تمثل التجربة السورية تحت حكم نظام الأسد لأكثر من خمسة عقود نموذجًا صارخًا للاستبداد المُمأسس، حيث تتعمّق إشكالية التحول الديمقراطي وتعقيدات تحقيق العدالة. فبعد هذا العمر الطويل من هيمنة نظام قمعي، لم يعد السؤال يدور حول كيفية إسقاط النظام فحسب، بل حول كيفية معالجة إرث نصف قرن من الانتهاكات المنهجية لحقوق الإنسان، والفساد البنيوي، وتدمير النسيج الاجتماعي.
تُطرح العدالة الانتقالية عادةً من خلال آليات مثل لجان الحقيقة والمصالحة، وجبر الضرر، والإصلاح المؤسسي، وضمان عدم التكرار. غير أن هذه الآليات تفقد معناها إذا لم تُسبَق أو تُرافَق بعملية حاسمة تتمثل في إقصاء المتورطين في الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان من مؤسسات الدولة. هذا الإقصاء ليس فعلًا انتقاميًا، بل ضرورة قانونية وأخلاقية لضمان مصداقية أي تحول ديمقراطي.
فالدولة التي ترث نظامًا استبداديًا لا يمكن أن تبدأ بناء مؤسساتها الجديدة وهي تحتفظ في داخلها بالعناصر التي أدارت آلة القمع والعنف. وجود هؤلاء في الأجهزة الأمنية أو القضائية أو الإدارية يشكّل تهديدًا مباشرًا لأي مسار انتقالي، إذ سيعملون بحكم مصالحهم على إفشال عملية الإصلاح من الداخل لحماية أنفسهم من المساءلة.
يقوم مبدأ الإقصاء على قواعد قانونية متينة؛ فالقانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان، لا سيما في ما يتعلق بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، يقرّان بعدم سقوط تلك الجرائم بالتقادم، ويُلزمان الدول بمحاكمة مرتكبيها أو تسليمهم. كما تؤكد تجارب العدالة الانتقالية في دول مثل جنوب إفريقيا والبوسنة أن بقاء الجناة في مواقعهم يقوّض الثقة في الدولة الجديدة ويعيد إنتاج الانتهاكات في شكل آخر.
أخلاقيًا، فإن السماح لمن تورطوا في التعذيب أو الإخفاء القسري أو القتل خارج نطاق القضاء بالبقاء في مواقع السلطة هو إهانة للضحايا وتطبيع مع الجريمة. فكيف يمكن بناء مصالحة وطنية حقيقية بينما لا يزال الجلاد يحتفظ بسلطته ونفوذه؟ العدالة هنا ليست شعارًا بل شرطًا لبناء سلام دائم.
التجربة السورية: خصوصية التعقيد وضرورة التفكيك
في الحالة السورية، حيث تماهت الدولة مع أجهزة القمع حتى غدت امتدادًا لها، تصبح عملية تفكيك المنظومة الأمنية وإعادة بنائها أولوية قصوى. فالنظام الأمني والميليشيات الموالية له شكّلوا العمود الفقري للاستبداد، ما يعني أن أي إصلاح شكلي دون إقصاء العناصر المتورطة لن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج القمع بلبوس جديد.
ولا يقتصر الأمر على الجناة الميدانيين، بل يمتد إلى القيادات السياسية والعسكرية والقضائية التي وفّرت الغطاء القانوني والمؤسسي لتلك الجرائم. لذا يجب أن تكون عملية الإقصاء شاملة وشفافة، تستند إلى معايير قانونية واضحة، وتخضع لرقابة قضائية مستقلة تحول دون تسييس العدالة أو تحويلها إلى أداة للانتقام.
إن تجارب مثل العراق بعد 2003 تُظهر مخاطر الإفراط في العزل السياسي دون معايير موضوعية، فيما تبيّن تجربة تونس أن الاقتصار على الإصلاح الإداري دون محاسبة فاعلة يضعف الثقة العامة. بين هذين النموذجين، تحتاج سوريا إلى مقاربة متوازنة: إقصاء عادل ومدروس يمهّد لمصالحة حقيقية.
ليس الهدف من الإقصاء الانتقام، بل تطهير مؤسسات الدولة من أدوات القمع، تمهيدًا لبناء عقد اجتماعي جديد. إنه الخطوة الأولى التي تفتح الطريق أمام بقية أدوات العدالة الانتقالية لتؤدي وظيفتها بفعالية. فكيف يمكن للضحايا أن يثقوا بلجنة للحقيقة يرأسها من كان جلادهم؟ وكيف يمكن للأقليات والمناطق المهمشة أن تؤمن بالمصالحة وهي ترى رموز القمع القديم يواصلون نفوذهم؟
إن التحول الحقيقي في سوريا ما بعد الأسد لا يعني فقط تغيير الوجوه، بل تفكيك البنى الاستبدادية التي مكّنت النظام من الاستمرار لعقود، وإعادة تأسيس الدولة على قاعدة احترام كرامة الإنسان وسيادة القانون. بدون هذه الجرأة في مواجهة الماضي ومساءلة الجلادين، سيبقى المستقبل رهينة لأشباح الماضي، ولن تقوم عدالةٌ تُعيد الثقة بين المواطن والدولة.