يتحدث المؤرخ اليهودي يوسيفوس/ Josephus، الذي عاش في القرن الأول الميلادي، عن وجود مجموعات يهودية متفرقة كانت تسكن مناطق غرب ووسط الأناضول يعود وجودهم إلى عصر الملك السلوقي أنتيوخوس الثالث (223 – 187 قبل الميلاد). وتكمن المشكلة في أعمال يوسيفوس في اعتمادها على مصادر تقليدية يصعب تأكيدها تاريخيًا.[1] وتشير مواضع عدة في العهد الجديد إلى تواجد يهودي في مدن تركية مختلفة مثل قونية، وإفسوس. ويرى بعض الباحثين اليهود أن الوجود اليهودي في الأناضول يعود إلى القرن الرابع ق. م. حين كانت الأطراف الغربية لشبه جزيرة الأناضول تحت حكم الإغريق. غير أن هذا الرأي يفتقر إلى السند الأثري والتاريخي الصلب، ويبدو أقرب إلى النزعة الأيديولوجية الرامية إلى ترسيخ شرعية تاريخية ممتدة. والأقرب إلى المنطق العلمي أن أقدم وجود لليهود في الأناضول كان في ظل الإمبراطورية البيزنطية، حيث تشير مصادر تاريخية متعددة إلى وجود جماعات يهودية سكنت في إفسوس وإزمير والقسطنطينية. وقد واجه اليهود في تلك المرحلة قيودًا قاسية فرضتها السلطات البيزنطية، شملت تضييقًا دينيًا، وتمييزًا قانونيًا.
غير أن هذا الواقع تبدل جذريًا مع دخول العثمانيين القسطنطينية عام 1453، وتحول المدينة، وقبلها باقي مدن الأناضول، إلى حواضر إسلامية كبرى، علاوة على التوسع العثماني اللاحق في أوروبا. فقد وفّر النظام العثماني، المستند إلى التصور الإسلامي عن أهل الذمة، إطارًا قانونيًا ضمن لليهود حرية العبادة وإدارة شؤونهم الدينية والاجتماعية، والاحتكام إلى قوانينهم الخاصة في مسائل الأحوال الشخصية أو ما يمس علاقتهم بدينهم، إضافة إلى مشاركتهم في النشاط الاقتصادي. وتجلى هذا التحول مبكرًا حين سمحت السلطات العثمانية لليهود بإعادة بناء المعبد اليهودي المعروف باسم “عيتس هحاييم עץ החיים Etz ha-hayyim/ شجرة الحياة” في مدينة بورصة التي كانت عاصمة الدولة العثمانية بدءًا من 1324، أي في بداية تاريخ الدولة، ما حمل دلالة رمزية على انفتاح الدولة الجديدة تجاه الطائفة اليهودية. وقد شجع هذا المناخ المتسامح كثيرًا من يهود غرب أوروبا على الهجرة إلى تركيا والاستقرار فيها، حيث مارسوا التجارة والصناعة والحرف بحرية واسعة، وتمتعوا بحرية التنقل داخل البلاد. ومع فتح القسطنطينية، وجّه السلطان محمد الفاتح دعوة صريحة لليهود للإقامة في العاصمة الجديدة بدون الخوف من الاضطهاد، وسمح لهم ببناء المعابد والمدارس.[2]
إلا أن التحول الأكبر في التاريخ الديموغرافي ليهود تركيا جاء في القرن الخامس عشر، مع سقوط الأندلس عام 1453 وبدء محاكم التفتيش الإسبانية، حيث تعرّض المسلمون بشكل أساس، واليهود بسبب قضية صلب المسيح عليه السلام، لأبشع حملات الاضطهاد الديني، وإجبارهم على التنصر القسري أو الطرد أو القتل. وفي عام 1492 صدر مرسوم يفرض على اليهود الذين لم يعتنقوا المسيحية مغادرة إسبانيا، فاندفعوا بشكل جماعي نحو مناطق أكثر أمنًا، خوفًا من الاضطهاد، واتجهوا إلى بلدان المغرب العربي ومصر وليبيا. وفتح العثمانيون أبواب دولتهم لعشرات الآلاف من اليهود السفارديم الفارين من شبه الجزيرة الأيبيرية، فاستقر كثير منهم حينها في مقر الخلافة العثمانية. وقد شكّل هؤلاء السفارديم العمود الفقري ليهود تركيا، وأسهموا في تشكيل الطابع الثقافي واللغوي والاجتماعي للطائفة اليهودية.
لم تكن هجرة اليهود السفارديم من شبه الجزيرة الأيبيرية إلى أراضي الدولة العثمانية مجرد انتقال سكاني، بل حملت أنماطًا معيشية، شملت اللغة والموسيقى، والعادات الغذائية. ويقال إن هؤلاء اليهود نقلوا بعض وصفات أطعمة ذات أصول أندلسية إسبانية، امتزجت لاحقًا بالمطبخ التركي، وخصوصًا المعجنات، فلم يعد يعرف إن كانت تركية أم أندلسية الأصل. وتعد بعض أنواع “البوريك” التركي المحشوة بالسبانخ من أشهر هذه الوصفات، وكذلك ما يعرف بالـ “بويوز” الذي تشتهر به مدينة إزمير، وهو نموذج مصغر من الفطير المصري، لكن بحجم كف اليد. أما في الموسيقى، فتقول بعض المصادر إن تراث الأغاني الإسبانية المعروف بـ”الرومانثاس” نقلها اليهود معهم إلى الدولة العثمانية، وحافظت على نصوصها في لغة اللادينو، بينما تأثرت ألحانها ومقاماتها بالمحيط الموسيقي التركي والشرق أوسطي.
وخلال القرون التالية حافظ اليهود في الدولة العثمانية على وضع مستقر مقارنة بنظرائهم في أوروبا المسيحية، الذين ظلوا عرضة للاضطهاد. وقد مكّنهم ذلك من تحقيق ازدهار اقتصادي وثقافي، وبرز أطباء ومترجمون يهود في البلاط العثماني. لكن، ومع منتصف القرن السابع عشر ظهرت شخصية يهودية مهمة كان لها دور في مرور اليهود بقرنين كاملين من الجهل والتعصب، فمع انتشار فكر القبّالاه/ التصوف اليهودي أعلن رجل يسمى شبتاي تسفي/Şabbatai Zevi (1626-1676) أنه المسيح المخلص المنتظر لليهود، وهو أمر كان متكررًا في تلك الفترة بين اليهود في مناطق مختلفة من العالم. وقد أدى ذلك إلى اضطرابات اجتماعية كبيرة في أوساط اليهود في تركيا وخارجها، لم تتعاف منها الطائفة في تركيا إلا في منتصف القرن التاسع عشر. ويرجع السبب الرئيس لظهور شبتاي تسفي إلى أن الجاليات اليهودية في الأناضول، والتي كانت منتشرة في عديد المدن، كان كل منها ينتخب حاخامه الخاص، ومن ثم كان لكل مدينة حاخامها. وظل هذا الأمر على هذا النحو حتى قدّم اليهود عام 1835 التماسًا إلى الباب العالي للموافقة على الاعتراف الرسمي بانتخاب حاخام أكبر ليهود الدولة العثمانية، ومع قبول الالتماس صار يطلق على هذه الشخصية المنتخبة الحاخام باشي. كانت أعداد اليهود في أنحاء الدولة العثمانية تتراوح بين 200.000 إلى 300.000 في مطلع القرن العشرين، سكن تركيا منهم نحو مائة ألف أو يزيد. لكن متغيرات عدة في مطلع القرن العشرين ومنتصفه دفعت عشرات الآلاف من يهود تركيا إلى مغادرتها، فتقلصت أعدادهم بشكل لافت، إذ انخفضت إلى ما بين 15 ألفًا و20 ألفًا في الوقت الراهن.
| تجلى التحول المبكر تجاه اليهود حين سمحت السلطات العثمانية لهم بإعادة بناء المعبد اليهودي المعروف باسم “عيتس هحاييم עץ החיים Etz ha-hayyim/ شجرة الحياة” (Getty) |
وتتركز أسباب هذا التراجع الكبير في أعداد اليهود في تركيا حول عاملين رئيسين: أولهما اختيار كثير منهم الهجرة إلى الأميركيتين، لا سيما الولايات المتحدة، في سياق البحث عن فرص اقتصادية أفضل، والهروب من تداعيات الحرب العالمية الأولى. ويزعم باحثون يهود أن هذا التوجّه نتج عن حالات عنف معزولة وعرضية وقعت إثر إعلان قيام إسرائيل في 1948. هنا تحديدًا يُطرح أكثر من سؤال: هل يمكن لحوادث عرضية، إن حدثت، أن تكون سببًا في موجات هجرة كبيرة؟ وكيف تُفسر كثرة الإشارات من باحثين يهود إلى أن تركيا كانت ملاذًا آمنًا لليهود الفارين من الاضطهاد النازي، لدرجة مشاركة دبلوماسيين أتراك في جهود إنقاذ يهود غير أتراك خلال الحرب العالمية الثانية؟[3] وكيف يمكن قراءة معلومات متواترة عن أن هجرة يهود تركيا إلى أميركا في بداية القرن العشرين كانت مدفوعة بالاضطهاد الذي تعرضوا له من اليونانيين في أثناء سيطرتهم على أجزاء من تركيا بين عامي 1918-1922، حيث اضطر يهود مدينة إزمير مثلًا للهجرة إلى أميركا بسبب قسوة اليونانيين؟ ويؤكد باحثون أن الغالبية العظمى من اليهود السفارديم الذين يعيشون في العاصمة الأرجنتينية بوينس أيرس هم من اليهود الذين هاجروا من تركيا.[4]
يرتبط العامل الآخر بقيام إسرائيل عام 1948، حيث أعاد قيامها النزعة الصهيونية لدى قطاعات واسعة من يهود العالم ومنهم يهود تركيا أيضًا، فاندفع عشرات الآلاف منهم للهجرة إلى الكيان الجديد، حتى صار عددهم في إسرائيل يتجاوز 77 ألف نسمة، من بينهم شخصيات مشهورة مثل المغنية ياسمين ليفي Yasmin Levy، والممثل الكوميدي آدي أشكنازي Adi Ashkenazi، والموسيقي شلومو شابات Shlomo Shabat.
ولعل إحدى السمات التي حرص اليهود على التمسك بها عبر تاريخهم، هي الحفاظ على خصوصية العلاقات الداخلية بين أبناء الطائفة والبحث عن طرق تبقي أسرار الطائفة في نطاقها، وهو ما وجدوه في تطوير كتابة خاصة للغات، أو دمج العبرية في اللغات المحلية في البلاد التي يعيشون فيها. وقد ظهر هذا جليًا في العالم العربي، وكذلك في أثناء الحكم الإسلامي في الأندلس، حيث استخدموا ما عُرف بـ”العربية اليهودية”، فكانوا يكتبون العربية بالحروف العبرية، أو يستخدمون كلمات عبرية ضمن النصوص العربية التي كانوا يكتبونها بالخط العبري. وتجلى ذلك أيضًا في تطوير اليهود الأشكناز في وسط أوروبا وشرقها لغة مزجت بين الألمانية والعبرية والآرامية ولغات سلافية، مع غلبة للغة الألمانية عُرفت باسم الييديش. أما اليهود السفارديم الذين عاشوا في شبه جزيرة أيبيريا (إسبانيا والبرتغال)، فقد استخدموا لغة تمزج بين الإسبانية والعبرية، وقد تتأثر بلغات محلية في مناطق استقرارهم عُرفت باللادينو. نقل اليهود الذين فروا من شبه جزيرة أيبريا هذه اللغة معهم، واستخدموها في تركيا، وأُطلقت عليها أسماء عدة هناك: إسبانيولكا/Ispanyolca، اليهودية الإسبانية/Judeo-Espanyol، اليهودية/Judezmo، السفاردية/Sefaradca، ويطلق عليها اليهود أحيانًا لغتنا/la lingua muestra. وحتى عقود قريبة، كانت اللادينو تكتب بخط عبري خاص يُعرف بـ”راشي” في إشارة للأحرف الأولى من اسم مبتكره الحاخام شلومو يتسحاقي Rabbi Şlomo İtshaki (1040-1105)، قبل أن تتحول تدريجيًا إلى استخدام رسم خاص من الحروف اللاتينية. ويُقدر أن اللادينو كانت لغة التخاطب اليومية بين يهود تركيا حتى أوائل القرن العشرين، بل إن صحيفتهم الوحيدة التي ما زالت تصدر في تركيا بشكل أسبوعي تتضمن صفحات بهذه اللغة، ما يعني أن كثيرًا من أبناء الطائفة، مَن فوق الثلاثين عامًا، لا يزالون يحافظون عليها، خصوصًا وأن العروض المسرحية والأنشطة الثقافية التي تنظم داخل الطائفة تقدم بهذه اللغة.[5]
ويقدر الباحثون أعداد اليهود السفارديم في جميع أنحاء العالم بنحو 400 ألف يهودي، ينتمي معظم اليهود الأتراك إليهم، يعيش منهم حاليًا في تركيا أعداد تتراوح بين 15 ألفًا و20 ألفًا، تتركز غالبيتهم في إسطنبول، إضافة إلى تجمعات محدودة في إزمير، وأعداد متفرقة في مدن تركية أخرى مثل: أضنة وأنقرة وبورصة وجناق قلعة. ويرتبط هؤلاء جميعًا بالحاخامية الكبرى في إسطنبول، التي تمثل المرجعية الدينية والإدارية العليا للطائفة، وتشرف هذه الحاخامية، التي يقودها حاليا الحاخام الأكبر/حاخام باشي دافيد تسفي/David Zevi على شؤون العبادة والتعليم والزواج والدفن… وتدير الطائفة ثلاث مدارس يهودية، واحدة ابتدائية، وثانية ثانوية، علاوة على مجمع مدارس افتتح عام 1994 يشمل المراحل التعليمية كافة حتى الثانوية. كما تنظم دروس أسبوعية في أيام الأحد لأبناء الطائفة حرصًا على نقل التقاليد الدينية والطقسية إلى الأجيال الجديدة.
وعلى المستوى الديني والثقافي والاجتماعي؛ تضم إسطنبول 26 معبدًا يهوديًا، أبرزها معبد “نفيه شالوم נווה שלום Neve Shalom/ واحة السلام” في منطقة كراكوي، جميعها معابد لليهود السفارديم، باستثناء معبد واحد لليهود الأشكناز بالقرب من برج جالاطا الشهير. فضلا عن معابد متفرقة في مدن مختلفة كأنقرة وأنطاكية وأضنة وجناق قلعة وبورصة. أما ثقافيا، فقد افتتح متحف يهودي في تركيا في نوفمبر/ تشرين الثاني 2001 ملحق بمعبد نفيه شالوم، إلى جانب استمرار الطائفة اليهودية في نشر صحيفة أسبوعية بعنوان “شالوم שלום Şalom/سلام” ومجلة شهرية بالعنوان نفسه، تصدران باللغة التركية وتتضمن صفحتين بلغة اللادينو. وهناك عدة نواد اجتماعية يهودية في إسطنبول تقدم أنشطة اجتماعية وثقافية؛ كالأمسيات الموسيقية السفاردية، والعروض المسرحية، وما إلى ذلك.
وفي ضوء هذا المسار التاريخي الطويل، فإن تجربة يهود تركيا تفهم بوصفها حالة اجتماعية وثقافية كانت مرآة للتحولات السياسية الكبرى عبر التاريخ. واليوم، ورغم تقلص حجم الطائفة العددي، ما يزال المجتمع اليهودي يمثل دليلًا على تاريخ التعددية، ويظهر إلى أي مدى تسامحت الحضارة الإسلامية مع اليهود واستوعبتهم ضمن مكوناتها، في وقت كان اليهود يتعرضون للقمع في كثير من مناطق العالم المسيحي.
[1] – Flavius Josephus, The Antiquities of the Jews, 2006, Chapter 1, Book 1.
[2] – https://www.worldjewishcongress.org/en/about/communities/tr
[3] – https://www.worldjewishcongress.org/en/about/communities/tr#religious-and-cultural-life
[4] – Yitzchak Kerem: Migration Routes of Rhodian Jews of the Ottoman Empire and the Mediterranean Basin. In: Encyclopedia of the Jewish Diaspora, ed. M. Avrum Ehrlich. Oxford, ABC Clio 2009.p. 371-372.
[5] – Mary Altabev. Judes-Spanish in the Turkish Social Context. In: Encyclopedia of the Jewish Diaspora. p. 181-183.