منذ نشأة الرواية في العصر الحديث، كانت وما تزال العلاقة بينها وبين النقد علاقة حوار وتفاعل متبادلين. وعندما نفكر في النقد بهذا المعنى، فليس المقصود به النظريات والإبدالات النقدية الكبرى التي عرفها تاريخ الأدب والنقد، وتكونت في خضم سيرورة من التأملات الفلسفية والفكرية التي عرفتها الثقافات المختلفة بما فيها الثقافة العربيّة، وإنّما نعني بذلك الأفكار والتصورات والمفاهيم التي يكون منشؤها العالم التخييلي في حدّ ذاته، حيث لا تتردّد الرواية على لسان شخصياتها في وضع ذاتها، بوصفها تجربة إبداعية تخييلية، موضع تساؤل وتأمّل كما فعل ميغيل دي سربانتس في رائعته “دون كيخوته” التي أجمع النقاد على اعتبارها النص المؤسّس للرواية الأوروبيّة الحديثة، بل على عدّ مؤلفها المعبّر الأبرز عن المنعطف الذي أوجدته الحداثة. هذا ما يقود إلى التوقف عند أسئلة من قبيل لماذا نسرد؟ وما جدوى الكتابة؟ ولأي شيء تصلح الرواية؟ وما الفرق بين الكاتب الواقعي والكاتب الضمني؟ وهل تصح المطابقة بينهما عند القراءة؟… إلى غير ذلك من الأسئلة التي تحفل بها نماذج من الروايات في الثقافات المختلفة، والتي كانت وما تزال في صميم التحولات التي ما فتئ الأدب يشهدها في عالمنا المعاصر.
لكن العلاقة بين الرواية والنّقد بوصفها علاقة حوار وتفاعل وجدل لم تبق ثابتة على مرّ العصور، وإنّما نجدها تتخذ أشكالا مختلفة، من أعمقها ليس فقط تلك الحالة التي تغدو فيها الرواية بمثابة الرحم التي فيها تتكون المقولات النقدية وتأخذ شكلها الأعمق والممتلئ دلاليًّا، وإنّما أيضا الحالة التي تكون فيها الرواية، بما يميزها على صعيد الأسلوب والكتابة والفكر الروائي، مصدر فورة نقدية متعددة لا يمكن اختزالها في نموذج بعينه من القراءة والتأويل، ولعل المثال الأبرز ها هنا، يتمثل في رواية “قلب الظلام” (1899) للكاتب البولندي جوزيف كونراد التي كتب عنها الكثير، وذهب النقاد والكتاب مذاهب شتى في تأويل رحلة بطلها في قلب أفريقيا. وبينما عدّ الكاتب النيجيري تشينوا أتشيبي كونراد عنصريًّا وكولونياليًّا مستندا إلى لغة مالرو بوصفها تعبيرًا عن وجهة نظر المؤلّف، اعتبره إدوارد سعيد، في أول كتاب كتبه عن جوزيف كونراد وحكي السيرة الذاتية، المثال الذي يجسّد على نحو عميق مصير الضياع وفقدان الوجهة والشعور بعدم الاستقرار.
| عمل “البحث عن الزمن المفقود” حمل في ثناياه البرنامج الأكمل للنقد الروائي الحديث |
لن نركز في هذه المقالة على الحالة التي تمثلها رواية “قلب الظلام”، وإنّما سنُعنى بالحالة التي تكون فيها التجربة التخييلية هي الحاضنة التي فيها تتبلور وتتشكّل الرؤى النقدية. وفي تاريخ الأدب الحديث يعدّ عمل مارسيل بروست مثالًا ملهمًا. فالتأملات النقدية التي بلورها في كتابه “ضدّ سانت بيف” (Contre Sainte-Beuve) الذي نشر عام 1954 وهو في الواقع شذرات كتبت بين عامي 1908 و1910، هي التي سيجري تعميقها وتطويرها في روايته “البحث عن الزمن المفقود” (A la recherche du temps perdu) التي نشرت على أجزاء ممتدة على مدار 14 عامًا، وتحديدًا بين عامي 1913 و1927، وقد مثلت الأفكار النقدية الواردة فيها ردًّا قويًّا على النزعة العلمية المتأصلة في فلسفة أوغست كونت الوضعية التي استفحلت في عصره، وركزت على فهم العمل الأدبي من خلال السياقات السيرذاتية والتاريخية والاجتماعية، من غير أي اهتمام بما يشكّل جوهر العمل الأدبي كبنيته ولغته وأسلوبه وصوره ورموزه، وغيرها من التقنيات المستخدمة في بنائه. إنّ بروست، الذي انتقد لدى سانت بيف نزعة ربط الحاضر بالماضي واعتبار الكتاب اللاحقين امتدادًا لمن سبقوهم، مشدّدًا على استقلالية العمل وخصوصية الكاتب، وفرادة مساره، وعلى أن الأعمال السابقة لا تشكل حقائق بديهية يسلّم بها اللاحقون، كان، في الواقع، يرهص بما سيمثله مشروعه الروائي من قطيعة وتأسيس لجماليات مغايرة؛ جماليات تنبثق من إيمانه بالحدود الفاصلة بين الأنا العميقة للمبدع وأناه الاجتماعية التي تمارس حياتها في الحياة اليومية المعتادة. وعليه، إذا كان يصح فهم هذه الأخيرة من خلال الأبعاد البيوغرافية، فإن الأنا العميقة التي هي المصدر الحقيقي للكتابة، والمنتجة للعمل، والتي تتفلت من قيود التحليلات النفسية التقليدية التي تستند إلى الملاحظة الخارجية، لا يمكن استكشافها إلا من خلال العمل في ذاته ولذاته.
على هذا الأساس يمكن أن نفهم لماذا شكلت رواية “البحث عن الزمن المفقود” النص الأكثر حضورًا في تجارب النقاد المعاصرين، وخاصة علماء السّرد. إن هذا النص الذي يعدّ عملًا هجينًا يجمع بين الرواية والنقد، وبين الخيال والتأمل الفكري، فهو لا يقتصر على كونه نصًا روائيًا، بل يشكّل كذلك تفكيرًا متواصلًا في قضايا الفن والذاكرة والخلق الأدبي وفعل القراءة، هو أيضًا العمل الذي حمل في ثناياه البرنامج الأكمل للنقد الروائي الحديث، على نحو ما يظهر في “الزمن المستعاد” (Le temps retrouvé). ففي رحم هذا النص تكونت المفاهيم النقدية المعاصرة حول الرواية، خاصّة المفاهيم ذات العلاقة بالعمل الأدبي بوصفه كلية، وبالتالي لا يمكن إنتاج المعرفة به انطلاقًا من قراءة تركز على جانب واحد وتسعى لتفسيره من خلال محددات خارجية. على العكس من ذلك، يتعين النص بوصفه كائنا عضويا، وبالتالي فإن كل مكوّن فيه يؤدي دوره كاملًا في هذا الكل المتسق الذي يتأبّى على التقسيم أو التجزئة. من الواضح أن هذا المفهوم الذي نلفيه عند علماء السرد البنيويين كجيرار جونيت ورولان بارت وتزفيتان تودوروف وكلود بريمون وغيرهم، يرتدّ بالأساس إلى مجموعة من التأملات النقدية الملهمة التي عرفتها مرحلة نهاية القرن التاسع عشر. وعليه، ليس غريبًا أن يلاحظ المرء في هذه المرحلة كيف كان الكتّاب يشدّدون على مقولة العمل Œuvre التي لا تعني النص الواحد فقط وإنّما الأعمال الكاملة، وهذا ما نلفيه عند مالارميه وبروست وفلوبير على سبيل المثال الذين يؤكدون على وحدة تجربة الكاتب التي تتجذّر في مجمل أعماله. كما أن روائيا كبيرًا من أبرز رموز هذه المرحلة وهو إميل زولا سيضع عنوانا مثيرًا لإحدى رواياته الأكثر تعبيرًا عن سيرته الذاتية “العمل الفني” (L’Œuvre) التي نشرت عام 1886.
إن التركيز على مفهوم العمل بوصفه كلية، يعني أن الموضوع الحقيقي للنقد عند هؤلاء الكتاب ليس هو السيرة الذاتية للكاتب، وإنما تلك الوحدة العميقة التي يسميها بروست “الأسلوب”، الذي لا يناظره من حيث الأهمية بالنسبة للكاتب سوى اللون بالنسبة للوحة، ما يعني أن الأسلوب ليس مسألة تقنية وإنّما هو مرتبط أشد الارتباط بالرؤية للعالم التي تتجلى من خلال مجموع أعمال الكاتب. هذا ما يعني بعبارة أخرى أن تجربة القراءة لا تنفك تغتني وتتوسع عندما لا تختزل التجربة الإبداعية في العمل الواحد، بل تأخذ في الاعتبار النصوص المختلفة للكاتب بأكملها.
ليس النقد، بما هو قراءة وتأمل وتفكيك، وحده الذي يسهم في إخصاب الرواية، وإنّما الروايات هي بدورها أيضًا لا تدخر جهدا في إعطاء النّقد وجودا ملموسًا، خاصّة عندما تأخذ الرواية على عاتقها مجابهة الأسئلة العميقة التي تثيرها قراءة النصوص وتأويلها، وهذا ما يتبين من حالة النقد الروائي المعاصر، والسرديات ذات المنشأ الأوروبي التي تبقى، هي الأخرى، مدينة لعمل روائي مثل “البحث عن الزمن المفقود” الذي شكّل من منظور الدراسات النقدية المعاصرة ذخيرة لا تنضب من الإمكانيات التي ستتيح خلال النصف الثاني من القرن العشرين تجديد القراءة بنقلها من حدود المقاربة التي تجعل من النص مجرد وثيقة، لتمنحها الوضع الاعتباري للقراءة النقدية الحقيقية للأعمال المولدة لدلالات لا تنفصل عن الذاتية، على نحو ما نجد في “النقد الجديد”، مثلما هي مدينة لكتاب نقاد أمثال مالارميه، وفلوبير، وبول فاليري، وموريس بلانشو، وآخرين ممن أرهصوا بمقولة “موت المؤلف” التي سيستعملها رولان بارت عام 1967 في مقال له نشر في مجلة أميركية عندما كان يدرّس في الولايات المتحدة الأميركية، قبل أن ينشرها لاحقًا في فرنسا عام 1968، وهي المقالة المضمّنة في كتابه “هسيس اللغة” (Le bruissement de la langue) الصادر عام 1984 والذي يضمّ المقالات التي كتبت بين عامي 1964 و1980.
ليس مصادفة أن المهمة الأساسية التي أتاحها بروست للأعمال الأدبية بوصفها قادرة على إنتاج مقولاتها الذهنية الخاصّة، ستمنح الناقد دورًا مزدوجًا بوصفه وسيطًا ومبدعًا في آن واحد، ملتزمًا بإعادة بناء ذلك العمل الذي هو نتاج الأنا العميقة، وهذا العمل ليس سوى الكِتاب. ومن اللافت أن هذا التشديد لدى بروست على العلاقة بين الأدب والحقيقة التي أهملها النقد البنيوي، سيكتشفها القارئ المعاصر بكثير من العمق والإبداع والفطنة في أعمال فلاسفة نقاد من طراز جيل دولوز، وبول ريكور، وبيير ماشري، وكاترين كانتزلر، وبيير كامب مؤلّف العمل النقدي اللافت “الأدب بحثًا عن الحقيقة” (La littérature à la recherche de la vérité).
*كاتب من المغرب.