في كلّ الحروب تقريباً، الموثّقة أو التي لم يوثّقها المؤرّخون، هناك جبهة لا تُذكر في خرائط المعارك ولا في بيانات الجيوش: أجساد النساء. ليست هذه الجبهة خفيّة، بل تُدار في صمتٍ وتواطؤ بين المعتدين والمجتمع الدولي، وأحياناً المجتمع المحلي نفسه. يُقدَّم الاغتصاب دوماً “نتيجة جانبية” للفوضى، وكأنّ الحرب تفتح الباب أمام “انفلات الغرائز”. لكن الحقيقة يعرفها الجنود والضحايا والمراقبون: العنف الجنسي ليس فوضى، بل نظام. هو سلاح يُستخدم بوعيٍ كامل، وبحسابات دقيقة، لتفكيك المجتمعات باعتباره مدخلاً أولياً لهزيمتها.
في البوسنة، ورواندا، وسيراليون، والكونغو، وسورية، والعراق، والسودان، وفلسطين، وأوكرانيا، تتكرّر القصة، وإن اختلفت الشعارات. حين يستهدف الجنود النساء في منطقة ما، لا يكون الهدف إلحاق الأذى بأجسادٍ بعينها، بل تفكيك الروابط التي تحفظ الجماعة وإعادة ترتيب السلطة داخلها، فالعنف هنا ليس نوبة غضب، بل رسالة سياسية موجّهة إلى مجتمعٍ كامل: لا حماية ممكنة ولا حدود ثابتة. عبر هذا الفعل، يتحوّل الجسد إلى أداة لإعادة توزيع الخوف والسيطرة، ويُستخدم لتأكيد هيمنةٍ جديدة تتجاوز الميدان العسكري إلى المجال الاجتماعي والرمزي.
تاريخياً، لم يكن التعامل مع الاغتصاب أفضل من الحال اليوم. في الحرب العالمية الثانية، عُرفت آلاف النساء الكوريات اللواتي أُجبرن على الخدمة الجنسية في الجيش الياباني باسم “نساء المتعة”، ولم يعترف بهنّ رسمياً إلا بعد عقود. وفي الجزائر الاستعمارية، رفضت فرنسا عقوداً الاعتراف بحالات الاغتصاب المنهجي التي وثّقتها لاحقاً شهادات المقاومات.
“تأديب” السكان
من منظور عسكري ــ سياسي، يعتبر الخوف عملة استراتيجية. الاغتصاب يولّد خوفاً ثلاثي الأبعاد: خوف الضحية، خوف العائلة، وخوف المجتمع بأسره. حين يعجز الفرد عن حماية الجسد الأقرب (جسد الابنة أو الزوجة أو الأم)، تنهار إحدى أهم “أساطير الحماية” التي تمنح الجماعات شعوراً بالتماسك والقدرة على البقاء. هكذا يتحوّل الاغتصاب إلى أداة تهجير قسري: إمّا أن ترحل الجماعة طلباً للأمان، أو تبقى تحت سلطة المعتدي وقد انكسرت إرادتها الجمعية.
أقوى ما يجعل الاغتصاب سلاحاً فعالاً هو البنية الثقافية التي تُحمِّل النساء عبء “شرف الجماعة”
يظهر هذا المنطق بوضوح في دارفور، وفي سيراليون خلال التسعينيات، حين استخدمت المليشيات الاغتصاب الجماعي لترهيب القرى ودفع السكان إلى النزوح الجماعي. وفي أوكرانيا، وثّقت الأمم المتحدة شهادات لنساء تعرّضن للاغتصاب في القرى التي احتُلّت لفترات وجيزة، باعتباره وسيلة إذلالٍ جماعي لمدنيين لا يحملون السلاح. ومع كلّ حادثة، تتراجع الحياة العامة للنساء (التعليم، العمل، التنقّل)، فتُقفل الساحات التي تُنتج السياسة اليومية، ويُعاد ترتيب الفضاء العام على مقاس سلطة السلاح.
وتقييد حركة النساء ليس “عرضاً جانبياً” للحرب بل هدفٌ في ذاته: فحين تنسحب النساء من المدرسة أو من سوق العمل، يُعاد إنتاج سلطة الذكور المُسلّحين في قراهم ومدنهم. وتندمج البنية الأبوية بالتكتيك العسكري، فيخيف المسلّح الرجال عبر أجساد النساء، ثمّ تتولى الأعراف الذكورية بقية المهمة عبر الوصم والعزل.
إذلالٌ عمومي
الاغتصاب سلاحٌ استعراضي قبل أي توصيف آخر: يُرتكب علناً أو تُسرَّب حكايته عمداً. الفعل موجّه ضدّ الجمهور بقدر ما هو موجّه ضدّ الضحية. في البلقان ورواندا والكونغو ودارفور، تكرّرت أنماط الاغتصاب الجماعي أمام الأقارب أو في مراكز الاحتجاز، أو أُجبر فيها أفراد العائلة على اغتصاب ذويهم. الهدف ليس الاعتداء على الجسد فحسب، بل تدمير العلاقة داخل الأسرة والحيّ والعشيرة، في مجتمعات تقوم على التضامن الجماعي.
في العراق وفي عهد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، تحوّل استعباد النساء الأيزيديات إلى نظامٍ موازٍ للسلطة، يقوم على تسليع الجسد واستخدامه أداة إذلالٍ ديني وسياسي. وفي الجزائر الاستعمارية، كان اغتصاب النساء وسيلة لترسيخ صورة التفوّق الفرنسي ولتحطيم نسيج المقاومة الشعبية. كلّ هذه الأمثلة تُظهر أنّ العنف الجنسي في الحروب ليس نتاج الكراهية وحدها، بل أداة منظّمة لإلغاء الذات الجماعية للمقهورين.
وحين تتكفّل الأعراف بوصم الناجية أو طردها، يصبح المجتمع نفسه جزءاً من ماكينة العقاب. فتُجرَّد النساء من سندهن الاجتماعي، ويُستبعدن من العمل والتعليم، وتُعاد صياغة مفهوم “الشرف” بما يخدم منطق الغزاة. سياسياً، يؤدي هذا إلى كسر الإرادة الجماعية للمجتمع: عائلة مفكّكة وجماعة مثقلة بالعار أقلّ قدرة على المقاومة والتنظيم.
اقتصاد حربي للجسد
في حروبٍ كثيرة، يُعامَل الاغتصاب عملياً نوعاً من المكافأة للمقاتلين: توسيع هامش الإفلات من العقاب وغضّ الطرف من القادة، وتوفير فضاءات خاصة لـ”الغنيمة” (منازل، معسكرات، سجون)، تصنع اقتصاداً حربياً للجسد. فالمكافأة هنا مزدوجة: الحفاظ على المعنويات والانضباط داخل الوحدات المقاتلة، وتسليع النساء ضمن نظام التراتب الذكوري، حيث تصبح السيطرة الجنسية معياراً لقياس النفوذ بين المقاتلين أنفسهم.
حين تتكفّل الأعراف بوصم الناجية أو طردها، يصبح المجتمع نفسه جزءاً من ماكينة العقاب
عرفت الكونغو هذا النمط على نطاق واسع خلال العقدين الماضيين، كما عرفه جنوب السودان وسيراليون، حيث استُخدمت النساء “رواتب عينية” لمقاتلين بلا أجور. وعرفته سورية في سجون النظام، حيث صار الاغتصاب جزءاً من آلة الإخضاع الأمني، ووسيلة لإذلال الخصوم السياسيين والانتقام منهم. في هذه السياقات، تتجسّد ما تسميه الباحثة النسوية الأميركية سينثيا إنلو بـ”عسكرة الذكورة”: رجولة تُقاس بالقدرة على الإخضاع، لا بالانتصار في المعركة.
تحويل الجسد إلى حدٍّ سياسي
حين يُستخدم الاغتصاب لفرض حملٍ قسري أو لإجبار جماعةٍ على الفرار الواسع، فنحن أمام هندسةٍ سكانية بالمعنى الحرفي: إعادة رسم الخريطة البشرية عبر الرحم. في رواندا والبوسنة، وثّقت المحاكم الدولية كيف تحوّل الاغتصاب إلى سياسة لـ”تلويث النسب” أو لزرع وصمة تُقصي النساء من الزواج وإنجاب أطفال “من جماعتهم”، ما يعني تآكلاً ديموغرافياً بطيئاً للضحايا وجماعتهم. ولعلّ ما سمعناه في السودان قبل أسابيع من القائدة في قوات الدعم السريع، شيراز خالد، وهي تحرّض من أجل قتل المدنيين واغتصاب النساء في شمال البلاد “لتطهير نسلهن”، هو أكثر الأمثلة فجاجة على هذا الخطاب. في أوكرانيا أيضاً، تحدّثت نساء في القرى المحتلة عن تهديداتٍ مشابهة بعبارات “تلويث الدم” و”إنجاب أطفال روس”، في إعادة صريحة لاستخدام الجسد كحدّ سياسيٍّ وعرقيٍّ للهوية.
سياسياً، يعمل هذا التكتيك بوصفه تكثيفاً للحصار الطويل: بدلاً من سنوات من التجويع وتقييد الحركة لإحداث التهجير، يكفي نشر الرعب الجنسي ليدفع الناس إلى ترك بيوتهم. إنها استراتيجية أرضٍ محروقة، لكن على مستوى النسيج الاجتماعي لا الأرض وحدها.
تواطؤ “الشرف” والسلاح
أقوى ما يجعل الاغتصاب سلاحاً فعالاً هو البنية الثقافية التي تُحمِّل النساء عبء “شرف الجماعة”. في مثل هذه السياقات، يصبح الاعتداء على امرأة واحدة اعتداءً على جماعة بأكملها، فيتضاعف الأثر الرمزي للفعل.
من المفيد ربما هنا العودة إلى وثائقي “سورية: الصرخة المخنوقة” (2017)، للمخرجة مانون لوازو، الذي عُرض على قناة فرانس 2. نتابع في الفيلم قصة السيدة السورية علوى، التي اغتُصبت في المعتقل على يد المُحقّقين، ثم قتلها والدها بعد خروجها حفاظاً على “شرفه”. هنا يصبح العار حلقة وصلٍ بين الجلاد والمجتمع، ويتحوّل الجسد إلى ساحة تنفيذٍ مزدوجة: من طرف السلطة ومن طرف العائلة. هذا التواطؤ اللاإرادي هو الذي يمنح السلاح فعاليته القصوى، لأنّ المغتصِب لا يحتاج إلى تكرار فعله حين يتكفّل المجتمع بإكماله.
المنفعة الباردة
جزءٌ كبير من العنف الجنسي في النزاعات يحدث بعد الهدنة أو بعيداً عن الجبهات: نقاط تفتيش، مراكز احتجاز، طرق جمع الماء والحطب، النقل العام… وهذا يفسّر لماذا لا ينتهي السلاح الجنسي بتوقف القتال. فالبنى التي ترسّخت خلال الحرب (الإفلات من العقاب، عسكرة الأمن، واستباحة الفضاء العام)، تواصل عملها.
العنف الجنسي لا يحدث خارج السياسة، بل يعبّر عن منطق السلطة نفسه
لكن لماذا يتكرّر التكتيك رغم تجريمه الدولي؟ لأنّ المنفعة السياسية والعسكرية غالباً ما تتجاوز الكلفة. فحين تُوقَّع اتفاقات سلام تُكافئ أمراء الحرب وتدمجهم في أجهزة الدولة، بينما تُهمل العدالة وجبر الضرر، يتلقّى القادة رسالة واضحة: التكتيك ناجح وثمنه محدود. منذ البوسنة حتى السودان، مروراً بسورية والكونغو، يتكرّر المشهد نفسه. وحتى اليوم، نادراً ما ذكرت اتفاقات السلام العنف الجنسي صراحة، وأكثر ندرة إقرارها مسارات تعويض فعّالة. وهكذا، يصبح الاغتصاب ملفاً قابلاً للمقايضة في المفاوضات، لا جريمة تستوجب العقاب.
فعلٌ سياسيّ أولاً
لم يكن الاغتصاب في زمن الحرب يوماً ما عملاً استثنائياً أو خروجاً عن النظام القائم، بل هو انعكاس له. فالعنف الجنسي لا يحدث خارج السياسة، بل يعبّر عن منطق السلطة نفسه: من يملك السيطرة على الأجساد يملك في الوقت نفسه سلطة تقرير من يُعَدّ مواطناً ومن يُستبعَد. بهذا المعنى، الاغتصاب يصبح أداة حكمٍ غير رسمية، تُستخدم لترهيب جماعات وتثبيت سيادة جماعات أخرى. حتى عندما تُرتكب هذه الجرائم على يد مليشيات، لا يمكن القول إنّ الدولة غائبة. فالمؤسّسات الرسمية (الشرطة، القضاء، الجيش، الإدارة المحلية)، تملك القدرة على المنع أو المحاسبة، أو العكس، على التواطؤ بالصمت. وحين تختار الدولة الصمت، فإنها تمنح ترخيصاً ضمنياً للعنف وتتحوّل من جهة حماية إلى شريكٍ في الجريمة.
رواندا، البلقان، الكونغو
تُبرز التجارب التاريخية هذا المنطق بوضوح. في رواندا، كان الاغتصاب جزءاً من مشروع الإبادة: تدمير الجسد الفردي لقتل الجماعة، وإكراه النساء على حملٍ قسري يُذيب الهوية ويشوّه الذاكرة. في البوسنة والهرسك، تحوّل الاغتصاب إلى سياسة اعتقالٍ واستعبادٍ جنسي يمكن التخطيط لها وتنظيمها ضمن سلاسل القيادة. أما في الكونغو، فالعنف الجنسي يتفاقم كلما تفكّكت الدولة وازدهر اقتصاد الحرب، حيث تُستبدل المؤسسات المدنية بذكورةٍ عسكرية تجعل السيطرة على الجسد جزءاً من دورة الحياة اليومية.
تحوّل الاغتصاب إلى سياسة اعتقالٍ واستعبادٍ جنسي يمكن التخطيط لها وتنظيمها ضمن سلاسل القيادة
ومهما اختلفت الجغرافيا أو اللغة، يبقى المنطق واحداً: الاغتصاب قرارٌ نَفعيّ يتغذّى من انهيار القانون ومن سرديات الهوية، ويُترجَم إلى مكاسب سياسية ملموسة.
كيف نقرأ واقع السودان اليوم؟
إذا نظرنا إلى الوقائع السودانية من خلال هذا الإطار، سنجد أنّ العنف الجنسي ليس فعلاً فوضوياً، بل سياسة تهدف إلى إعادة ترتيب الخوف والسلطة داخل المجتمع. فكل حادثة تُضاعف الخوف وتُضيّق الفضاء العام أمام النساء، ما يدفع العائلات إلى محاصرة بناتها داخل المنازل، فيتحوّل العنف إلى وسيلة لإعادة إنتاج السيطرة الأبوية في قلب الأسرة نفسها.
وحين يغيب العقاب أو تُخفَّف المسؤولية عن الجناة، يصبح الاغتصاب امتيازاً تنظيمياً داخل صفوف المسلحين في قوات الدعم السريع، يُكافأ ضمناً كما تُكافأ الطاعة العسكرية. في الخطاب السائد بين بعض المقاتلين، تُستعمل فكرة “تطهير النسل” لتبرير العنف، فيتحوّل الجسد الأنثوي إلى أداة للهندسة السكانية، يُستهدف بها المجتمع لا المرأة وحدها، ويُستخدم لإفراغ مناطق بأكملها من سكانها أو لتبديل تركيبتها العرقية.
أما في الفضاء الإعلامي، فالمقاطع المصوّرة التي تُتداول ليست مجرّد توثيقٍ عفوي، بل تُستعمل بوصفها سلاحاً نفسياً مقصوداً لبثّ الذعر وتعميق الشلل الاجتماعي. لهذا، لا تكفي الإدانة أو التوثيق. المطلوب قراءة كلّ واقعة باعتبارها جزءاً من بنية سياسية للعنف: ما الغاية من الفعل؟ على أي جماعة يُمارس؟ وما الأثر الذي يُراد إنتاجه؟ وحده هذا التحليل يكشف كيف تُستخدم أجساد النساء كأوراق تفاوضٍ غير معلنة في حسابات الحرب.
(استخدم الذكاء الاصطناعي التوليدي في ترجمة بعض المراجع، ومقاطعة المصادر والتدقيق فيها)