-
أسامة نصّار… الجمهورية .نت
-
-
-
بينما أَشتغلُ على كتاب أروي فيه سرديتي الخاصّة في العمل المجتمعي والعام في بلدي سوريا، قبل الثورة وأثناءها، وَجدتُني كلما أردتُ الكتابة عن فترات الاعتقال أُضطرُ إلى استخدام مصطلحات غريبة لا تشبه مفرداتها باقي لغة الكتاب، ولا اللغة التي نعرفها خارج الأسوار.
وذلك لأنَّ المصطلحات السجنيّة سياقيّة بامتياز، ينحتها المكان والظرف معاً، وتأخذ كلٌّ منها دلالةً مغايرة لما نألفه في القاموس أو اللغة العامّية والمحكية اليومية.
وتخلق بيئة المُعتقَل مجموعة محدودة من المفردات، تدور في اللغة المتداولة فيه بتكرار، مع ما يلزم لذلك من كلمات مساعدة «auxiliaries» وحروف جرّ وعطف، وغيرها ممّا لا غنى عنه من مكمّلات الإنشاء. وإن بدا معجم السجن مُختزَلاً من حيث الكمّ، فإنّ مفرداته راسخةُ العمق، موشومة بتجربة قاسية ودامغة. وتبدو هذه المفردات صادمةً في الغالب، رغم أن اللغة السجنية لا تخلو كذلك من طرافة ونبرة ساخرة مُحمَّلة بالتناقض. ولاحظتُ أن قسماً مُعتبَراً منها يميل إلى البذاءة؛ لا البذاءة قليلة الأدب أو الذوق وحسب، بل بذاءة أعمق: تنتمي لعالَم صُمِّم أصلاً لقهر من يصل إليه وإفقاره من كل شيء، بما في ذلك لغته.
ويخوض كلّ مُعتقَل تجربته الخاصّة في التعرُّف على معجم المصطلحات السجنيّة، وغالباً ما يتعلّم الكلمات ودلالاتها بالطريقة الصعبة.
ويعطينا التأمّل في هذه المفردات الاصطلاحيّة نماذج على كيفية تشكُّل اللغة السجنيّة؛ فتتشعّبُ دلالات كلمة واحدة بحسب مكان الاحتجاز والحقبة والسياق. وفقدان المعنى الثابت هذا هو نفسه جزء من تجربة الاعتقال المرّة.
كنتُ أقاوم التطبيع مع هذه المفردات، وأخشى أن أبدأ بتسمية المرحاض بالكلمة السجنيّة الواردة أدناه، فأنجرفَ إلى عالم يرضخ للبذاءة والابتذال. لم يكن ذلك ترفُّعاً عن لغة فئة من الناس، فاللغة المحكية لأي طبقة أو مجتمع جديرة بالاحترام والتأمّل. لكن اللغة السجنيّة بمفرداتها المختزلة تتجاوز وظيفتها الأصلية بالتواصل، لتكون جزءاً من نظام السيطرة والقهر. فخشيت المخاطرة باستخدامها مجّاناً، مما قد يعني القبول بمنطقها والتطبيع معه.
بينما أفكّرُ في الموضوع وأتجنّبُ استحضار التروما من جديد، أفدتُ من كتابات مشهورة مثل رواية القوقعة لمصطفى خليفة، وبالخلاص يا شباب لياسين الحاج صالح، ورواية ماذا وراء هذه الجدران لراتب شعبو، وخيانات اللغة والصمت لفرج بيرقدار.. إلى أن وقعت على كتاب مفاتيح السجن السوري – مصطلحات من وراء القضبان، الذي أعدّه الباحث اللبناني محمود حمادي بإشراف لقمان سليم ومونيكا بورغمان، وصدر عام 2012 عن «أمم للتوثيق والأبحاث» بدعم من معهد العلاقات الثقافية الخارجية الألماني IFA، ضمن مشروع أكبر حمل عنوان «يا ظلام السجن خيّم – من تجارب الاعتقال في السجون السورية».
اعتمد حمادي على شهادات شفوية لناجين لبنانيين من المعتقلات السورية، إضافةً إلى ما أُتيح له من أدبيات سجنية سورية، بعضها مما ذُكر هنا آنفاً.
وحاول الكتاب جمع المصطلحات المتداولة في السجون السورية وتبويبها قاموسياً بترتيب أبجدي، مُقرِّاً في مقدمته أن ما أثبته في المسرد ليس إلا أمثلة لا تستغرق كل المفردات والمصطلحات ذات الصلة، وأنه «دعوة مفتوحة إلى المساهمة في هذا الجهد».
كانت تلك الدعوة إذناً يُطمئنني. فقرّرتُ أن أستجيب لها، مستفيداً من هذا الكتاب ومن الكتب المذكورة آنفاً في ضبط روايتي، فأسجّل ضمن هذا الجهد ما تراكمَ في ذاكرتي عبر خمسة اعتقالات.. حتى الآن!
وأشير إلى أنني لست هنا في صدد سرد المفردات الخاصّة بأدوات التعذيب. فالسجن نفسه هو حالة تعذيب متعددة الأشكال، فضلاً عمّا يحدث داخله. اكتفيت بذكر أمثلة على الأدوات التي لها تسمية رمزية أو اسم جعله المسجونون مُولِّداً لاشتقاقات. وقد يحتاج قاموس أدوات التعذيب لمبحث مستقل (لن أقوم به). ولفتني أن كلّ فروع المخابرات تشترك بأدوات تعذيب (أساسيّة)، مثل الطماشة والدولاب وبساط الريح والكبل الرباعي. بينما يشتهر كل فرع بأداة معينة دوناً عن غيره: فالكرسي الألماني لفرع المنطقة، والشبح لأمن الدولة، والتابوت للأمن السياسي، والكهربا لفرع فلسطين.. وهكذا. لكن أثناء الثورة صارت معظم أدوات التعذيب مشتركة عند جميع الفروع. وأضيفت لها أدوات وفنون جديدة مثل عصاية الكهربا، الخرطوم الأخضر (بعد الوفود الأمميّة إلى سوريا صار يُسمى الأخضر الإبراهيمي)! أحصت منظمات حقوقية أكثر من 70 وسيلة تعذيب مختلفة بين نفسي وجسدي وجنسي، فضلاً عن التكديس وسوء ظروف الاحتجاز والإهمال الصحي أو التعذيب في المستشفيات!
مسرد مصطلحات سجنيّة
– شاويش: هو المُعتقَل المسؤول عن التواصل بين السجانين وباقي المعتقلين، وهو المُكلَّف بضبط الأمور داخل الزنزانة الجماعيّة، مثل توزيع الطعام والأماكن، وتنظيم دور دخول المرحاض، ورصِّ المعتقلين وقت النوم، واختيار عناصر السخرة، وهو طبعاً مسؤول أمام السجانين عن الوشاية على المخالفين من زملائه، أو لأي سبب. يحظى الشاويش بمعاملة تمييزية من السجانين، وعادة ما تتشكّل حوله بطانة من المتملّقين من نزلاء المكان.
– ليلي: المُعتقَل المكلّف بالسهر ليلاً وحراسة الزنزانة من الداخل. وعند اكتظاظ المكان يصبح الليلي مجموعة من «الليليّين» أو «السهّيرة».
– فسفوس: الجاسوس أو المخبر الذي يشي بزملائه المسجونين. وله مرادفات كثيرة مثل العصفورة أو العوايني.. وتُسمى الوشاية «طق برغي»، ولا أعرف إن كان للتسمية علاقة بالفسفس أو البق، وهي الحشرة التي تصيب الفراش أو الثياب، وتسبّب الحكّة أو نقل الأمراض.
– بلديّة: لا! ليست المجلس المحلّي أو الجهة المسؤولة عن خدمة المواطنين في البلدة. ولا هي صفة لما يأتي من البلد؛ كأن نقول جبنة بلدية أو بضاعة بلدية. البلديّة اسم، يعني في فرع المنطقة القصعات المتّسخة أو التي تحوي بقايا الأكل. وفي فروع أخرى يعني عناصر السخرة، وأحياناً تشير إلى السجّانين! في تدمر، كانت «البلديات» تشير إلى سجناء عسكريين يُكلَّفون بأعمال السخرة وأحياناً يشاركون في أعمال التعذيب.
– دفعة: مجموعة السجّانين في نوبة الدوام الواحدة، وهم بأمرة «رئيس الدفعة» ويكون أقدمهم بالرتبة العسكرية.
– دعوة: هي مجموعة الأشخاص المعتقلين لنفس السبب، ويُسمون «أولاد الدعوة».
– أولاد الجنزير: غالباً هم نفس أولاد الدعوة، والجنزير إشارة إلى السلسلة الحديدية التي يُجمَع فيها المعتقلون عند سوقهم من مقرّ احتجاز إلى آخر، أو من وإلى المحكمة، إن وُجدت محكمة. وقد يكون أولاد الجنزير من دعاوى مختلفة، لكن عندما يجمعهم الجنزير يُخلَق بينهم رابط جديد من نوع ما، ليصبحوا «أولاد جنزير واحد».
– سُفْرة: المجموعة من المعتقلين عندما يتحلّقون حول قصعة ليشتركوا في حصّة الطعام، فيصبحون أيضاً «أولاد سفرة واحدة».
– القاووش، المهجع، الجماعية أو (جيم): كلها تعني الزنزانة بحسب مكان الاحتجاز، وهناك تاء1 أو تاء2.. بمعنى غرفة تحقيق رقم 1 أو رقم 2.
– البِسْت: قد يوجد في بعض المهاجع، وهو مصطبة مرتفعة عن باقي المكان، ولو قليلاً. لم أعرف قبلاً أن الكلمة نفسها تُستعمل للدلالة على المسرح الذي يقف فيه المغني أو الراقصة في الملاهي الليلية.
– مَعْزَبة: هي المساحة بين سريرين، أو زاوية في المهجع، يستولي عليها صاحب أحد الأسرّة المجاورة بطريقة ما، فيضع فيها طاولةً للشاي والمتّة مثلاً، وقد يستقبل فيها ضيوفَه. وفي حالات أخرى قد يؤجرها بمبلغ أسبوعي! نعم، هناك سوق لتأجير الأسرّة والمساحات في السجون المركزية!
– شرّاقة: هي فتحة في باب الزنزانة، تُستخدَم للتواصل مع السجانين أو لإدخال الطعام بدل فتح الباب. وفي سجون أخرى (تدمر الصحراوي خاصة) تكون الشرّاقة فتحة في سقف الزنزانة يتمكّنُ الحرس بواسطتها من مراقبة المعتقلين. وقد يُطلق اسم «شرّاقة» على أشياء متعددة. وقد وثّقَ راتب شعبو في كتابه «ماذا وراء هذه الجدران» كيف تمدّدت دلالة الكلمة في سجن تدمر حتى أصبحت تُطلق على: فتحة السقف، وطاقة الباب، والعلبة المعدنية لتوزيع الزيت، والبساط المستخدم لتصريف الماء.
– الميدان: الفراغ بين صَفّي الأسرّة على طول القاووش.
– يَطَأْ: ما يفرشه السجين تحته للنوم، قد يكون ملاءة أو بطانيّة، ومن الواضح أنها من yatak التركية. وكثير من هذه المصطلحات جاءت من التركية، وهذه منها تعني السرير. ومن «يطأ» شاعت العبارة الآمرة والساخرة أحياناً: «كل مين على يطؤه» التي يستخدمها الشاويش غالباً لفضّ الاشتباك أو لاستعراض سطوته، فيلتزم السجناء أماكنهم المعتادة.
– التسييف: عملية حشر المعتقلين على الأرض استعداداً للنوم، ويُشرف عليها الشاويش. يضطجع المعتقل على جنبه (على سيفه) ويلتصق الزميل الثاني بحيث يضع رأسه عند قدمي الأول، ثم يليه المعتقل الثالث فالرابع وهكذا. ويُشترَط أن يكون جميع «المسيّفين» على جنب واحد، كالجنب اليمين، وذلك ليكون التقابل (قُبل مقابل قُبل) أو (دُبر مقابل دُبر) ومن نافل القول أن نشرح سبب منع التعاكس! وبعد التسييف يأتي التكبيس.
– التكبيس بعد التسييف: يجلس أحد المعتقلين «الكبّيس» مُلصِقاً ظهره إلى الحائط، ويمدّ رجليه إلى بطن أو ظهر المعتقل المسيّف أمامه، ثم يبدأ بالضغط حتى ينحشر المعتقلون أكثر ليتمكّن معتقل جديد من التسييف بينهم.
– القطار: طريقة اصطفاف المعتقلين وقت الاكتظاظ، بحيث يتناوبون على الوقوف أو الانكماش جالسين أو مستلقين بين سيقان زملائهم الواقفين. وفي سياق آخر يكون القطار: طريقة التنقّل الجماعي داخل مكان الاحتجاز، لدخول المرحاض مثلاً، وبها يسير المعتقلون متخذين وضعية الركوع في الصلاة، بحيث يلصق رأس المعتقل بمؤخرة الذي أمامه في صفٍّ متّصل كعربات القطار.
– التأمين: عملية إحصاء المعتقلين وتأكيد وجود الجميع في أماكنهم.
– حركتين أمان: أن يعرّي المعتقل طرفه السفلي ويأخذ وضعية القرفصاء ثم الانتصاب مرتين متتاليتين، مثل تمرين (السكوات)، ليتأكّد الحرّاس أنه لا يخفي شيئاً في مؤخرته!
– تفلاية: عمليّة اكتشاف القمل من الشعر أو البدن أو الملابس، وخصوصاً الملابس الداخلية.
– شَعْلة: عملية تشغيل السيجارة في الأماكن التي لا يكون فيها التدخين محظوراً، ويقوم بها السجّان عبر الشرّاقة أو عبر شقّ اتصال باب الزنزانة الحديدي بالحائط.
– بَخْشة: هو المرحاض داخل الزنزانة الجماعية.
– خط: تسمية أخرى للمرحاض. كما تواترت تسميته «الكونغرس» بين بعض السجناء.
– جنحة أو جناية: كناية عن قضاء الحاجة؛ الجنحة تعني التبول والجناية تعني التغوط!
– حفلة الاستقبال أو التشريفة أو الترويضة أو الدخوليّة: جولة من تعذيب المعتقل عند وصوله إلى مكان الاحتجاز الجديد، غالباً لا علاقة لها بالتحقيق.
– دولاب: أداة التعذيب المعروفة، ومنها: الفعل «دولبوه» بمعنى استخدموا الدولاب في تعذيبه.
– الكرسي: إذا أُطلِقت فهو الكرسي الألماني. أداة التعذيب المعروفة.
– كفكفة: من «الكفّ» وهو الصفع بكفّ اليد على الوجه. فتكون «كفكفة» بمعنى صفعات عديدة. وقد تسمع عبارة ساذجة مثل: «ما ضربوني.. بس كفكفوني»!
– طمّاشة: عصابة على العينين تُصنَع من قماش أو من الكاوتشوك الداخلي للعجلات.
– كريزا/ تكريز: انهيار عصبي نتيجة التعذيب أو الحبس الانفرادي، ويكون على شكل نوبة من الهياج والهيستيريا. ومنه الفعل: كرّزَ ويكرّز.
– الفَصَلان: يكون غالباً بعد التكريز، أو بعد جولة تعذيب، وهو حالة من الهذيان أو فقدان التوجّه للزمان والمكان، أو فقدان الذاكرة أو الهلاوس.. ويُسمَّى المصاب بأي من ذلك «فاصل».
– استعصاء: في الأصل هو تمرّد فردي أو جماعي يقوم به المعتقلون. والمعنى الآخر هو أن يقوم المُلاحَق لقضايا جنائية، غالباً تتعلق بالمخدرات، بإيذاء نفسه أثناء عملية اعتقاله، باستخدام شفرة أو أداة حادّة، ظنّاً منه أن النزيف والجروح ستجعله يصل إلى مشفى فينجو من «حفلة الاستقبال». وقد يحدث الاستعصاء أثناء مشاجرة بين السجناء. وعادة ما يتفاخر الجنائيون بالندوب التي تتركها الاستعصاءات، وهذه الندوب نفسها قد تُسمى «استعصاءات» بحسب السياق.
– استحباس: يُعرِّفه ياسين الحاج صالح في كتابه عن السجن «بالخلاص يا شباب»: هو حالة السجين حين يستوطن السجن، يسكنه ويسترخي فيه كأنه في بيته. فهو درجة من التكيّف «resilience» يصلُ لها بعض المحبوسين. ومنها وبالقياس نحت راتب شعبو مفردة «الاستدمار» نسبة إلى سجن تدمر، بوصفها حالة غير ممكنة، فإذا كان الاستحباس أمراً ممكناً فإن الاستدمار مستحيل.
-