
ملخص
لكن “ماغا” في النهاية قناعة، وسلوك بشري، وحتى أوهى الظواهر الإنسانية على علاقة بالقيم والمبادئ تستند إلى أفكار ويؤسسها “مفكرون”. وجذور “ماغا” الفكرية هذه هي الموضوع الذي انشغلت به لورا كيه فيلد على مدار سنين حتى أثمر انشغالها كتاباً بعنوان “عقول غاضبة: تكوين يمين (ماغا) الجديد”. صدر أخيراً عن مطبعة جامعة “برينستن” في أكثر قليلاً من 400 صفحة.
قد يبدو غريباً البحث عن جذور “فكرية” لأنصار حركة “ماغا”، وكلمة “ماغا” (MAGA) كما بات معلوماً للجميع تعني شعار “إرجاع عظمة أميركا من جديد”، الذي حمله وفاز به دونالد ترمب في الانتخابات الرئاسية الأميركية، ويقود به الولايات المتحدة والعالم الآن، ويستلهم منه بوضوح سياسته الخارجية التي تتسبب في توترات كبيرة لا تخفى في علاقة الولايات المتحدة بأوروبا، وفي سلوكها في فنائها الخلفي (أميركا اللاتينية)، وفي طبيعة حضورها في أماكن مهمة من العالم من قبيل الشرق الأوسط، بما يصبغ ذلك كله بصبغة أقل ما يقال فيها إنها خلافية.
لكن “ماغا” في النهاية قناعة، وسلوك بشري، وحتى أوهى الظواهر الإنسانية على علاقة بالقيم والمبادئ تستند إلى أفكار ويؤسسها “مفكرون”. وجذور “ماغا” الفكرية هذه هي الموضوع الذي انشغلت به لورا كيه فيلد على مدار سنين حتى أثمر انشغالها كتاباً بعنوان “عقول غاضبة: تكوين يمين (ماغا) الجديد”. صدر أخيراً عن مطبعة جامعة “برينستن” في أكثر قليلاً من 400 صفحة.
لورا كيه فيلد كاتبة ومنظرة سياسية ومتخصصة في الفكر الشعبوي اليميني المتطرف الأميركي، نشرت أبحاثها في مجلات مرموقة، وشغلت مناصب أكاديمية في كلية “رودس” وجامعة “جورج تاون” والجامعة الأميركية، وهي حالياً باحثة مقيمة في الجامعة الأميركية، ومستشارة أولى لبرنامج دراسات اللاليبرالية في جامعة “جورج واشنطن”، وزميلة غير مقيمة في معهد “بروكينغز”.
وكتابها الجديد “عقول غاضبة” يستكشف قيام جيل جديد من المثقفين المحافظين الراديكاليين بتشكيل أجندة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وتهديدهم في الوقت نفسه للمبادئ الأساسية للديمقراطية الليبرالية، بل وللتيار المحافظ نفسه وفق تقدير البعض، إذ يكتب ماثيو جيه فرانك في استعراضه المطول للكتاب [“واشنطن بوست”، 17 ديسمبر (كانون الأول) 2025] أن العقد المنصرم منذ دخول دونالد ترمب حلبة الانتخابات الرئاسية كان عقداً مربكاً لجميع التيارات السياسية، لكنه كان مربكاً بصفة خاصة لتيار المحافظين المخلصين لمجموعة أفكار حوصرت حصاراً منهكاً على مدار السنين الماضية من القرن الحالي، فـ”لقد كان ينبغي أن تخرج المحافظة من سنوات جورج بوش الابن وباراك أوباما وهي دامية وليس منحنية. كان ينبغي أن تخرج من هذه السنين وهي متأهبة لتجديد نفسها وإعادة الالتزام بمبادئ الليبرالية الكلاسيكية من قبيل سيادة القانون، والسوق الحرة، والحكومة المحدودة، والضبط المالي، وحماية كرامة الإنسان على قدم المساواة، وقيادة أميركا إلى تحالفات قوية مع بلاد العالم الحر، بالتوازي مع إعادة التفكير في سياسات تعالج مشكلات العصر الجديدة”.
“يمين جديد” شديد الرجعية
غير أن التيار المحافظ، الذي ينتمي إليه ماثيو فرانك ويخلص الإيمان به، ظل ينحسر أمام “يمين جديد” يصفه فرانك بأنه شديد القدم والرجعية من أوجه كثيرة، فهو يؤثر السلطة على القانون، ويؤثر السعي إلى الريع على السوق الحرة، ويعلي الأخلاقية الرخيصة على الأخلاق الحقيقية، ويقدِّم الوطنية المنكفئة الجبانة على النزعة الدولية الواثقة. فشعار (ماغا) في حقيقة الأمر ليس سوى “وعد بأميركا أشد صغراً ووضاعة وفقراً. بل لقد تشوه الدين نفسه بسبب قربه من الانهيار الخلقي المدوي لليمين الجديد”.
وتشوهت أيضاً “حياة العقل”. إذ شهد العقد الأخير انخراط كثير من المفكرين والكتاب اليمينيين – من أكاديميين وباحثين وصحافيين – في “العمل بجد ودأب على صوغ مبررات فكرية تدعم طموحات دونالد ترمب للترشح ثم للرئاسة أو تبررها. وتتنوع النتائج وتتعدد، لكن القاسم المشترك بينها (بعيداً من انجذابها بصفة عامة إلى ترمب) هو أنها تنبذ بعض عناصر الليبرالية الكلاسيكية سابقة الذكر، ما لم تكن تنبذها جميعاً”.
“وكتاب (العقول الغاضبة) يستعرض الفاعلين في هذا المشهد الفوضوي، فنقابل فيه تشكيلاً متنافراً من المفكرين والدعائيين: فهناك المحافظون القوميون من الكليرمونتيين، وما بعد الليبراليين، والكاثوليك المتشددون، والمستبدون المجاهرون بميلهم إلى الملكية، والنيتشويون الهدامون، والمستقبليون التقنيون، والقوميون المسيحيون الإصلاحيون، وأتباع كارل شميت، المنظر القانوني التافه للرايخ الثالث. وقد وضع بعض أولئك أفكارهم قبل ظهور دونالد ترمب في المشهد، لكنهم جميعاً باتوا يدورون في فلكه”.
هذا المشهد المزدحم بالفاعلين، مثلما يرسمه ماثيو جيه فرانك، ينتظم بعض الشيء في استعراض جينيفر زالاي للكتاب [“نيويورك تايمز”، 17 ديسمبر 2025]. تكتب زالاي أن لورا كيه فيلد عن مفكري ما تسميه بيمين “ماغا” الجديد منذ عام 2019، وكلما أوضحت لأحد طبيعة البحث الذي تعمل فيه على مدار السنين تجد منه استنكاراً، فيقول لها قائل “مفكرو ترامب؟ هذا مصطلح متناقض في ذاته”، أو يثير قولها الضحك ويستوجب التصحيح “لعلك تعنين الفاشيين الحمقى”.
“لكن بعد مرور عام على تولي دونالد ترمب السلطة، بات لـ(المفكرين الترمبيين) نفوذ محسوس، وإن طغت عليه لا مبالاة الرئيس التامة بعالم الأفكار. كما بات بارزاً – بحسب ما توضح فيلد في كتابها الجديد الفاتن والمهم – أن لبعض النظريات الشائهة دوراً سريعاً في المساعدة على توجيه حركة (ماغا) وجهتها المتطرفة”.
“حدث في مطلع ستينيات القرن الـ20 أن وصف المؤرخ ريتشارد هوفشتاتر نزعة معاداة الثقافة بأنها ظاهرة أشد وضوحاً في اليمين المتطرف منها في ما سواه. ولا شك أن فيلد توافقه كثيراً في ذلك. غير أنها تقول إن المفكرين المحافظين في الولايات المتحدة كانوا يمثلون قوة إصلاح إلى حد كبير، إذ كانوا بمنزلة المكابح لبعض دوافع اليمين القبيحة (كالتعصب وكراهية النساء)، لكن الغريب الآن أن أفكاراً محلقة الخيال، كانت في ما مضى محض هواجس لدى الشباب غرباء الأطوار وأساتذة الجامعات المتزمتين، قد أصبحت الآن (محرِّكات للتطرف ومسرِّعات له). وتستعير فيلد تشبيهاً بليغاً من الباحث في المسيحية ماثيو تيلور في كتاب (عنف الاستيلاء بالقوة) إذ تقول إن (الأهداب أصبحت هي البساط)، بمعنى أن الهامش تحول إلى المتن”.
تحيط فيلد بموضوع كتابها إحاطة تامة، فقد كتبت بإسهاب عن اليمين الجديد في منابر من قبيل “ذا نيو ريبابليك” و”ذا بولوارك” وغيرهما. كما أن لديها علاقة شخصية بموضوعها، إذ إنها درست على يد أساتذة استلهموا فيلسوف القرن الـ20 ليو شتراوس وتأثروا بأطروحاته. ويعد ليو شتراوس من الطواطم لدى المفكرين المحافظين بتبنيه للمفكرين القدماء ورفضه للنسبية الأخلاقية.
تكتب فيلد، بحسب ما تنقل عنها زالاي “أنا لست محافظة، ولا كنت كذلك قط”، لكنها “تفهم أن تعاليم شتراوس – وبخاصة تركيزه على فك شفرات النصوص بحثاً عن معانيها السرية على نحو شبيه بالتفكير التآمري – باتت بمنزلة السلاح الذي تشهره أيادي جيل من الباحثين الذين يمقتون في الولايات المتحدة تعدديتها. وعلى رغم أن شتراوس وصف نفسه مرة بأنه (صديق الديمقراطية الليبرالية) ومعلم (الاعتدال)، فإن فيلد تكتب عن حركة فكرية خرجت من رحم أفكار متزمتة في رفض كل من الديمقراطية الليبرالية والاعتدال”.
تقسم فيلد شخصيات “العقول الغاضبة” في ثلاث فئات أساسية: الكليرمونتيين، وهم المرتبطون بمعهد “كليرمونت” في مساتشوستس الذين “يؤلهون مرحلة التأسيس في تاريخ الولايات المتحدة”، وفئة “ما بعد الليبراليين” الذين يريدون تقييد الحريات الفردية لمصلحة مفهوم مبهم يتبنونه عن “الصالح العام”، وفئة “المحافظين الوطنيين” الذين يقرون الدولة القومية المتجانسة ويتبنون في الغالب عناصر من القومية المسيحية. كذلك تشير فيلد إلى مجموعة أخرى، أقل وضوحاً، داخل اليمين الجديد، وهي فئة “جناح اليمين الصلب”، وهذه الفئة تستمد من الفئات الأخرى وتغذِّيها. ويتبنى الأشخاص المنتمون إلى المجموعة الأخيرة أسماء تدليل سقيمة من قبل لقب “قوميّي البيض النيّئ” الذي يطلقونه على الحاصل على الدكتوراه من “أكسفورد”، ولقب “مارق العصر البرونزي” الذي يطلقونه على حامل الدكتوراه من جامعة “ييل”. وهم واسعو النشاط على الإنترنت، ويروجون من خلاله أخلاقيات ذكورية متطرفة، وبعضهم كما تشير فيلد يجاهرون بالعنصرية والفاشية.
“تشترك هذه الفئات الثلاث في كراهية الليبرالية التي لا تعني لديهم أيديولوجية سياسة حزبية ذات ميل يساري (يكرهونه هو الآخر)، وإنما تعني نظاماً في الحكم يعلي من شأن الفردية والتعددية. ولقد بدأ ما بعد الليبراليين، من أمثال باتريك دينين، المنظِّر السياسي الذي تنسب فيلد إليه الفضل في (تقديم أفضل نسخة يمكن أن يصادفها المرء من الشعبوية الترمبية، والنسخة الأكثر قبولاً وتهذيباً)، بانتقاد المؤسسة الليبرالية المؤلفة من الوسطيين البارزين في كلا الحزبين”.
“فقد أصر دينين وزملاؤه على أن المؤسسة الليبرالية، على رغم مزاعمها بالانفتاح الفكري، ما هي إلا مؤسسة متعجرفة ومستبدة. وتشير فيلد إلى أن غضب أولئك المفكرين ينبع من انغماسهم – شأن المثقفين ما بعد الليبراليين في الغالب – في بيئة مؤلفة من (الأكاديميين والنخب المنغلقة). وفي ذلك السياق يكون (للمحافظين الذين ينتقدون التعصب الليبرالي ما يحسب لهم)”.
“في وقت من الأوقات كانت هذه الانتقادات حافزاً لا يمكن إنكاره، وكان بعض الليبراليين – وإن نعتهم ما بعد الليبراليين باللاهين الغافلين – مستعدين للإنصات إليها، لدرجة أن باراك أوباما الذي لا يزال يقض مضاجع المخلصين لحركة “ماغا” قد أدرج في إحدى قوائم قراءاته السنوية كتاباً لدينين صادر عام 2018 بعنوان (لماذا فشلت الليبرالية؟)”.
الإنصات والتجرد قبل الإدانة
“لكن انتقادات دينين لليبرالية بدت بالنسبة إلى بعض أنداده اليمينيين قاصرة وغير كافية. وفي هذا السياق، تعرض فيلد بالتفصيل السجال الذي دار بين دينين وأدريان فيرميول، الباحث الدستوري في كلية القانون بـ”هارفرد”، إذ استعرض كتاب (لماذا فشلت الليبرالية؟) فشجَّع في مقاله دينين على طرح برنامج سياسي أشد طموحاً. واستجاب دينين فأصدر كتاب (تغيير النظام) عام 2023، مقدماً فيه تصوره لـ(طبقة أرستقراطية ذات وعي ذاتي بأرستقراطيتها)، وجموعٍ محافظة توحِّد قواها من أجل أن (تطيح الطبقة الحاكمة الليبرالية الفاسدة المفسدة). فهل يكون برنامج دونالد ترامب في ولايته الثانية القائم على بقر أحشاء الهيئات الفيدرالية وترهيب شركات القانون والهجوم على الجامعات هو ما كان يدور في ذهن دينين حين قدم ذلك الطرح في ذلك الكتاب؟”.
تشهد جينيفر زالاي للورا كيه فيلد بأنها “مرشدة ممتازة وأمينة فكرياً” بما يجعلها دليلاً أميناً إلى أولئك المفكرين المزعومين الذين “تتناولهم بجدية، وتقرأ نصوصهم باهتمام، باذلة أقصى الطاقة لإنصاف أفكارهم، مفترضة فيها درجة من حسن النية. لكن حتى نهجها المتعاطف هذا لا يستطيع التغافل عن إظهار أنه حتى أكثر أولئك المفكرين اليمينيين المتطرفين إحكاماً يستسلمون في نهاية المطاف لليأس، ويستبدلون بالعمل الجاد والتفكير الدؤوب والتأمل في العالم – بكل ما فيه من تعددية ووفرة – اعتناقاً تاماً للسلطة السياسية القاهرة”.
“ولا يكون رد فيلد على ما تصادفه من أفكار رديئة إلا التعليق الساخر الهادئ. فيحتوي كتاب (العقول الغاضبة) على بعض اللحظات الطريفة الذكية على نحو مدهش، فتبرز هذه اللحظات على النقيض مما تحلله فيلد في الكتاب من وعظ أخلاقي سقيم وعداوة فجة. وتثير فيلد السخرية من اليمين الجديد ومستودعاته العامرة بالمظالم والإشفاق على الذات كأن تنقل عن بعضهم: إن من أنظمة الحكم الأخرى ما يسجن الخصوم الأيديولوجيين أو ينفيهم أو يقتلهم، أما نظام الحكم الليبرالي فيعطيهم الأوسمة والتكريم والظهور المميز في مجلة (ذي أطلنطيك)”.
“ويحتوي كتاب فيلد على نقاش حاد لكراهية النساء لدى اليمين الجديد. فتشير فيلد إلى تحول مصطلحات من قبيل (حكم النساء) إلى نعوت مكرورة في شعارات مؤيدي ترمب، يصفون بها المجتمع متعدد الأعراق المؤنث على نحو لا يطاق. ولا تتوانى فيلد عن تعداد عيوب العقلانية الليبرالية ـ من قبيل الإيمان بالحلول التكنوقراطية للمشكلات السياسية، والميل إلى التهرب من الأسئلة الوجودية الكبرى، والعمى عن المشاعر القوية كالغضب والعداء. لكنها تذكِّر أيضاً مفكري اليمين الجديد بشيء كثيراً ما ينسونه بسهولة بالغة، وهو أنهم ليسوا قادرين على الانغماس في أوهامهم الاستبدادية إلا بفضل الحرية والأمان اللذين توفرهما الديمقراطية الليبرالية التي يكرهونها”.
“وفي فقرة عصية على النسيان” كما تكتب زالاي، “تكسر فيلد الجدار الرابع وتخاطب الرجال الذين بات تطرفهم الضيق مألوفاً لها، فتكتب: إنكم أيضاً ترون العالم الليبرالي أمراً مفروغاً منه، وهذا ما سمح لكم باستخدام لغة المَظالم والقمع باستخفاف شديد، دونما تفكير كاف في معنى القمع الحقيقي، أي القمع الذي يمنعكم من ممارسة الحب مع من تشاؤون، أو التصويت في انتخابات حرة، أو ضمان عدم الاختفاء قسراً”.
يعترف ماثيو جيه فرانك بأنه يختلف عن لورا كيه فيلد، فـ”هي ليبرالية وأنا محافظ. وأنا أكبرها بجيل. غير أني أعرف عن العالم الذي تصفه في كتابها ما يجعلني أقول إن سردها منصف. وعلى رغم أن لديها أفكاراً مسبقة غير مدروسة جيداً، فهي لا تنبذ الأفكار التي تناقشها، ولا تسطحها مطلقاً، وإنما تعرضها من شتى جوانبها. وهي لا تسخر ممن تختلف معهم أو تهزأ بهم، وهذا ما يحسب لها كثيراً حتى من قارئ يختلف مع أحكامها كحالي في بعض الأحيان. فقد قرأت فيلد كتباً ومقالات بل وأطروحات دكتوراه، واستمعت إلى حلقات بودكاست وشاهدت أفلاماً وحضرت مؤتمرات. وأهَّلتها خلفيتها البحثية لفهم ما قرأت وسمعت. وعلى رغم طبيعة الكتاب الشخصية في بعض الأحيان، فإنه جدير بالثناء بسبب التجرد الذي حمل مؤلفته على الإنصات قبل الإدانة. ولا شك أن الكتاب إدانة”.
العنوان: FURIOUS MINDS: The Making of the MAGA New Right
تأليف: Laura K. Field
الناشر: Princeton University Press
