
في وقت يواجه فيه صناع فيلم «الست» انتقادات حادة بشأن اعتراض البعض على تفاصيل واردة في السياق الدرامي، يخرج الكاتب أحمد مراد ليذيع سراً عن اعتزامه تقديم السيرة الذاتية لعميد الأدب العربي طه حسين، تختلف حسب قوله عما قدمه الفنان أحمد زكي في رائعته الدرامية الإبداعية «الأيام» من خلال حلقات مسلسلة أخرجها المخرج الراحل يحيى العلمي، وشارك فيها أباطرة التمثيل، يحيى شاهين وأمينة رزق وعلي الشريف ومدحت مرسي ورشوان توفيق وصفية العمري ولفيف من كبار النجوم.
تصريح أحمد مراد الذي تم تداوله على صفحات التواصل الاجتماعي، أحدث دوياً هائلاً وأثار تساؤلات عديدة عن سر الاهتمام المفاجئ برموز مصر الثقافية والفنية، خاصة الذين كتبت سيرهم وجسدت على الشاشة في أكثر من عمل أجمع عليه الجمهور وأشادوا به كفن وصناعة وإبداع وسرد درامي لتاريخ الشخصيات المرموقة المتصلة بوجدان الشعب المصري والشعوب العربية قاطبة.
سيرة طه حسين على وجه التحديد، التي ينتوي مراد إعادة صياغتها وفق ثقافته وأفكاره ورؤيته الشخصية، قدمها بخلاف أحمد زكي، الفنان الراحل محمود ياسين في فيلم «قاهر الظلام»، ورغم اجتهاد النجم السينمائي كانت هناك بعض المآخذ على الفيلم، ربما لسرعة إيقاعه الزائدة عن الحد، أو تمرير بعض المشاهد مرور الكرام دون توقف ضروري وحتمي، أمام الوقائع المهمة التي تم تناولها على عجل.. وتضاف إلى ذلك المقارنة التي عقدها الجمهور بشكل تلقائي بين أداء أحمد زكي وتقمصه الفائق لشخصية العميد، وأداء محمود ياسين الذي وصف آنذاك بالنمطية والكلاسيكية وعدم الاقتراب الكامل من كاريزمية العلامة طه حسين، علماً أن النجم السينمائي صاحب التاريخ والمسيرة الفنية المضيئة، كان بارعاً في أدائه السليم والقوي للغة العربية الفصحى، كإحدى السمات المميزة للشخصية الحقيقية والتي بموجبها كان البطل مقنعاً إلى حد كبير.
والمستخلص من تلك المقارنة بين النجمين ياسين وزكي، هو صعوبة التحدي الذي يمكن أن يواجهه أحمد مراد، لو تجرأ على إعادة كتابة سيرة طه حسين، بما يراه ويعتقد أنه الرؤية الصحيحة لمسيرة رائد التنوير، خاصة إذا حاول أن يضع توابله وبهاراته الدرامية المعهودة للفت النظر والإيهام بالاختلاف، كما فعل في سيرة أم كلثوم.
ولو دققنا ملياً في قصة حياة طه حسين المسطرة بعناية في روايته الشهيرة الأيام سنجد أنه من الصعوبة بمكان قلب الحقائق والافتئات على تاريخ الرجل العلمي والثقافي والتنويري، في رحلته الطويلة من مسقط رأسه بعزبة الكيلو في مركز مغاغة – محافظة المنيا إلى جامعة السوربون في فرنسا، مروراً بدراسته في الجامع الأزهر الشريف، والتحاقه بالجامعة الأهلية في مصر قبل سفره إلى فرنسا.
أما حياته الشخصية والاجتماعية فهي مدروسة ومدونة في عشرات الكتب، بخلاف ما ورد منها في «الأيام» التي كتبها هو شخصياً بخط يده متحرياً فيها الدقة والنزاهة، كعلاقته الطيبة بأمه وأبيه وأشقائه، ومواجهته لوباء الكوليرا في طفولته المبكرة، وحزنه الشديد على فراق شقيقه محمود إثر وفاته متأثراً بعدوى الكوليرا، فضلاً عن خلافاته العارضة مع بعض شيوخ الأزهر من الأئمة والفقهاء، حول بعض القضايا الفقهية والسياسية والاجتماعية. كل هذه الأفرع التي يمكن أن تنسج حولها التفاصيل الدرامية معلومة وغير ملتبسة، ولا تقبل التأويل، ثم إنها معلنه ومكتوبة بشفافية وتجرد، بما فيها تفاصيل خلافاته السياسية مع أسرة محمد علي من الحكام الذين تعاقبوا على حكم مصر، ولم يكن بين طه حسين وبينهم عمار يذكر أو منة أو فضل. أضف إلى ذلك كتاباته الصحافية التي أثارت الجدل وتسببت في معارك ثقافية كان لها وقعها الإيجابي في إثراء الحركة الثقافية، ودعم الشعور الوطني العام لدى عموم الشعب المصري حينئذ، ولم تكن هناك قضايا حرجة في مسيرة الأديب الكبير، يمكن استغلالها في تدشين قصة وسيناريو مغايرين للحقيقة، كي يظفر العمل الفني المنتظر وكاتبه بانفراد إبداعي على عكس ما يعرفه القاصي والداني من تلاميذ طه حسين ومريديه والمتخصصين في أدبه، والحاصلين بموجبه على أعلى الدرجات العلمية والبحثية.
يتبقى الجانب العائلي في قصة حياة الأديب، مقصوراً على ارتباطه برفيقة مشواره ودربه سوزان بريسو، الفرنسية الأصل والعاشقة للأدب العربي، وهي من تزوجته برغبة قوية منها وإيمان مطلق بتفوقه وتفرده العلمي والثقافي المبهرين، فكانت له السند والدعم والأم الرؤوم الراعية لأبنائهما أمينة ومؤنس.
تلك هي المعطيات الرئيسة في حياة عميد الأدب العربي طه حسين، عصية على التحريف وأقوى من الاجتهاد الشخصي، لأي كاتب كائناً من كان، فمن الأولى أن يلتفت أصحاب المشاريع الدرامية والمواهب الإبداعية لشخصيات أخرى لا تثير الجدل ولا تجلب لهم المتاعب، وكتب التاريخ متاحة لمن يقرأ ومليئة بالأنماط و»الكاركتيرات « التي تصلح للاقتباس الدرامي وتقبل التطويع الفني على أي وجه وبأي صيغة.