جنى بركات – صحافية لبنانية
حصل “درج” على وثيقة تتضمّن أسماء عدد من اللبنانيات يعشن في مخيّم الهول منذ العام 2019، وتُظهر الوثيقة وجود 10 نساء، من بينهن 4 متزوّجات فقط، إضافة إلى 20 قاصراً وقاصرة، بينهم 14 طفلاً دون الخامسة.
في عام 2018، ودّعت أمّ محمّد الإيعالي ولدها مع زوجته أمل (اسم مستعار) وابنتيه، الذين اختاروا السفر بالقارب من شمال لبنان باتّجاه تركيا، طمعاً بحياة أفضل.
تعرقلت الخطط حين رفضت السلطات القبرصية استقبالهم، كحال عدد كبير من الهاربين عبر البحر، فانتهى بهم المطاف في سوريا، حيث ولدت حفيدة أخرى لأمّ محمّد، وبعدها إلى مخيّم الهول، حيث تعيش أمل مع بناتها الثلاث حتى هذه الساعة، بحسب رواية أمّ محمّد، التي لم يتح لنا مقاطعتها من مصدر ثانٍ.
أما سوسن (اسم مستعار) التي حدّثتنا من داخل المخيّم، فعبّرت عن أكبر مخاوفها: “بخاف ارجع وما لاقي أهلي موجودين”.
حصل “درج” على وثيقة تتضمّن أسماء عدد من اللبنانيات يعشن في مخيّم الهول منذ العام 2019، وتُظهر الوثيقة وجود 10 نساء، من بينهن 4 متزوّجات فقط، إضافة إلى 20 قاصراً وقاصرة، بينهم 14 طفلاً دون الخامسة.
ما هو مخيّم الهول؟
أنشئ مخيّم الهول في عام 1991 كمأوى للاجئين العراقيين عقب حرب الخليج الأولى، إلا أن دوره تغيّر جذرياً بعد سقوط آخر معاقل تنظيم “داعش” في المنطقة، ليصبح مخيّماً لاحتجاز عائلات مقاتلي التنظيم، وغالبيتهم من النساء والأطفال.
وفي مطلع العام 2019، نزح أكثر من 37 ألف شخص، غالبيتهم من زوجات مقاتلي تنظيم “الدولة الإسلامية” وأطفالهم، إلى المناطق الخاضعة لسيطرة “قسد”، التي كانت المسؤولة عن المخيّم أمنياً وإنسانياً بدعم أميركي، ليتحوّل المخيّم إلى إحدى أكثر القضايا الشائكة في سوريا، لاحتوائه أفراداً من أكثر من 60 جنسيّة، بعضهم رُحِّلوا إلى بلدانهم في أوروبا على دفعات، وبعضهم نحو العراق، في حين ما زال مصير أفراد من جنسيّات أخرى غامضاً.
الوثيقة من المفترض أنها تضمّ أسماء العائلات في لحظة انسحاب “قسد” من المخيّم وتسليمه لسلطات دمشق، لكنّ المفارقة التي اكتشفناها أن عدداً من الأفراد الواردة أسماؤهم في اللائحة عادوا إلى لبنان في فترات سابقة، وهو ما يطرح تساؤلات حول سلوك سلطات “قسد”، التي كانت تقدّم أسماء هؤلاء الأفراد باعتبارهم مقيمين في المخيّم للجهات المانحة، على رغم مغادرتهم.
تواصلنا مع مديرة مخيّم الهول جيهان حنّا للاستيضاح عن الموضوع، فلفتت إلى أن تدوين الأسماء من مسؤولية المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR)، وقالت: “أنا ما بعرف مين طلع ومين فات عالمخيّم، أنا شغلتي كون صلة وصل بين المخيّم والمنظّمات الإنسانية”.
الأهالي ينتظرون العودة
“أثناء محاولة تهريبها إلى لبنان، انفجر لغم بالسيّارة التي كانت تقلّ عائلة ابني، ما أدّى إلى بتر ساق أمل. اليوم هي مقعدة وحالتها حرجة”، هكذا تصف أمّ محمّد وضع كنّتها وبناتها الثلاث، اللواتي “دخلن” مخيّم الهول أواخر العام 2018.
لا تعرف أمّ محمّد حفيدتها الصغرى، إذ وُلدت داخل المخيّم، قبل أن يُقتل ابنها لاحقاً في إحدى المعارك، لتبقى زوجته مع بناتها وحدهنّ داخل المخيّم.
بحسب الوثيقة، سُجّلت أمل، كنّة أمّ محمّد، في مخيّم الهول في 27 شباط/ فبراير 2019، وكان زوجها آنذاك على قيد الحياة، فسُجِّلت كمتزوجة لا كأرملة، وهي الآن بعمر الـ36.
لم ينقطع التواصل بين أمّ محمّد وكنّتها، لكنّه كان بالغ الصعوبة، لا سيّما في ظلّ ضعف شبكة الاتّصال، وتصاعد المعارك في الفترة الأخيرة. وفي آخر مكالمة بينهما، قبل نحو يومين، أخبرتها كنّتها بأنها ترسل بناتها يومياً بحثاً عن الطحين، أو أي شيء يُؤكل، لكن من دون جدوى.
تقول أمّ محمّد بغصّة: “بقيت الأمّ وطفلاتها من دون طعام ليومين. كانت تشكو لي نوم بناتها على معدة فارغة، لكن ما باليد حيلة”، وتضيف: “الأوضاع كانت سيّئة خلال سيطرة “قسد”، لكنّها لم تتحسّن حتى بعد سيطرة الحكومة السورية أخيراً، فشبكة الإرسال ما زالت شبه معدومة، وعلى الرغم من إدخال الأمم المتّحدة المساعدات يوم الجمعة الماضي، فهي لا تكفي الجميع”.
أما سوسن، فتزوّجت من رجل سوري لتنتقل إلى سوريا، وآخر محطّات انتقالها كانت دير الزور، حيث قبض جيش النظام السوري على زوجها، وانتهى به المطاف في سجن صيدنايا. وقالت إنه بعد سقوط النظام حاولت الاستفسار عنه، لكن لا أثر له، ونتيجة استمرار الاشتباكات حينها والقصف الكثيف، حملت سوسن أطفالها إلى مخيّم الهول، مع عائلات رأت فيه ملاذاً حينها، لكنّها علقت هناك لـ8 أعوام.
الهروب من المخيّم
في عام 2024، تمكّنت أمينة من تأمين مبلغ 6 آلاف دولار أميركي، دُفعت لـ”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، التي كانت تسيطر على مخيّم الهول، قبل انسحابها منه في 13 كانون الثاني/ يناير الجاري، عقب المعارك التي خاضتها مع الجيش السوري، وجاء ذلك مقابل خروجها من المخيّم برفقة ولديها، فيما بقيت ابنتها في مخيّم الروج في شمال شرقي سوريا، بحسب ما قالت لـ”درج”.
وصفت سوسن لـ”درج” تفاصيل عيشتها في المخيّم، قائلة: “عملت نفسي سورية مش أجنبية لحتى المعاملة تكون أسهل وأقدر أتنقّل بحرّية أكثر”.
بعدها، تمكّنت من تأمين مبلغ من المال، وعبرت الحدود السورية إلى لبنان بمساعدة مهرّب، لكنّها سلّمت نفسها للأمن العامّ، الذي اتّخذ قراراً بسجنها عاماً كاملاً في ثكنة بربر الخازن في بيروت، ثم أطلق سراحها لاحقاً.
لم تتمكّن أمينة من تهريب ابنتها معها، لأنها سُحبت منها إلى مخيّم الروج، ومذاك لم ترها، وتقول بحسرة لـ”درج”: “عقبال بنتي، بدي شوفها، شو ذنبها تظل بالمخيم!”.
تزوّجت أمينة في لبنان، وزوجها لبناني الجنسيّة، لكن اختارت العائلة الذهاب إلى سوريا حيث المعيشة أوفر، حسب قولها.
أما كنّة أمّ محمّد الإيعالي، وبعد محاولة الهروب الفاشلة، ما زالت تحاول الهروب في ظلّ الظروف القاسية التي تعيشها، وحاجتها إلى عمليّات جراحية بعد بتر ساقها.
أكّدت أمّ محمّد لـ”درج” أنها اتّفقت مع مهرّب طلب منها مبلغ 18 ألف دولار، لإخراج كنّتها وحفيداتها من المخيّم، وأنها جمّعت المبلغ من بيع أثاث المنزل والدّين والمساعدات، لكن الطريق كان دائماً مسدوداً.
وكذلك سوسن، حاولت الهروب مراراً، إلا أن التكلفة وصلت إلى 25 ألف دولار للعائلة الواحدة، وقالت: “ما معي مصاري والمبلغ كبير وكان مصيرنا نظل هون”.
دولة غائبة ولقاء مع الأزواج
مع سيطرة الحكومة السورية على مخيّم الهول، سُمح لعدد من الأزواج بلقاء زوجاتهم اللاجئات، وفقاً لسوسن، كان هذا اللقاء الأوّل بينهم منذ الانتقال إلى المخيّم.
لكن على رغم سيطرة الحكومة السورية على المخيّم في الأسبوع الأخير، أكّدت سوسن أنها لم تتلقَّ أيّ اتّصال مطمئن من المسؤولين في الحكومة اللبنانية. كذلك، كشفت أمّ محمّد أنها حاولت التواصل مع مسؤول أمني في لبنان، لكنّه قال لها: “جيبوا بنتكن تهريب”، في حين ما زالت سوسن تحاول العودة إلى منزلها في لبنان، لتكون مع عائلتها بعد سنوات من المعاناة.
حاولنا التواصل مع وزير الخارجية اللبنانية يوسف رجّي لمعرفة مصير اللبنانيات في مخيّم الهول، لكن لم نحصل على ردّ حتى لحظة النشر.
موقع درج