمة حصاة داخل حذاء الملك؟ حتى إن الملك تساءل “لماذا لم ألاحظ ذلك من قبل؟” بهذا السؤال يسبغ الفخراني على السلطة سمة جديدة، وكأنه يفتح أمامها إمكانات مستقبلية تحافظ عليها وتحسن من أدائها، فيجعل السلطة تحاسب نفسها، ليبدأ في صياغة الدرس المستفاد الذي يبحث عنه الكبار في أي كتاب للأطفال، هذا الملك الذي اعتقل كل المهرجين وظل يعيد عقارب الساعة إلى الخلف، فحرم الشعب من النوم ونسي واجباته لأنه انشغل بألم قدمه، عليه بالتأكيد أن يراجع نفسه ويسأل لتتمكن زوزو من الإجابة: “لأنك انشغلت بألم قدمك عن إسعاد الناس”. وإذا  كان هذا الرد مفهوماً من مسار الأحداث فإن “لكن” الاستدراكية تغير من جوهر طرح زوزو، “لكنك الآن تستحق أن تنعم بالمحبة والسعادة من دون أن تتألم أو تؤلم”، فيجيب الملك: “لقد تعلمت الدرس”.

في حالة الملك، استدعى ألمه إيلام الآخرين، وهو ما حرم الطرفين من السعادة. تطلب الأمر طفلة تسأل عن البديهي لتحل الأزمة، وهو ما يستدعي شجاعة الطفلة في قصة “ملابس الإمبراطور الجديدة” التي كتبها الدنماركي هانز كريستيان أندرسون عام 1837، لكن الفخراني لا ينسى ما بدأ به من إعلاء شأن الخيال. لم تنس زوزو أن تشكر جدتها على هدية البساط الذي شكل خريطة لـ”عالم مفقود”، وكأن عالم العقل والسؤال كان مفقوداً فاستعادته زوزو. أفكر أنه إذا استدعينا كل تقنيات الفخراني ورسائله: مساءلة المسلمات، تهذيب السلطة وتعليمها، شحذ الخيال، فقد نتمكن من استعادة كل الضحك الذي اختفى بالفعل من حياتنا.