طُرحَ في الآونة الأخيرة موضوع الخصخصة بوصفه خياراً استراتيجياً للسلطة الجديدة في دمشق، بل وجرى تحديد عدد من الشركات المُرشَّحة للدخول في هذا المسار. ويُروَّجُ للخصخصة بوصفها خياراً لمعالجة الآثار التي تركها النظام السابق والحرب، والسعي باتجاه تحقيق إعادة الإعمار والتنمية في سوريا. يحمل هذا الخيار في طياته بذور ردِّ الفعل على خيارات نظام آل الأسد الذي وصِف بـ«الاشتراكية» في مرحلة ما. ويدور اليوم جدلٌ محتدم بين أنصار الخصخصة والمعادين لها. إذ تُعدّ الخصخصةُ موضوعاً إشكالياً يُفضي عادة إلى خندقةِ المتحاورين حولها ضمن خيارات حدّية. فهناك فئة ترى في الخصخصة بلسماً للجراح الاقتصادية فيما تراها أخرى شيطاناً مطلقاً يُدمر الاقتصاد والعدالة الاجتماعية. ونظراً لكونها ظاهرة اجتماعية وخياراً اقتصادياً اجتماعياً نجح في بعض الدول وفشل في أخرى، فإن الجدل المُتخندق حولها لا يُنتِجُ سوى مزيد من التّجييش والاستقطاب الاجتماعي والسياسي، ولا يؤدي إلى أية مخرجات مفيدة باتجاه صياغة خيارات بنّاءة في السياسات الاقتصادية للبلاد، ولا يُلقي الضوء على مكامن الخلل، بل يبحث عن مبررات تدعم خيارات وأفكار مُسبقة. في الواقع، يمكن العثور بسهولة على مبررات تساند هذا الموقف أو ذاك. غير أن ذلك لا يُفضي إلى تغيير حقيقي، ويظلّ كل طرف متمترساً في خندقه.

أزعمُ أنني سأحاول في هذه المادة نقل النقاش إلى حيّز أكثر جدوى. فإذا كانت الخصخصة نجحت في دول وأخفقت في أخرى، فهذا يعني أن جوهر المشكلة، والحل أيضاً، ليس كامناً في الخصخصة ذاتها. فأين تكمن المشكلة إذاً؟ هذا هو السؤال الذي يجب أن يُوجَّهَ إليه جهدُ المتجادلين. فالأَولى البحثُ عن أسباب فشل الخصخصة ومن ثم عوامل نجاحها، وعلى أساس تلك المعطيات يمكن مقاربتها كخيار اقتصادي نافع قائم على الحساب الاقتصادي العقلاني وليس التخندق الإيديولوجي.

الغاية الأساسية المُعلَنة للخصخصة، أي تحويل ملكية الموارد الإنتاجية ومن ثم إدارتها من الدولة إلى القطاع الخاص، هي تحقيق الكفاءة الاقتصادية في توظيف تلك الموارد. وينبغي هنا الانتباه إلى أن موارد المجتمع لا تقتصر على الأصول الإنتاجية المادية أو رأس المال المالي، بل تشمل العمل والأرض وما تحتويه إضافة إلى التنظيم أو ريادة الأعمال. وهذا يعني أن تعريف الكفاءة وقياسها مسألة إشكالية ومتعددة المستويات، وقد لا تتطابق هذه المستويات فيما بينها.

تُعدّ الموارد على اختلاف أشكال ملكيتها القانونية – سواء كانت عامة أو خاصة أو مشاعاً – ملكية للمجتمع. فالثروات والأصول تتحول بين الأفراد وبين الصيغ القانونية المختلفة لكنها تبقى ضمن الإطار المجتمعي نفسه، ومن ثم فإنها جزءٌ من أصول المجتمع إلى جانب كونها حقوقاً للأفراد. لذلك فإن للكفاءة وجهين رئيسيين هما الكفاءة الفردية والكفاءة الاجتماعية. والكفاءة الفردية تتحقق عندما يظفر مالك المورد بأقصى عائد ممكن منه، وهذا العائد قد يكون ربحاً أو أجراً أو إيجاراً أو فائدة، تبعاً لطبيعة المورد ونوعه. على مستوى الشركة مثلاً تُشير الكفاءة إلى تحقيق أقصى ربح لصاحبها، أو لرائد الأعمال. أمّا على المستوى الاجتماعي فإن استخدام المَورد لتحقيق أقصى عائد للمالك الفرد قد لا يُحقق أقصى منفعة مجتمعية. فالمجتمع يهدف لتحقيق الاستخدام الأمثل لجميع موارده بحيث تُشبِعُ أكبر قدر من حاجاته بأعلى جودة وأقل كلفة، وتُقاس المنفعة المجتمعية بمقدار القيمة المُضافة المُتحققة من الاستخدام، وهي تشمل مداخيل كل أفراد المجتمع – أي الربح والإيجار والأجور والفوائد – لا دخل فرد واحد أو شركة بعينها. لذلك فإن بعض الاستخدامات المُجزية للموارد على مستوى المشروع الفردي قد تُسبب أضراراً للمجتمع، مثل الأضرار البيئية التي قد يُسببها مشروع ما. كذلك يمكن لشخص ما أن يعمل مع عصابة قتل بأجر مرتفع جداً، وهو يستخدم مورده البشري بكفاءة عالية، لكنه يُضر بالمجتمع. وعليه فإن خصخصة مشروع ما، أو مورد ما، قد يُحوله لاستخدام مربح على المستوى الفردي، لكن هذا لا يضمن بالضرورة الكفاءة على المستوى المجتمعي.

للتوضيح بصورة أدق، يمكن القول إن الكفاءة على مستوى المشروع الفردي تعني ببساطة: خفضُ التكاليف ورفعُ الإنتاجية ومن ثم تحقيقُ أعلى عائد لصاحب المشروع. أمّا الكفاءة على مستوى المجتمع فهي أكثر شمولاً وتعقيداً، وهي تعني: تخصيص الموارد بما يضمن أعظم منفعة للمجتمع ككل، ومراعاة الآثار الخارجية الإيجابية والسلبية، وضمان العدالة والإنصاف وتوفير السلع والخدمات العامة بشكل عادل.

ولتقريبِ الفكرة، يُمكن تصور حالة صاحب مزرعة أبقار يسعى لزيادة أرباحه، قد ينجح في ذلك عبر: تقليل التكاليف بشراء أعلاف أقل ثمناً، وتحسين الإنتاجية باستخدام تقنيات حديثة، فتكون النتيجة ربحاً أكبر له من خلال إنتاج حليب أكثر بتكلفة أقل، في هذه الحالة تلتقي الكفاءة الفردية مع الكفاءة المجتمعية فتتحقق المنفعة للمجتمع بأكمله. لكن لو قرر صاحب المزرعة التخلص من مخلفات الأبقار بإلقائها في النهر لتوفير تكلفة معالجتها، فإنه في هذه الحالة يرفعُ من أرباح مشروعه الشخصي، لكنه على مستوى المجتمع يتسبّبُ بضرر صحي وبيئي لجيرانه وللمدينة القريبة كلها.

إن تحمُّلَ الفرد لمسؤولية استخدام مورده، أي تمتعه بالملكية الخاصة، يُطلق طاقاته الإبداعية ليوجه جهوده نحو الاستخدام الأمثل. لكن هذا  المبدأ لا يتحقق في فراغ بل ضمن سياقات اجتماعية. فليست كل المجتمعات قادرة على إسناد هذه المسؤولية للفرد. وهنا تبرز فكرة حق الملكية الخاصة، ودرجة تطور المجتمع بحيث يستطيع تعريفها وحمايتها. المهم في هذا السياق أن المسألة ليست في نقل الملكية بل حماية حق الملكية الخاصة لجميع الموارد، وليس رأس المال أو الأصول الإنتاجية المادية فقط.

من أجل الوصول إلى تقييم أكثر موضوعية للخصخصة انطلاقاً من غايتها الأساسية، أي تحقيق الكفاءة الاقتصادية، من المفيد أن نتناولها من منظور مدرستين رئيسيتين في علم الاقتصاد؛ هما المدرسة النيوكلاسيكية والمدرسة المؤسسية الجديدة.

الكفاءة، في علم الاقتصاد، وبمعناها العام، هي القدرة على تحقيق أقصى إشباع ممكن لحاجات لا محدودة بالاعتماد على موارد محدودة بطبيعتها، أي معالجة مشكلة الندرة. على المستوى الفردي، يختبر كل مواطن هذه المشكلة حين يُقرر كيف ينفق دخله المحدود على حاجاته غير المحدودة. أمّا على المستوى المجتمعي، فتظهر بصيغة الأسئلة الثلاثة التي تلخّص علم الاقتصاد: ماذا ننتج؟ كيف ننتج؟ ولمن ننتج؟ في اقتصاد السوق يُجاب عن هذه الأسئلة، نظرياً، عبر آلية السوق. حيث تُفصِحُ الحاجات عن نفسها من خلال الطلب، وينعكس مقدار شدة الحاجة وأهميتها للفرد والمجتمع في ارتفاع الطلب، ومن ثم ارتفاع الأسعار. بالمقابل يراقب رجال الأعمال، على سبيل المثال، معلومات الطلب وارتفاع الأسعار، لتوجيه الموارد وتوظيفها في الإنتاج، أو تلبية الطلب، في المجالات التي تُظهر سعراً أعلى لأنها تَعِدُ بفرص ربح أكبر. بالمنطق نفسه يتوجه الطلبة لدراسة التخصصات التعليمية النادرة ذات الأجور المرتفعة. ومع سعي مالك المورد – ملكية خاصة – لتحقيق أقصى عائد شخصي له، الذي يمثل الربح بالنسبة لرجل الأعمال والأجر بالنسبة للطالب الساعي لفرص العمل، تتطابق حاجة المجتمع من حيث الحجم والأهمية.

من منظور النظرية النيوكلاسيكية، تُعَدُّ الخصخصة استعادةً لمنطق السوق. فالسوق عند هؤلاء هو الآلية المُثلى لتحقيق الكفاءة؛ إذ تُوفِّرُ الأسعارُ معلومات عن الندرة والتكلفة، ويدفع السوق المنتجين لتحسين الأداء عبر خفض التكاليف ورفع الجودة تحت ضغط المنافسة. وبهذا تتحققُ منفعة للطرفين؛ الفرد والمجتمع. يظفر صاحب المشروع بأعلى ربح ممكن، فيما يحصل المجتمع على السلع بأقل الأسعار وأعلى جودة. غير أن هذا التفاؤل المُفرط بقدرة السوق التلقائية على تنظيم نفسه يتغافل عن حقيقة أعمق يطرحها الاقتصاد المؤسسي، فهذا الأخير لا يرى الأسواق كآليات مُكتملة، بل كبنى اجتماعية تحتاج قواعد صارمة وضوابط تنظيمية لكي تعمل بفعالية. فالسوق لا يُنجِزُ الكفاءةَ وحده؛ بل يُنجِزُها إذا توافرت مؤسسات قادرة على: حماية الملكية وإنفاذ العقود بنزاهة، وضبط الممارسات الاحتكارية والفساد، وضمان تكافؤ الفرص بين المتنافسين. والخصخصة في غياب هذه البنية المؤسسية الصلبة قد تتحول إلى وصفة لنقل الاحتكار من القطاع العام إلى تكتلات ضيقة المصالح، أو إلى إعادة توزيع الثروة لصالح نخبة سياسية واقتصادية محدودة.

تُشير التجارب إلى أمثلة ناجحة في الخصخصة. ففي بريطانيا خلال فترة مارغريت تاتشر (1979–1990)، خُصخِصًت قطاعات ضخمة مثل الاتصالات والطاقة، وكانت النتيجة تحسناً واضحاً في الإنتاجية وانخفاض التكاليف التشغيلية. وكذلك في تشيلي، خُصخِصَت شركات التعدين والكهرباء والمصارف منذ السبعينيات والثمانينيات، وأدى ذلك إلى تدفق استثمارات ضخمة وتحسن الأداء التنافسي. وفي الحالتين يؤكد باحثون على أن وجود مؤسسات قادرة على تطبيق القانون وضبط قواعد اللعبة الاقتصادية كان شرطاً للنجاح. بالمقابل هناك تجارب فاشلة، كحال كثير من البلدان التي خاضت الانتقال الاقتصادي من النظام الاشتراكي إلى اقتصاد السوق دون بناء مؤسسات قوية. مثلاً، في روسيا خلال التسعينيات من القرن الماضي، نُفذت الخصخصة بسرعة ومن دون ضوابط فعّالة، فتحولت إلى ما وصفه ستيغليتز «بيع للأصول العامة بثمن بخس لصالح قلة متنفّذة». وكذلك أشار كلاوس ماير، نتيجة أبحاثه عن التحولات في أوروبا الشرقية، إلى أن الخصخصة الناجحة لا يمكن أن تحدث دون إصلاحات قانونية شاملة وشفافية مؤسسية صارمة. وتُعَدُّ أوكرانيا مثالاً واضحاً إذ خُصخِصَت الأصول بسرعة تحت ضغط برامج «العلاج بالصدمة»، لكن ضعف المؤسسات القضائية والرقابية أدّى إلى تفشي الفساد وإهدار الموارد. في المقابل اتّبعت بولندا، التي خاضت الانتقال ذاته، نهجاً تدريجياً في الخصخصة تزامن مع إصلاح القضاء وإنشاء هيئات رقابة منافسة وقوية، فحققت في المحصلة نمواً اقتصادياً مستمراً ورفعت مستوى المعيشة. تظهر هذه التجارب أن وضوح الأهداف السياسية وتأسيس قواعد مؤسسية راسخة كانا عاملين أساسيين لتحقيق نتائج إيجابية على المدى الطويل.

في الحالة السورية، هناك أمثلة واضحة على ضعف الكفاءة في المؤسسات العامة. فهناك مؤسسات صناعية كبيرة تعمل منذ سنوات بطاقة إنتاجية متدنية، وشركات خدمات تُثقلها البيروقراطية والفساد وضعف الحوافز. ما يُراكم خسائر مزمنة لخزينة الدولة. بالتوازي مع ذلك وفي مراحل ما بعد الصراعات الكبرى، كما في الحالة السورية، غالباً ما تتحول الملكية الخاصة والعامة إلى أدوات بيد السلطة المُنتصرة لإعادة توزيع النفوذ والمكافآت وفق الولاء السياسي أو الأيديولوجي. وتصبح الملكية مرهونة بالانتماء لا بالقانون. وبذلك يُمكن أن تتحول الخصخصة إلى تقاسم للغنائم، بدل أن تكون خطوة نحو إطلاق اقتصاد سوق حرّ، في ظلّ غياب ضمانات قانونيّة مستقلة واستمرار منطق السيطرة بالقوة، ما يجعل أي استثمار هشاً وعُرضة للمصادرة والتقلّب مع تغيّر موازين القوى. فالخصخصةُ، في هذا السياق، ليست مسألة نقل ملكية فقط، بل هي قرار استراتيجي يَمسُّ: توزيع الدخل والثروة، واستقرار سوق العمل، وحماية المستهلكين.

بناء على ذلك، لكي تنجح الخصخصة في سوريا يجب تلبية جملة من الشروط الأساسية:

–  إجراء تقييم دقيق لكل شركة حكومية، والإجابة عن سؤال:هل تحتاج إلى خصخصة كاملة، أم إلى شراكات مع القطاع الخاص، أم مجرد إصلاح إداري؟

– ضمان استقلالية القضاء وتفعيل قوانين المنافسة، لتجنب نشوء احتكارات جديدة.

– تأسيس هيئات تنظيم مستقلة تتولى مراقبة الجودة والأسعار، وتحمي المستهلكين.

– إطلاق برامج حماية اجتماعية تُعوّض العمال المتضررين وتُساند الفئات الفقيرة.

– تحقيق أعلى درجات الشفافية في العقود والمناقصات.

ختاماً، فإن النقاش السوري حول الخصخصة يجب ألا يبقى أسير مقولات النيوكلاسيكية التي تختزل المشكلة في قوى السوق، ولا أسير حنين إلى القطاع العام بوصفه ضمانة وحيدة للعدالة الاجتماعية. بل ينبغي أن ينطلق من سؤال مركزي: كيف نبني مؤسسات قوية تضمن أن تصبح الخصخصة أداة للكفاءة الاقتصادية، لا وسيلة لإعادة توزيع الامتيازات؟ إن نقاشاً على هذه الأسس سيضمنُ الوصول إلى نتائج تُفيد في صياغة سياسات فعّالة وتوافقات مجتمعية تخدم النمو الاقتصادي والتماسك المجتمعي على المدى الطويل.