قبل أن يدجنها البشر، كانت الأبقار تتبع نظامًا طبيعيًا في التكاثر وتقنيات البقاء. لكنها بدأت تفقد هذه البراعة جيلًا بعد جيل، إلى أن أصبحت اليوم كائنات عاجزة عن التأقلم مع الطبيعة وحدها. ولو تركناها في الغابة، سيتم قتلها على الأرجح في وقت قياسي، لأنها لم تطوّر دفاعاتها ضد الكائنات الأخرى. الآن، نحن نشعر بخطر تكاثرها، كما في حجج بيل غيتس. وقد نقرر التخلص منها، أو الإقلاع عن تربيتها والعناية بها. ما يعني أننا نفني جنسًا حيوانيًا، ولا نعطيه فرصة الدفاع عن نفسه. ذلك أننا حين نصنع كائنًا وفق شروطنا، فإننا نصنع أيضًا هشاشته أمام الطبيعة، وما إن يتم ذلك ويكتمل، حتى يفقد مبرر وجوده، ونبدأ بصناعة المبررات للتخلص منه.
لم تعد الأبقار في عصرنا كائنات طبيعية، بل منتجات صناعية، لا تعرف الدفاع عن نفسها، ولا تتقن الهرب، ولا تنجح في التكاثر خارج منظومة الرعاية البشرية. وبالتالي أصبحت كائنات فاقدة لحقها الطبيعي في البقاء، لأننا أعدنا تصميمها لكي تناسب احتياجاتنا لا احتياجاتها. والآن حين بدأنا نشعر بأن تكاثرها خطر على المناخ والموارد، بدأنا نناقش كيفية التخلص منها، كما نتخلص من منتج صناعي انتهت صلاحيته.
لكن ما تقدم لا يمكن إدراجه في خانة القسوة التي تستوجب الإدانة. بل هو منطق الصناعة. فما نصنعه نملك حق إنهائه.
ماذا عن البشر؟ وكيف نشبه الأبقار حقًا، وقد نشاركها المصير نفسه؟ ذلك أن دروع العلم تفرض علينا التزامًا مكلفًا على كل الصعد، ومن لا يلتزمون بالحدود والقوانين التي يضعها العلم، لن يتمكنوا من البقاء. طبعًا، لا يوجد دعوات مباشرة للتخلص منهم، لكن البشرية لن تمانع في تسليمهم للطبيعة لقتلهم. حقيقة الأمر أن البشر أيضًا كائنات تفقد حقها الطبيعي في البقاء، وإن بطرق مختلفة. فالبشر الذين لا يلتزمون بالحدود والقوانين العلمية لن يتمكنوا من البقاء على الأرجح، لأنهم سيفقدون الدرع الصناعي الذي يحميهم من الفناء. ميزتهم الوحيدة التي يملكونها، ولا تملكها الأبقار، أن أحدًا لن يتنطح للدعوة إلى قتلهم، لكن أحدًا لن يمانع في تركهم يسقطون خارج النظام، وأن تتكفل الطبيعة بقتلهم على النحو الذي يحلو لها.
من هو مؤهل للحماية من البشر هو من يستطيع العمل والإنتاج والاستهلاك، ومستعد للانضباط تحت حد القوانين، والاندماج في النظام. وكل من لا يستطيع تلبية هذه الشروط يصبح خارج التغطية. ورويدًا رويدًا نحن نتحوّل إلى كائنات لا تستطيع النجاة خارج النظام. هذا يعني خلاصة بديهية، لكنها مفرطة في هولها: النظام أصبح شرطًا للبقاء، لا خيارًا يمكن تبنيه، أو التخلي عنه. والخطر الذي يواجه البشر اليوم لا يكمن في أن الصناعة قد تنقلب عليهم لقتلهم، كما في فيلم “ماتريكس”، بل إن موتهم يتحقق بمجرد سحب الرعاية، وتضاؤل الحماية، وانحسار الخدمات، وتعطيل البنى التحتية. والطبيعة تتولى المهمة من هناك وصاعدًا.
هل يذكرنا هذا السيناريو بغزة؟
غزة ليست مجرد حدث سياسي، بل هي التجلي الأبشع لـ”سحب الرعاية”. إنها المثال الحي على ما يحدث عندما يُطرد البشر من “الحظيرة الصناعية” (الكهرباء، الدواء، الإنترنت، البنية التحتية)، ويُتركون لـ”قاطع الطريق” الذي كان يُسمى يومًا “أمنا الطبيعة”. غزة هي البروفة لما يمكن أن تفعله الصناعة حين تقرر أن كائنًا ما فقد صلاحيته.
التحول المذهل الذي نشهد اليوم سيادته على مصائرنا يمكن وصفه بأن الصناعة اليوم أصبحت هي الطبيعة الجديدة. ورثت الطبيعة الأم وحولتها من أم إلى قاطع طريق. فالطبيعة التي كانت بيتًا للإنسان قبل الصناعة، أصبحت الآن منفىً لمن لا يملك ثمن الدرع الصناعي.
لنعد إلى الذكاء الاصطناعي. هو ضروري لأنه يشكل درعًا متينًا يحمي البشر من الطبيعة القاتلة. لكنه درع مكلف. يتطلب منا وقتًا إضافيًا ننفقه يوميًا على نصائح الحماية التي يطرحها علينا. وهو مكلف ذهنيًا: نحتاج لأن نكون قادرين على التفكير بمنطق، وبلا منطق، لنتمكن من الاستفادة منه. وهو مكلف ماليًا، نحتاج أن نعلم أبناءنا مادة جديدة لم تكن مدرجة في المناهج الدراسية ليتمكنوا من مواكبته. وهو مكلف عاطفيًا، نحتاج أن نكون أقل حساسية تجاه الآخر لنتمكن من تطبيق نصائحه. وفي النهاية هو مكلف ثوريًا: لأنه يمنحنا أسبابًا لا تحصى لإقناعنا بأننا على خطأ، رغم ألمنا أو شعورنا بنذر الكارثة.
والحال، فإن الذكاء الاصطناعي يضيف إلينا طبقة جديدة من العمل اليومي لنتمكن من التمتع بالحماية التي يؤمنها، مثلما أضافت شبكات الكهرباء المستقرة إلى مهامنا طبقة جديدة، ومثلما أجبرتنا السيارات على تعلم مهارات جديدة، واكتساب لغات ومعرفة مصطلحات وطرق تعامل مع الآخرين. قد يكون الذكاء الاصطناعي هو الطبقة الأكثر جدة في درع الحماية التي تنتجه الصناعة للبشرية، لكنه ككل الدروع السابقة مكلف ومرهق ويحتاج منا وقتًا لننفقه على تعلم مفاتيحه. وهذا الوقت هو ما نخصمه من وقتنا الذي نكون فيه بشرًا، لا مجرد تروس في آلة عاتية. إذا كان ثمة خلاصة معبرة عن طبيعة موقعنا في هذا العالم كبشر، فقد يكون ما يلي ملخصها الأكثر حدة: نحن لسنا ضحايا النظام، بل مخلوقاته التي قد تفقد صلاحيتها إن لم تمتثل وتجتهد وتتخلى عن مزاياها البشرية.