في هذا الحوار تفتح ماريا عباس أفقاً أوسع لتجربتها القصصية، وتعيد سرد مسار تشكّل الكتابة عندها في تماس مباشر مع التحوّلات السورية، ومع الخبرة المعيشة للنساء في زمن النزوح والحرب والهشاشة اليومية. تنطلق من تعريف مرن للذات الكاتبة، يتقاطع فيه الإبداع مع الفعل الثقافي، وتكشف كيف أسهمت خلفيتها الكردية السورية في صياغة رؤيتها للسرد، وفي بناء علاقتها المزدوجة باللغة والذاكرة والانتماء.
يتوقّف الحوار عند مجموعتيها القصصيتين «حفنة من اللافندر» و«شجرة الكينا تخون أيضاً»، كمسارين متكاملين في الاشتغال على القصة القصيرة، حيث تحضر التفاصيل الصغيرة، والحياة اليومية، وتجارب النساء، بوصفها مادة سردية كثيفة الدلالة. تتحدّث عباس عن الكتابة بوصفها فعلاً واعياً، مرتبطاً بالمسؤولية الأخلاقية تجاه الحكايات التي سمعتها وعايشتها، وعن القصة كأداة لحفظ الذاكرة، وتسجيل الألم، ومقاومة المحو بالصوت واللغة.
كما تضيء الكاتبة مقاربتها لموضوعات الحرب، والنزوح، والخيانة، والنجاة، وتشرح خياراتها الجمالية في التكثيف والاقتصاد اللغوي، والعلاقة بين الواقع والرمز، وبين التجربة الفردية والسياق العام. الحوار يمنح القارئ فرصة الاقتراب من عالم سردي يتشكّل من العمل الميداني، والوعي النسوي، والإنصات للتفاصيل التي تصنع المعنى خارج السرديات الكبرى.
يأتي هذا الحوار ضمن سلسلة الحوارات التي يقدّمها موقع الرواية نت، ساعياً إلى تسليط الضوء على تجارب سردية معاصرة، تكتب من قلب التحوّل، وتعيد التفكير في وظيفة الأدب، وفي قدرة القصة القصيرة على التقاط ما يتفلّت من التاريخ، وما يبقى عالقاً في الذاكرة الإنسانية.
بدايةً، كيف تعرّفين نفسك اليوم: قاصة، كاتبة، أم فاعلة ثقافيّاً في أكثر من حقل؟
بدايةً، أشكركم على هذه الفرصة، وعلى دعوتي لهذا الحوار. وبما أنّكم تستضيفونني اليوم في منبركم الأدبي، يسعدني أن أعرّف عن نفسي ككاتبة أحبّ خوض تجربة الكتابة الإبداعية بكل أشكالها، حتى وإن كانت تجاربي الأولى في كتابة القصة.
كيف أثّرت خلفيتك الكردية السورية على رؤيتك القصصية ولغتك الإبداعية؟
أحمل العديد من الهويات في شخصيتي الأساسية كإنسانة أنتمي إلى قومية كردية، ونوعي الاجتماعي، ولغتي، وثقافتي، وجغرافيتي، والطبقة التي أنتمي إليها بكل مستوياتها؛ كلّها تشكّلت في بيئة تحمل سمات ذات خصوصية، لعبت دوراً مهمّاً في ما أنا عليه الآن.
الكتابة جعلتني أكثر وعياً وتعمّقاً في النظر إلى الأمور والتفاصيل، وفق رؤيتي كامرأة كاتبة وناشطة في الفضاء العام وضمن السياق السوري. وجدت نفسي في موقع فرض عليّ تشكيل عالمي الخاص أولاً، ثم ترجمة كل ذلك بكتابة قادرة على أن تتّسع للثقافتين معاً: الكردية، وهي لغتي الأم، رمز هويتي ومخزون ذاكرتي؛ والعربية، اللغة التي تعلّمتها وخضت معها تجربة الكتابة. هي رحلة ممتعة وشاقّة في الوقت ذاته.
في مجموعتك الأخيرة «شجرة الكينا تخون أيضاً»، حضرت المرأة مركزاً سرديّاً واضحاً، كيف تصفين دورها ووظيفتها داخل النص؟
المرأة كانت حاضرة في كلا المجموعتين، وفي كل تجاربي الكتابية والصحفية والبحثية، وستبقى دوماً المحور الأساسي طوال مسيرتي الإبداعية. النساء شريكاتي في الرحلة، وهنّ شخوص فاعلة في الحكايات. أصواتهن في كل حدث يُروى هي تاريخ وذاكرة تكشف الخلل البنيوي في مجتمعاتنا، وهنّ المرايا التي تعكس ما يجري ضمن السياقات السياسية والاقتصادية والدينية. النساء هنّ المركز، حتى وإن فرض المجتمع بقوانينه أن يكون موقعهن هامشيّاً. ما حدث للنساء في النزاعات والحرب السورية أظهر عظمة أدوارهن وقدرتهن على البقاء، والحفاظ على دورهن الإنساني، رغم تعرّضهن للعنف والاستهداف المباشر من مختلف أشكال السلطة. في النصوص هنّ رمز للقوة والمقاومة، وهنّ ضحايا، وفاعلات حقيقيات في الوقت نفسه.

العنوان في «شجرة الكينا تخون أيضاً» يحمل دلالة رمزية قوية، كيف تشكّل هذا العنوان، وماذا يمثّل داخل عالم المجموعة؟
في الكتابة لا مجال للعبث، فكل كلمة تحمل دلالة ومعنى في سياقات متعددة. العنوان الطويل في «شجرة الكينا تخون أيضاً» اخترته بعناية، وهو عنوان إحدى قصص المجموعة. الشجرة رمز للعطاء والتكاثر والمقاومة، وتشبه في صفاتها النساء، والكينا شجرة باسقة شامخة، لها رائحة عطرية وفوائد طبية معروفة. أما الخيانة، كمصطلح أو فعل، فغالباً ما تُنعت بها العلاقات حين تتعرّض لهزّة ما بين شخصين، زوجين، أصدقاء، أو أي نوع من العلاقات المفترضة القائمة على الثقة، ليكشف الخلل هشاشة النفس البشرية. في القصة، حتى الأم التي أخفت الحقيقة عن ابنتها لتجنيبها ألم فقد والدها مارست شكلاً من الخيانة؛ فالكذب وإخفاء الحقيقة خيانة أيضاً. والشجرة التي لم تحمِ الطفلة من السقوط تُعدّ خائنة في نظر الآخرين. في الحرب السورية، مارس كثيرون الخيانة بشكل من الأشكال، وكانوا شركاء في ما حدث من فظائع دفع الجميع أثمانها.
مجموعتك الأولى «حفنة من اللافندر» تناولت قضايا إنسانية واجتماعية، ما الدافع وراء اختيار هذه الثيمات في بداياتك؟
كانت مجموعتي الأولى «حفنة من اللافندر»، وهي أيضاً عنوان مستمد من النباتات، ربما لارتباطي بالطبيعة. كانت تجربتي الأولى في النشر، وتناولت القصص القضايا الإنسانية ووضع النساء بعد 2011. جاءت خلاصة لتجربة عملي المباشر مع عوالم النساء ضمن مساحة واحدة. عملت في منظمة دولية ضمن برنامج دعم وتمكين النساء في مجال الدعم النفسي الاجتماعي، في مخيم الهول، ومدن ديرك، عامودا، تربسبي، قامشلو، والتقيت بنازحات من كوباني وسري كانيه، وسمعت حكاياتهن. شعرت بمسؤولية تجاه تلك القصص، وكانت كتابتها بشكل قصصي نوعاً من الأرشفة وحفظ تفاصيل مهمة من مرحلة تاريخية حساسة، وشكلاً من أشكال التضامن النسوي الإنساني.
كيف تتعاملين مع الحرب والنزوح واللجوء في نصوصك القصصية: هل تميلين إلى تسجيل الواقع أم إلى بناء فضاءات رمزية؟
الحروب والنزاعات، وما تنتجه من آثار مدمّرة، مرتبطة بقرارات سياسية صادرة عن أعلى مستويات السلطة المتحكّمة بمصائر الشعوب في كل بقعة من العالم. المشهد العام يخفي وراءه جذور الخلل. ما نراه في القنوات الفضائية ومواقع التواصل جزء من الحقيقة، أمّا الواقع المعاش فأوسع بكثير مما يمكن كتابته في قصة واحدة. في القصة أركّز على تفصيل معيّن، وأحاول صياغة الألم بلغة تمكّن القارئ من المتابعة والتعمّق في التفاصيل. وبالمجمل، لكل كاتب رؤيته في التقاط التفاصيل وتفسيرها.
تميل بعض قصصك إلى التكثيف والاقتصاد اللغوي، هل هو خيار جمالي أم ضرورة تفرضها الحالة الإنسانية التي تكتبين عنها؟
بصراحة، حين كتبت حاولت الإحاطة ببعض التفاصيل. التكثيف جميل حين يتحقّق، أمّا الاقتصاد اللغوي فجاء نتيجة تأثير الأحداث، والقلق، والمعاناة، وتسارع الوقائع من حولي. أنا واحدة من النساء اللواتي عايشن تلك الأحداث، وكنت أرى نفسي في حكاية كل امرأة، في سمة أو حالة إنسانية ما. الكتابة كانت أداتي في المقاومة والصمود، وتحدّي الواقع الصعب، وسباقاً مع مصاعب الحياة الكثيرة والمعقّدة.
إلى أي حدّ تؤمنين بأن القصة القصيرة أكثر قدرة على التقاط الانفعالات الفردية مقارنة بالرواية؟
ج– القصة القصيرة وكتابتها بمهارة ليست أمراً سهلاً. ما زلت أحاول تطوير كتابتي عبر القراءة والمحاولات المستمرة. القصة تساعدني على حفظ حدث أو مشهد أو انفعال ذاتي ضمن إطار قابل للتطوير والإنتاج الأدبي بما يليق بتلك اللحظة الإنسانية.
الرواية عالم آخر في الكتابة، أحتاج إلى وقت أوسع وشجاعة كافية لخوض هذه التجربة قريباً، فهي فضاء يمنح شكلاً عالياً من الحرية.
في أعمالك يبرز اهتمام بالتفاصيل اليومية والحياة الصغيرة، كيف تختارين هذه التفاصيل لتكون محرّكاً للسرد؟
لا أتقصّد اختيار التفاصيل، بل هي التي تجذبني. تناديني وتثير اهتمامي. اليوم أربع وعشرون ساعة، وفي كل ساعة تحدث تفاصيل كثيرة، خاصة تلك التي تعيشها النساء شريكاتي في الكتابة. حياتنا كنساء مرتبطة بتفاصيل يومية تحدّد خياراتنا، بدءاً من الطعام وطقوسه، مروراً بالعمل والاقتصاد، والحقول والحيوانات، وصولاً إلى الموت والمعاناة، والحب والعلاقات، والحمل والولادة. الوعي بكل تفصيل يمنحه قيمته الحقيقية.
هل تحرصين على تمرير رسائل أو رؤى اجتماعية محددة عبر القصة، أم تتركين النص مفتوحاً على التأويل؟
ج– أحرص على تمرير رؤيتي الخاصة من منظور نسوي يتقاطع مع الرؤية الاجتماعية. هناك نزاع مستمر بين واقع يبرّره المجتمع، ورؤية النساء لحكاياتهن من زاوية الألم الخاص بكل امرأة. ومع ذلك يبقى التأويل مفتوحاً ومتروكاً للقراء والقارئات.
ما أثر التحوّلات السياسية والاجتماعية في سوريا على رؤيتك وإنتاجك القصصي؟
جميعنا، ضمن الجغرافيا السورية بكل مكوّناتها، تأثّرنا بالنزاعات. النزوح، اللجوء، الفقر، الفقدان، والخسارات حفرت عميقاً في وجداننا. كلٌّ منّا دفع ثمناً لهذا الخراب، وسيبقى أثره ملازماً لحياتنا. انعكس ذلك على كتابتي في اختيار الموضوعات وطريقة سردها، وأصبحت أكثر قدرة على تحديد محاور الكتابة والتركيز على التفاصيل الأقرب إليّ. مع كل تجربة كتابة يزداد الوعي والتعمّق في فهم التحوّلات من حولي، حتى وإن بدت أكثر تعقيداً.
كيف تصفين تطوّر أسلوبك القصصي من «حفنة من اللافندر» إلى «شجرة الكينا تخون أيضاً»؟
تطوّر الأسلوب بين 2017 و2024 كان نتيجة نضج التجربة. ممارسة الكتابة الصحفية ساعدتني كثيراً في تحسين مهاراتي. أحاول بعد كل تجربة أن أكتب بثقة أكبر وشغف يدفعني إلى الإنجاز.
أخيراً، ما المشاريع القصصية القادمة، وما الأفق الذي تطمحين إلى بلوغه في تجربتك السردية؟
أعمل حالياً على مشروع قصصي بطريقة جديدة، يتطلّب جهداً وصبراً. القصة القصيرة تجربة ممتعة ومريحة، وربما تناسب نمط حياتي، ومع ذلك أطمح إلى خوض التجربة الروائية حين تنضج ظروفها. لكل إنسان قصة خاصة، وأجمل القصص تلك التي تجد من يكتبها بحب.
