يحمل شهر آذار/ مارس في جعبته العديد من الأيام العالمية، بدءًا من اليوم العالمي للمرأة في الثامن منه، إلى اليوم العالمي للغابات في 21 آذار/ مارس وبداية فصل الربيع في شرقنا الجميل، وصولًا إلى اليوم العالمي للمسرح الذي حدّدته الهيئة الدولية للمسرح (International Theatre Institute) في 27 من آذار/ مارس في عام 1962. ومنذ ذاك التاريخ، تُقام ندوات وورش عمل وفعاليات مجانية في العديد من الدول لتسليط الضوء على دور المسرح في التفاعل الاجتماعي والثقافي مع الناس.
يُسمّى المسرح بـ “أبو الفنون” لما يحمل من شمولية في رسالته، فالمسرحية تعتمد على النص الأدبي أي فنّ الكتابة، والمسرح يتضمن الديكور والموسيقى والغناء والرقص بالإضافة إلى الحركة واللغة والسينوغرافيا، بمعنى أنه مزيج جميل من الفنون. وهو بالإضافة إلى قدمه الذي يعود إلى العصور القديمة (الفرعونية والإغريقية)، تكمن أهميته في التعبير الحيّ للممثلين والتفاعل المباشر للجمهور، فتتكوّن هذه التجربة الواقعية وتزيد إحساسها في المتلقي، خصوصًا عندما تطرح المسرحية، أي مسرحية، قضايا تلامس واقع الحال وتحاكي الحياة. ولبنان كما في الدول الأخرى، يتمّ الاحتفال فيه باليوم العالمي للمسرح سواء في معاهد الفنون أو في المسارح. ومن المسارح النشيطة والبارزة في بيروت، يستقطب “مسرح مونو” في الأشرفية (شرق بيروت) المواهب الشابة من المخرجين والممثلين، بالإضافة إلى المخضرمين منهم سواء من الأجانب أو من العرب واللبنانيين.
للحديث عن الحياة المسرحية البيروتية، وعن قدرة المسرح في التأثير ونشر الوعي في عصر الذكاء الاصطناعي والشاشة، كان لـ “ضفة ثالثة” هذا الحوار مع مديرة “مسرح مونو” جوزيان بولس التي عملت في تلفزيون لبنان كمقدمة ومنتجة برامج من عام 1982 حتى 2003، وكتبت العديد من المسرحيات باللغتين العربية والفرنسية أبرزها “مسرحية “عجقة سير” (2013) التي اقتبستها من مقالاتها الساخرة التي نشرتها على مدى عشرة أعوام في مجلة “Femme Magazine” و”كاستينغ أمني” و”ع الأربعين” و”البنت يلّي حبّت خوليو” (La Fille qui Aimait Julio). وقد بلغت الأعمال التي أنتجتها حتى اليوم 62 عملًا من مسرحيات محلية وعالمية.
وعلى الرغم من أنّ هذه المقابلة التي أجراها موقع “ضفة ثالثة” قبل الحرب الأخيرة على لبنان، إلا أن بولس قد أعلنت بعد الحرب على وسائل التواصل الاجتماعي استمرار العمل في مسرح مونو في آذار/مارس الحالي لأنّ “الاستمرار في عروضنا هو بالنسبة لنا خيار حياة، خيار ثقافة وانحياز للنور في وجه العتمة” كما عبّرت.
(*) جوزيان بولس الممثلة والكاتبة والمنتجة قبل أن تصير مديرة مسرح، من كان وراء شغفها في التمثيل وحبّها لخشبة المسرح؟
سأخبرك أنّ حلم والدي جان- كلود بولس وهو صغير أن يكون ممثلًا، لكنّ جدّي قال له: “في البداية ادرس هندسة، وعندما تنتهي، قم بالذي تريده”. وعندما أصبح مهندسًا ناجحًا كان يشرف على بناء مبنى تلفزيون لبنان في تلة الخياط (في بيروت). وفي الوقت نفسه، كان يغنّي وقد أسّس نادي موسيقى الجاز في بيروت. في عام 1958، التقى مدير تلفزيون لبنان آنذاك، سليم نوفل، بجان- كلود بولس وعرض عليه أن يقوم ببرنامج موسيقي في التلفزيون. وهكذا بدأت شهرة والدي في التلفزيون، وأنا تربّيت في التلفزيون حيث كنت أذهب مع والدي وألعب مع فناني ذاك الزمن مثل أبو سليم وفهمان وأسعد. كما أذكر تمامًا عندما تحوّل التلفزيون من أبيض وأسود إلى الصورة الملوّنة، يومها كنت أشاهد برنامجًا كرتونيًا على التلفزيون وفجأة تحوّل إلى صور ملوّنة فأُصبنا بالدهشة. هذه الدهشة التي يفتقدها جيل اليوم حتى في التطوّر المتسارع للذكاء الاصطناعي.
بدأتُ فعليًا في العمل في التلفزيون أثناء تقديمي لبرنامج ألعاب ثقافية بعنوان “ملاعب 82″، ومن نجاح إلى آخر، عملتُ مع والدي كثنائي فريد لا أظنّ أن له مثيلًا في التلفزيون.
(*) متى كان وقوفك أول مرة على خشبة المسرح؟
كان عمري 16 عامًا عندما لعبت في المدرسة دور رجل في مسرحية Embrassons-nous Folleville للمسرحي الفرنسي Georges Feydeau. ولقد لاقى هذا الدور أصداءً إيجابية كبيرة. ومن ثم استمرّت أعمالي في التلفزيون والمسرح والفنون الجميلة بشكل عام. لكن في عام 2004 اتخذتُ من التمثيل منهج حياة بالإضافة إلى الكتابة والإنتاج المسرحي.
| جوزيان بولس خلال عرض مسرحية “البنت يلّي حبّت خوليو” |
(*) ما هي أبرز التحدّيات التي واجهتك منذ تسلّمك مسؤولية “مسرح مونو” في نيسان/أبريل 2022؟
عندما أعلنتُ على وسائل التواصل الاجتماعي أنني سأستلم “مسرح مونو”، كانت ردّة فعل الجمهور والصحافة والأصدقاء داعمة جدًا ومحبّة. وفي الواقع، هذه المحبّة جعلتني أتخطّى العديد من التحدّيات في تلك الفترة، خاصةً أننا كنا نحاول الخروج من انفجار المرفأ في بيروت وأزمة الكورونا. إضافة إلى ذلك، فعندما استلمت المسرح كنت واضعةً نصب عيني رؤيةً لإنقاذه، فهمّي الأكبر أن أجلب الناس إلى المسرح، ثم أن عتادوا عليه، ومن ثم أن يحبّوه إلى أن يصقل المسرح ذوقهم فيصبحون نقّاد مسرح. وهذا ما يحدث اليوم. إنّ قطف ثمار نجاح “مسرح مونو” بتعدّد مسرحياته ذات النكهة الشرقية والغربية (وتحديدًا الباريسية) لم يجعلنا نشعر بالصعوبات التي واجهتنا. كان همّنا الناس وقد نجحنا في استقطابهم. في الخلاصة، إنّ النجاح يأتي من خبرة وإرادة وعمل، وأنا أعمل حوالي 13 ساعة في النهار مع فريق عمل كان صغيرًا وأصبح كبيرًا، هم عائلة “مسرح مونو”، يحملون نفس الشغف والتضحية وفرح الاستقبال.
هذا فضلًا عن أنّ “مسرح مونو” مفتوح لطلاب كلية الفنون في الجامعة اللبنانية بأسعار رمزية، لورشات عمل وتدريبات وقراءات مسرحية، كلّ يوم مسرحنا ينبض بالحياة.
(*) أطلقتِ السنة الماضية مشروع “الوصول والشمولية” وهو فتح المسرح للأشخاص ذوي الإعاقة، حتى أنك فتحتِ المسرح للأشخاص الذين يعانون من التوحّد، من أين أتتك الفكرة وإلى أي مدى لاقت استحسانًا خصوصًا أنّ هذا الموضوع فريد من نوعه في العالم العربي؟
في الحقيقة ابنتي الوحيدة تعاني من التوحّد، وعندما استلمت “مسرح مونو”، فكّرت دائمًا بكيفية العمل لفتح المسرح للأشخاص الذين يعانون مثل هذه الحالة، كما وللأشخاص ذوي الإعاقة. وقد قمنا السنة الماضية بورشة عمل للأشخاص الذين يعانون من التوحّد لمدة خمسة أيام والتي انتهت بمسرحية للعموم مجانًا، ولقد كان يومًا لا يُنسى.
(تتابع بولس والدموع تترقرق في عينيها): إنّ شعور هؤلاء الأشخاص بالفخر وهم على خشبة المسرح زرع الفرح في قلوبهم وتوزّع هذا الفرح في قلوب أهلهم والجميع. حاليًا نعمل على تكرار هذه التجربة عندما يتسنّى التمويل اللازم لها.
من ناحية أخرى، وفي عام 2023، كنتُ في زيارة إلى واشنطن ودُعيتُ إلى مسرحية موسيقية وكنتُ جالسة في الصف الأخير، وإذ بي أشاهد ورائي داخل علبة زجاج شخصين يهمسان في مذياع وقائع المسرحية. فسألتُ عن الموضوع، وفهمت أنّ المسرح كان مفتوحًا للمكفوفين ومن أجلهم هذان الشخصان يقومان بالوصف الصوتي audio description. ومن يومها صمّمتُ على القيام بمثل هذا العمل في لبنان، فاستطعتُ الحصول على منحة مالية لأنّ الموضوع مكلف جدًا، تمّ تدريب عشرة شبّان وصبايا من قبل مختصين أجانب للقيام بالوصف الصوتي وهو بالمناسبة مهمة ليست بسهلة أبدًا. وبجهود فريق العمل، افتتحنا أول عرض مسرحي للمكفوفين في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي. ولاقى المشروع نجاحًا رائعًا. اليوم لدينا فرق خاصة للمكفوفين ونحن على تواصل معهم لإطلاعهم على الأعمال الجديدة في مسرحنا، وقد خُصِّص بمعدل يوم لهم أثناء عمل مسرحي جديد (تقريبًا يوم واحد في الشهر) في الصالة الكبيرة لـ”مسرح مونو”، لأنّ في الصالة الصغيرة غرفة الإخراج قريبة من الجمهور. حاليًا، العمل جارٍ على تخصيص يوم للأشخاص الذين يعانون من الصمّ.
(*) سبق أن ذكرتِ أنّ لديك طموحًا لعمل مسرح الأطفال، خصوصًا للفئات العمرية الصغيرة، أخبرينا عن هذا المشروع؟
هذا المشروع جديد من نوعه في لبنان نظرًا لأنه يستهدف الفئات العمرية من 7 أشهر إلى 4 سنوات، فدعونا من يحب العمل معنا، وتمّ تأليف فريق عمل من 8 أشخاص، حاليًا نقوم بتمارين معهم مع متخصصين من أمثال المسرحي كريم دكروب الذي هو بالمناسبة مؤسس مسرح الدمى اللبناني، ناهيك عن دقة التدريبات المتعلقة بالسمع ولغة الجسد على المسرح، على ألّا تتعدى في النهاية المسرحية مدة نصف ساعة كحدّ أقصى. وسيرى هذا المشروع النور قريبًا.
(*) على صعيد التعاون الأجنبي والعربي، هل هناك مشاريع مستقبلية؟
المجتمع اللبناني الذي يرتاد المسرح ليس كبيرًا في لبنان، لذلك أتعاون مع العرب والأجانب للتنوّع وبالتالي لاستقطاب كل الأذواق. أجل، نحن نعمل بشكل خاص مع ممثلين فرنسيين وسيكون لدينا عمل مسرحي باللغة الفرنسية يُعرض في شهر نيسان/ أبريل مع الممثل الفرنسي الشهير François Cluzet. سابقًا تعاونا مع مسرح قبرصي، ولدينا مشروع للتعاون مع الصين. كما أننا نعمل أيضًا مع الدول العربية، ومؤخرًا دُعينا إلى مهرجان المسرح العربي 2026 في مصر منذ شهرين، واشترك لبنان بعد غياب عشر سنوات عن هذا المهرجان عبر مسرحية “بكنك عَ خطوط التماس” وأخذت صدى كبيرًا خصوصًا أنّ البعض لم يشاهد مسرحًا لبنانيًا في حياته. لحظة أبكت فريق العمل عندما رفرف علم لبنان على المسرح. كان شعورًا لا يوصف.
(*) إلى أي مدى يمكن للمسرح أن يحرّر أفكارنا المؤدلجة مسبقًا أو المحاصرة بالذكاء الاصطناعي والشاشات؟
أؤكد لك أنّ نجاح المسرح اليوم بسبب عدم وجود شاشة فيه. الناس تعبت من الشاشة خصوصًا بعد فترة الكوفيد، لأنهم يريدون ويحبّون التفاعل مع المسرح. لا شكّ في أنّ البعض يأتي إلى المسرح مصطحبًا شاشة تلفونه، وفي العديد من المرات نجد هواتف الناس بعد مغادرتهم تحت كراسي المسرح. لكن في النهاية، كلّ الفنون قد تتحوّل إلى الذكاء الاصطناعي إلّا المسرح، لأنّ المسرح أحاسيس ومشاعر وتفاعل. أراقب الناس وهي حزينة أو متعبة عندما تدخل إلى المسرح، لكنّ تعابير الوجوه تتبدّل إلى الفرح لحظة خروجهم من المسرح حتى وإن شاهدوا مسرحية درامية. المسرح يزيل الهمّ لأنّ الممثل يعبّر عن أحوال الجمهور، يتكلم بلسانهم، يفشّ خلقهم. كثيرًا ما سمعت العبارة نفسها تتردد: “ارتحت عندما ذهبت إلى المسرح”. من ناحية أخرى، وحين نقدّم مسرحيات ذات مستوى، وهذا ما نقوم به في “مسرح مونو”، لجمهور واسع ليس من بيروت فقط بل من الجنوب والشمال، ينفتح عقل المرء، مما يحفّزه على النقد والانفتاح على أفكار الآخرين والمناقشة.
(*) بالحديث عن مستوى الأعمال، ما هي المعايير التي تختارينها لعرضها على “مسرح مونو”
أنا لا أختار المسرحيات التي تعجبني، بل علينا إرضاء جميع الأذواق. في الواقع، لدينا مسرحيات من مستويات مختلفة بالتوازي مع أذواق الناس المختلفة. على سبيل المثال عندما كانت تُعرض مسرحية “بكنك عَ خطوط التماس” خرجت سيدة من المسرحية معتذرةً مني أنها لم تعد تتحمّل أعمالًا تتكلم عن الحرب. لكن برأيي أنّ المسرح يساعد على الشفاء من جروح الحرب.
(*) في اليوم العالمي للمسرح، ما هو حلم جوزيان بولس على صعيد المسرح، وما الرسالة التي تودّ توجيهها بهذه المناسبة؟
أن نستمر على الرغم من كلّ الظروف. إنّ “مسرح مونو” محجوز بالكامل حتى نهاية سنة 2026.
أمّا بمناسبة اليوم العالمي للمسرح ففي كل مرة يختلف الاحتفال به: أحيانًا نجعل أبواب “مسرح مونو” مفتوحة porte ouverte ليتعرّف الجمهور عليه. وأحيانًا ندعو من يرغب ليقرأ نصه المسرحي…
في الخلاصة، أشجّع على المثابرة في الشغف والعمل المسرحي. وألّا يكون المسرح بيروتيًا فقط بل في كل لبنان. لأنّ هناك ألوف الناس الذين يعيشون من المسرح من ممثلين ومنتجين ومصورين وغيرهم…
المسرح أحلى مهنة في العالم. هذه القدرة التي يتمتع بها الممثل أن يختفي ساعةً ونصف الساعة ليصبح شخصًا آخر، هي متعة فائقة. لذلك أقول: Never let your dream die.