…ميشلين مبارك.. ضفة ثالثة
لم يسبق أن أبكتنا رواية عربية بهذا الشكل كرواية “سامي هاني خواجة”، ولم نعهد أن تُشكّل قصة هاني ابن بيروت، والمشاكل الاقتصادية، والحرب الأهلية، وانفجار المرفأ، مرآةً لكلّ قصص أبناء المدينة الذين باتت همومهم هي هموم هاني، وأضحى تعبهم حزنه، وانكسارات المدينة هزيمته. ويأتي حدث الانفجار ليفجّر في النفس المآسي المتراكمة على مدى ثلاثين عامًا، ولتتدفّق في البال كلّ الذكريات، فتُذرف الدموع فوق بوح الكلمات؛ عندها يحجب الشاب عينه عن رؤية الواقع المرير محاولًا تغطية نور الشمس بالنظارات الشمسية من دون أن يُلغي ذلك حقيقة وجودها (ولعلّ ذلك ما يرمز إليه اللون الأصفر على غلاف الكتاب). هذا أوّل شعور يطالعنا في رواية “سامي هاني خواجة” للكاتبة اللبنانية لورا مقدسي الصادرة عن دار الآداب (2026).
ذكّرتنا الوردة على الغلاف الخارجي للكتاب بوردة الأمير الصغير للكاتب الفرنسي أنطوان دو سانت إكزوبري. تلك الوردة التي ترمز إلى الحبّ المفقود في هذا العالم، والضعف الإنساني المقسوم في بيروت، والعلاقات العاطفية المأزومة في حياة بطل الرواية. تأتي فاقدة عطرها، منفصلة عن انتمائها، تمامًا كعلاقة الشخصية الرئيسية في الرواية، أي هاني، مع باقي الشخصيات. إنّ هذه الوردة نفسها هي الانتماء غير المكتمل، خصوصًا في البحث عن الذات وعن النور وسط كلّ العتمات، وهو ما يُشكّل الثيمة الغالبة على الرواية.
وبالحديث عن العتمات، لا يعني أنّ الرواية سوداوية المنحى، بل هي سرد أدبي يعتمد على الخيال الواقعي، تتحدّث عن بيت بيروتي في الأشرفية يتهالك على هاني يوم 4 آب/ أغسطس 2020. تسرد الكاتبة بأسلوب وصفي بديع تهالك البناء الحجري، عاكسةً باستعارات ومجازات أدبية تهالك البناء النفسي للراوي متأثرًا بتهالك البناء الوطني، كلّ ذلك في سياق سردي مشوّق يتتبّع القارئ من خلاله الأحداث بالتوازي مع الأيام، بل والدقائق، التي عاشها هاني تحت الأنقاض. فتأتي أحداث الرواية لتعكس ثيمات حقيقية صادقة ما زال البعض منها يطغى على اللبناني بقوّة.
هناك، تحت الأنقاض وفي العتمة الحالكة، ينقشع النور في يقينٍ أطبق صراخ المدينة على صوته، فأحكمت مآسي الحياة قبضتها على المنطق، ممّا جعل هاني يجد في ذكريات الماضي ملاذه الآمن، حتى سخر من القدر ومن أوهام الحياة كالحبّ والأمل وغيرها… فلمن كانت الغلبة في نهاية المطاف؟
قليلة هي الروايات التي يستهلّها الكاتب أو الكاتبة بالنهاية في بدايتها، وهي حبكة روائية استثنائية سنطرحها في السياق. ومن الملفت أيضًا في هذه الحبكة أنّ الروائية كتبت بصوت المذكّر، هاني بطل روايتها. وبرأيي هذا الأسلوب يتيح للكاتبة إمكان سرد أحداث روايتها من منظور مختلف وربما أصعب، الغوص في المشاعر والأفكار، وبالتالي في تتبّع منهجية آراء الشخصيات المتفاوتة، ممّا يُضفي عمقًا وتنوّعًا في السرد الأدبي.
لقد عرفت الكاتبة كيف تشدّ انتباه القارئ ليستمرّ متابعًا معها عبر 286 صفحة، من خلال أسلوب سينمائي امتاز بالتشويق بخطّ تصاعدي للأحداث، بالإضافة إلى العمق والبعد الفلسفي مع نفس جبراني (نسبةً إلى جبران خليل جبران) في عدّة أجزاء من الرواية، طارحةً في السياق قضايا ما زالت إلى اليوم تُشكّل ضغطًا على المواطن وتلمس القارئ في أيّة بقعة من هذا العالم.
أبرز هذه القضايا التي تناولتها مقدسي هي الفقد. فالفقد، وخصوصًا عندما يكون قسريًا في حالة سامي والد هاني، الذي اختُطف في الحرب الأهلية من أمام الجامعة الأميركية في بيروت، لم تتقبّل عائلته هذا الموضوع وإن تظاهرت عكس ذلك. فابنته “هنادي” (شقيقة هاني في الرواية) اختارت التخصّص في فرنسا والعمل فيها هربًا من الألم، أمّا الأم “وداد” التي بقيت في البيت حتى يومها الأخير، فناضلت مع أهالي المخطوفين، وما برحت هذه المرأة الوديعة والأم الحنونة تعتصم في الخيم وتعمل ليل نهار للحفاظ على إرث زوجها من مكتبة غنيّة وبيت جميل يتطلّع على المرفأ: “ثلاثون عامًا والرجل مفقود. ليس ميتًا ولا حيًّا. دكتور القانون الدولي الذي اشتهر بشعار ’الصدق فعل ثوريّ’ اختفى خلف جبل من الصمت والغموض” (ص: 46). وفي الواقع، تراكم هذا الصمت مع كلّ الأحداث اللاحقة في حياة هاني، تأتي كردّة فعل على ظلم الحياة، بدءًا من علاقته مع المومسات، ومن ثمّ زواجه السرّي بالأوكرانية أولغا، ليُكشف مع حملها لاحقًا أمر هذا الزواج، ثم يتحوّل الحبّ إلى الكره والطرد. فيعترف هاني في الصفحة 95: “حاولتُ طويلًا أن أفهم مشكلتي مع الحياة، ولكن من دون جدوى. ثمّ، وأنا على بُعد خطواتٍ من التهلكة، تزول الغشاوة عن عينيّ، وأفهم أنّ معظم معارك الحياة نخسرها في النهاية، مهما فعلنا، وبغضّ النظر عن خياراتنا في هذه الدنيا العابرة. هنا يكمن المعنى الحقيقيّ للشجاعة، شجاعة تقبّل الخسارة، سواء أكانت فراقًا، موتًا، مرضًا، إفلاسًا أو خيانة”. وتُعبّر أولغا لزوجها في الصفحة 118: “إنّ العالم يعجّ بالذكور، لكنّ الرجال نادرون…”. وتحكي عن حظّها العاثر بالزواج برجل أحمق فقد عقله حين فقد أباه. خُيّل إليها أنّ من اختبر الحرب والمآسي يملك القدرة على التعاطف مع وجع الآخرين، لكنّها اكتشفت أنّ المعذّبين يتحوّلون إلى طغاة كلّما سنحت الظروف.
تتوالى في الرواية الذكريات في حياة هاني التي عاشها بكلّ نزق وتطرّف وحبّ للمظاهر، مع اقتنائه مسدّسًا وكلاشينكوف وسيّارة فارهة، إلى إصراره على معارضة أخته وعمله في التجارة على الرغم من كلّ الخسارات التي مُنيّ بها. وفي هذا السياق تتطرّق لورا المقدسي، على سبيل المثال، إلى العلاقة بين المودِع (في الرواية هاني، لكنّه في الواقع أيّ مودِع آخر) والمصرف، تلك العلاقة المواربة التي ذاق منها اللبنانيون الأمرّين. ثمّ تتناول علاقة الصداقة التي ربطت هاني مع رمزي ثمّ مع عصام، ويبحث الراوي في العلاقة مع الله، مع الوطن، ومع الغربة، خصوصًا غربة أخته هنادي، وغربة الذات عن نفسها، ثمّ الانتظار. فيقول هاني في الصفحة 74: “ليس أبشع من الموت سوى حياة لا تشبه الحياة”، على عكس أخته المناضلة التي كانت تعرف ما تريد، فتقول في الصفحة 63: “على الإنسان أن يختار، ليس بين أن يكون أو لا يكون، حسب مقولة هاملت، بل بين أن يحقّق شيئًا ذا معنى أو لا يكون. فالهدف من الوجود هو هذا المعنى، الذي يكون الحدّ الفاصل بين الوجود وعدمه”.
تتفجّر الذكريات مع تفجّر المدينة، من شعر أولغا الشبيه بحقول القمح في أوكرانيا إلى بيروت. بيروت الحبّ والحرب، بيروت المقاهي، المكتبات، الجامعات، المعارض، المسارح، والبنايات القديمة التي على وشك السقوط. وبيروت الجديدة بناطحات سحاب لا نعرف أين تنتهي. تقول مقدسي في الصفحة 191: “لا يرقد موتى بيروت تحت التراب، بل تراهم نصف أحياء، يلهثون وراء سعر صرف الدولار صعودًا وهبوطًا، يُكدّسون ما يلزم وما لا يلزم، تحسّبًا لحرب جديدة… وهم على استعداد دائم لأن يبتلعوا الحياة قبل أن تبتلعهم”.
تأتي علاقة بطل الرواية مع المدينة كعلاقته مع ركام الحياة، كحبّ الأم على الرغم من خيبتها من ابنها، كنصيحة أخت مصرّة على العطاء على الرغم من سعالها المتواصل ومرضها، كإيمان هنادي بثورة تشرين وقدرتها على التغيير على الرغم من رأي أخيها أنّ الثورة حبلى ببذور فشلها. صِلات كلّها مرتبطة بالإنسان، بالعلاقة التاريخية التي نشأت منذ القدم وستبقى ما دام لها البقاء، هي رابطة الإنسان بالأرض، وهو الانتماء. فنقرأ في الصفحة 235: “تنبسط الأرض شاسعة، رحبة، معطاءة، وتفتح ذراعيها الشبيهتين بذراعي أمّي. الأرض حكيمةٌ مثل أمّي. حكمتها لا تُلقّن في المدارس والجامعات، ولا تنتقل بالعدوى من إنسانٍ إلى آخر. هي ابنة الروح، لا تحتاج إلى دليل، لأنّها دليلُ ذاتها”.
في الختام، لا يسأل القارئ عن مصير هاني سامي خواجة، بل عن سرّ هذه القسوة التي كانت تعلو وجهه وتلوّن حياته. كيف خرقت الكاتبة كلّ دفاعات النفس البشرية وأدخلت شخصياتها في أحداثٍ عكست تهالك المدينة والقيم والإنسان؟ ربّ سائلٍ: أين ذهبت تلك الثورة في داخل الإنسان وقد انغمس بملذات الحياة لإطفائها؟ لماذا لم يستطع الدفاع عن نفسه والوقوف في مواجهة هذا العالم المتهالك؟ ربما لأنّ الحياة حفلة تنكّرية، والناس لبسوا أقنعتهم عندما أتوا إليها، إلّا هاني، أتى بوجهه الحقيقي الصادق، فلم يعرف التعامل معها.