تبدو هذه التجارب اليوم مروّعة ولا مبرّر أخلاقيًا لها، لكنّها كانت تنتمي إلى مناخ علمي مختلف. فقد أثار اختراع التصوير الفوتوغرافي عام 1838 حماسة واسعة في الأوساط العلمية الأوروبية، وبدا لكثيرين أنّ مبادئ الكاميرا قد تكون حاضرة أيضًا داخل الجسم البشري نفسه. بل إنّ ثمّة من تخيّل تطبيقات جنائية لهذه الفكرة: ألن يحتفظ كلّ ضحية قتل بصورة قاتله مطبوعة في عينه؟
الجذور الأولى لهذا التصوّر تعود إلى ما قبل كوهنه بكثير. ففي القرن الثامن عشر، لاحظ الراهب اليسوعي كريستوفر شيينر، أثناء تشريحه ضفدعًا، أنّ شيئًا يشبه الصورة يبدو قد انطبع على شبكية الحيوان. ظلّت هذه الملاحظة طيّ النسيان حتى جاء عصر التصوير الضوئي فأعاد إحياءها. وفي عام 1876، اكتشف أحد زملاء كوهنه صبغة حسّاسة للضوء على الشبكية عُرفت لاحقًا باسم “الرودوبسين”، وكانت خصائصها تذكّر بشكل لافت بالفيلم الفوتوغرافي: حين يصطدم بها فوتون ضوئي، تتبدّل درجة لونها. أدرك كوهنه فورًا ما قد تعنيه هذه الخاصية، فانطلق يحاول استخلاص صور فعلية من عيون الأرانب بالاعتماد على هذا الصباغ البيولوجي.
| صورة فوتوغرافية التقطها أ. هـ. ويلر في مرسمه، حوالي عام 1893 |
غير أنّ النتائج جاءت مخيّبة في معظمها. لم يستطع كوهنه تمييز أكثر من ظلال وأشكال مبهمة وخطوط عريضة على الشبكيات التي فحصها. ومع ذلك، ادّعى أنّه رأى في إحدى شبكيات الأرانب ما يشبه نافذة مختبره بقضبانها المعدنية. على هذا الأساس الهشّ، أعلن كوهنه نفسه مؤسّسًا لعلم أسماه “الأوبتوغرافيا”، ونحت مصطلح “أوبتوغرام” من الجذرين اليونانيين “أوبتو” بمعنى الرؤية و”غرافو” بمعنى الكتابة. في مطلع كانون الثاني/ يناير 1877، قدّم نتائجه أمام الجمعية الطبيعية الطبية في هايدلبرغ، وحرص على أن تبدو مقنعة قدر الإمكان. ولأنّ التصوير الفوتوغرافي المباشر للشبكيات الميتة لم يكن ممكنًا تقنيًا آنذاك، رسم كوهنه ما رآه على الشبكيات ثمّ حوّل رسوماته إلى طبعات حجرية (ليثوغرافية) بدت وكأنّها صور فوتوغرافية حقيقية. كان الإيهام البصري ناجحًا إلى حدّ بعيد.
سرعان ما تحوّلت “الأوبتوغرافيا” إلى موضوع نقاش دولي. بحلول عام 1878، كانت ترجمات إنكليزية لأعمال كوهنه قد ظهرت، والتقطت المجلات العلمية والشعبية الفكرة بحماسة متفاوتة. كتبت مجلة “ساينتيفيك أميركان” عن “صور دائمة على الشبكية”، ووصفت مجلة “آيرش مانثلي” الأدبية الاكتشاف بأنّه ذو أهمية لا يُستهان بها، فيما أكّدت مجلة “سبكتروم أناليسيس” المتخصّصة أنّ كوهنه أثبت إمكانية الحصول على صورة مرئية مثبّتة على الشبكية للشيء الذي كانت العين تنظر إليه.
لكنّ الأمر لم يكن بهذه البساطة في ألمانيا نفسها. هيرمان فون هيلمهولتز، الذي كان يُعدّ أبرز مرجعية في البصريات الفسيولوجية وسلف كوهنه في الكرسي الأكاديمي ذاته، لم يُخفِ تشكّكه في جدّية ما يُسمّى صور الشبكية. وكما يشير الفيلسوف برنارد ستيغلر في كتابه “عيون مُعرَّضة للضوء”، فإنّ هذا التحفّظ كان تعبيرًا عن صراع علمي أعمق حول طبيعة الإبصار ذاتها. هل الرؤية عملية فسيولوجية موضوعية يمكن رصدها وتسجيلها كما تُسجَّل الكاميرا مشهدًا أمامها؟ أم أنّ ما “يراه” الإنسان هو بناء ذهني يُنتجه الدماغ من إشارات فسيولوجية خام، أي أنّ العين ترسل بيانات والدماغ هو من يصنع منها صورة ذات معنى؟
كوهنه كان ينحاز إلى التصوّر الأوّل. بالنسبة إليه، العين هي غرفة مظلمة (كاميرا أوبسكورا) يُسقَط من خلالها العالم الخارجي مباشرة إلى داخل الإنسان. أمّا هيلمهولتز فكان يتبنّى رؤية أكثر حداثة ترى أنّ المنظومة العصبية تؤوّل المعطيات البصرية وتعيد تركيبها لا شعوريًا قبل أن يتحقّق الإدراك الفعلي، أي أنّ الإنسان لا يرى العالم كما هو بل كما يبنيه دماغه. هذا الخلاف لم يكن تقنيًا فحسب، بل كان يتعلّق بسؤال فلسفي جوهري حول العلاقة بين الذات والعالم، بين ما هو “هناك” وما “نراه” فعلًا.
لم يثنِ التشكيك العلمي كوهنه عن طموحه. لا بل إنّه وجد في علم الجريمة الناشئ آنذاك ميدانًا عمليًا واعدًا لاختراعه. والحقيقة أنّ فكرة التعرّف على المجرمين عبر عيون ضحاياهم لم تكن جديدة تمامًا. ففي ستينيات القرن التاسع عشر، زعم المصوّر الإنكليزي وليام وارنر أنّه رأى في صورة التقطها لعين ثور ذُبح لتوّه نمط خطوط أرضية المسلخ المبلّطة. متحمّسًا لاكتشافه، توجّه إلى سكوتلاند يارد واقترح تصوير عيون ضحايا القتل للتعرّف على قتلتهم. لاقت الفكرة ترحيبًا في زمن كانت الفوتوغرافيا تُحاط فيه بهالة شبه سحرية.
كان السؤال المغري يتردّد في الأذهان: هل يمكن أن يصبح الضحية شاهد عيان على مقتله، بالمعنى الحرفي للكلمة؟ دفع هذا الطموح كوهنه إلى خطوة أبعد. في تشرين الثاني/ نوفمبر 1880، تحقّق ما كان يصبو إليه: أُحضر إلى مختبره رأس رجل أُعدم بتهمة القتل، بعد قطعه بوقت قصير، إذ كان الرودوبسين يتحلّل بسرعة ولا مجال للتأخير. سبق لكوهنه أن حاول تجربة مماثلة على عيني امرأة مسنّة توفّيت بعد مرض طويل، لكنّ تلك المحاولة فشلت. أمّا هذه المرّة، فقد وصف في دراسته التي نُشرت لاحقًا بعنوان “ملاحظات حول تشريح الشبكية وفسيولوجيتها” أنّه تمكّن من رؤية شكل صغير على الشبكية المستخرَجة: خطوط مبهمة تشبه سلّمًا. كان هذا أوّل “أوبتوغرام” بشري موثّق، وهو الوحيد حتى اليوم. لاحقًا، أضفى كوهنه على الصورة طابعًا دراميًا حين ادّعى أنّها تُظهر المقصلة.
| عملية جراحية في العين سنة 1865 |
خرجت الفكرة بعد ذلك من المختبر إلى الفضاء العام، وتضخّمت في المخيال الجماعي بما يفوق أيّ أساس علمي. صارت الصحف تناقش “صورة الموت” بوصفها دليلًا محتملًا في القضايا الجنائية. وحين قُتلت آني تشابمان عام 1888، إحدى ضحايا السفّاح جاك ذا ريبر في لندن، طالبت صحف المدينة باستخراج “أوبتوغرام” من عينيها أملًا في الحصول على صورة القاتل. في ألمانيا أيضًا، تناولت الصحف الموضوع بين الحين والآخر. ففي 4 أيار/ مايو 1925، عنونت “صحيفة كوبورغ” بعبارة: “صورة القاتل في عين الضحية”، وفي قضية قاتل متسلسل أخرى، تحدّثت الصحف عن “دليل مروّع”. في المقابل، تعاملت وسائل إعلام أخرى مع الموضوع بسخرية، واصفةً الأوبتوغرافيا بأنّها “حكاية مرعبة وجميلة في آن”، لا أكثر.
شهدت الفكرة ومضة أخيرة في عام 1977، حين قام إيفانغيلوس ألكسندريديس، أستاذ الفسيولوجيا في جامعة هايدلبرغ، بإعادة تجارب كوهنه التاريخية على حيوانات التجارب بناءً على طلب الشرطة. نجح فعلًا في إنتاج أربعة “أوبتوغرامات” جديدة، لكنّ النتيجة أكّدت ما كان واضحًا منذ زمن: الطريقة تتطلّب شدّة إضاءة عالية جدًا وأوقات تعريض طويلة، والصور الناتجة تظلّ ضبابية وغير قابلة للتفسير. كأداة لكشف الجرائم، كانت الأوبتوغرافيا عديمة الجدوى بشكل قاطع.
لكنّ العلم الفاشل لا يموت بالضرورة، بل يتسلّل أحيانًا إلى الخيال ويعيش حياة موازية. ففي عام 1902، وظّف جول فيرن فكرة “النظرة الأخيرة” في روايته “الأخوان كيب”: شقيقان متّهمان بالقتل ظلمًا تتمّ تبرئتهما بفضل “أوبتوغرام” يكشف القتلة الحقيقيين في صورة مكبّرة لعيني الضحية. في السينما، تحوّلت الفكرة إلى تقليد بصري له حضوره الخاص. اللحظة الأخيرة قبل الموت تُقدَّم كـ”إطار متجمّد” (Freeze Frame)، حيث تتوقّف الحركة فجأة ويتحوّل المشهد الحيّ إلى صورة فوتوغرافية ساكنة. نجد هذا الأسلوب في أفلام مثل “الشعاع الخفي” (1937)، و”بيبينغ توم” لمايكل باول (1960)، و”أيام غريبة” لكاثرين بيغلو (1995). وفي المسلسلات التلفزيونية، انتقل “الأوبتوغرام” إلى العصر الرقمي: في حلقة “الرعب القرمزي” من مسلسل “دكتور هو” (2013)، وفي حلقة “القصة القديمة ذاتها” من مسلسل “فرينج” (2008)، لم تعد الصورة المحفوظة في العين تُستخرج على ورق، بل تُنقل إلى أقراص صلبة، قابلة للتعديل والنسخ اللانهائي.
أمّا مجموعة شبكيات العيون التي جمعها كوهنه في مختبره بهايدلبرغ، فلم يبقَ منها أثر. ما حفظته تلك الأفلام البيولوجية من صور أخيرة ضاع نهائيًا، تمامًا كما تتلاشى الصورة على الشبكية حين ينطفئ الضوء.