لا يزال لبنان يضج بأخبار أو شائعات أو تسريبات، تتعلق بالحدود الشرقية مع سوريا. يومياً تغزو الساحتين السياسية والإعلامية في بيروت أجواء تشير إلى أن دمشق تتحضر للدخول في عملية عسكرية ضد حزب الله في البقاع، وبعض ما تضج به الساحة اللبنانية يُنسب إلى تقارير إسرائيلية لم يتبين مدى صحتها. في السياق يؤكد مصدر سوري رسمي رفيع لـِ “المدن” أن سوريا لا تفكر أبداً بأي تدخل في لبنان، وأن الرئيس السوري أحمد الشرع كان واضحاً مع المسؤولين اللبنانيين وخصوصاً مع رئيس الجمهورية جوزاف عون عندما اتصل به وأكد دعمه له وللدولة اللبنانية. ويعتبر المسؤول السوري أن هناك جهات عديدة تسعى إلى زرع الشقاق وتخريب العلاقة اللبنانية السورية، وعدم السماح لها بالتطور بناء على معادلة جديدة وهي العلاقة التي تكون مبنية من دولة إلى دولة.
يقول المسؤول السوري: “على اللبنانيين أن يتأكدوا من أنه لا يمكن لسوريا أن تفكر بعقلية النظام السابق، وليس لديها أيّة نية للتدخل بشؤون لبنان، فسوريا تريد أن تكون مرتكزاً للسلم والأمن في المنطقة، وهمها التركيز على حفظ الاستقرار فيها وفي الدول المجاورة لأجل إطلاق عجلة التنمية، فاستقرار لبنان أحد أهم الأولويات بالنسبة إلى سوريا، خصوصاً للعمل على إعادة الإعمار وتعزيز التجارة والاستثمارات، وسوريا تريد أن تتحول إلى مرتكز أساسي لخطوط التجارة البرية بين الخليج وتركيا، ويمكن للبنان أن يكون شريكاً وجزءاً من هذا المشروع، وكذلك في مشاريع النفط والغاز، لذا فكل هذه الطموحات والمشاريع لا يمكنها أن تلتقي مع أي توتير أو حوادث أمنية”.
ويضيف المصدر السوري أن دمشق تركز على دعم الدولة اللبنانية وتعزيزها، وفي هذا السياق جاء اتصال الشرع بعون، أما لدى سؤال المصدر عن كل الكلام المتعلق باستعداد سوريا للدخول عسكرياً ضد حزب الله وسحب سلاحه ولا سيما صواريخه من البقاع يجيب بالقول:” لا نريد ولا وجود لأيّة نية أو إرادة لحصول أي احتكاك، ونتمنى من لبنان أن يأخذ هذا الكلام بجدية، وعدم جعل ملف سوريا ملفاً للاستثمار السياسي الداخلي اللبناني، أو ملفاً لتبرير أيّة سياسات أو للاحتفاظ بالسلاح، ولذلك لا بد للدولة اللبنانية من ضبط الوضع بشكل كامل على الحدود، كي لا يحصل أي استثمار بأي مشكلة، فنحن لسنا معنيين بفتح أي جروح مع أي طرف”. ويبدي السوريون تخوفهم من أن يكون حزب الله أو بعض المحسوبين عليه هم الذين ينشرون إشاعات التدخل السوري وذلك لتبرير الاحتفاظ بالسلاح تحت شعار “حماية الشيعة” من أي هجوم سوري.
أما بشأن الإجراءات العسكرية التي اتخذتها دمشق على الحدود مع لبنان، فيؤكد المسؤولون السوريون أنها إجراءات متخذة على الحدود مع العراق أيضاً، وذلك لضبط الأمن السوري ومنع حصول أيّة احتكاكات ناجمة عن الحرب الدائرة في المنطقة. خصوصاً في حال أصرت إسرائيل على عمليات إخلاء مناطق الجنوب والبقاع، وعلى عملية التهجير الممنهج، إضافة إلى الكلام الإسرائيلي عن إخراج مقاتلي حزب الله من لبنان، هنا تتخوف سوريا من أن ينتقل مقاتلو الحزب إلى المناطق الجردية الواسعة الممتدة بين لبنان وسوريا، وهو ما قد يؤدي إلى احتكاكات ومواجهات، ولذلك سوريا تتخذ إجراءات مشددة. وهنا يؤكد المصدر السوري أن دمشق ترفض بالكامل السياسة الإسرائيلية القائمة على التهجير، وأن الشرع أكد أمام كل المسؤولين العرب والأجانب الذين تواصل معهم بأنه لا يمكن تهجير الناس من مناطقهم وأراضيهم، وهذا ما أكده أيضاً لرئيس الجمهورية جوزاف عون.
في دمشق هناك من يتخوف من أن تقدم إسرائيل على دفع مقاتلي حزب الله للحدود اللبنانية السورية والعمل على افتعال إشكالات ومواجهات هناك، وبذلك تستنزف الحزب وتستنزف سوريا أيضاً، وتضغط على البلدين معاً، وهذا ما تدعو دمشق الجميع للتنبه إليه. ويدعو المسؤولون السوريون للانتباه من أي فخ قد تنصبه أيّة جهة ولعدم التورط بأيّة مواجهة على الحدود اللبنانية السورية.
بالنسبة إلى المسؤولين السوريين ولدى سؤالهم عن مقاربتهم لما أثير عن “سلاح حزب الله الموجود في البقاع” التي يعتبرونها تهديداً موجهاً نحو دمشق، يجيبون بالقول: “إن المعادلات القائمة في المنطقة اليوم تشير بوضوح إلى انتهاء عصر السلاح خارج الدولة، وهذا ما يسري على سوريا كما لبنان، وهناك قرارات واضحة اتخذت في البلدين، لحصر السلاح بيد الدولة، وعليهما تطبيق هذه القرارات والإيفاء بما جرى التعهد به للمجتمع الدولي، ولكن من دون تدخل أيّة دولة بشؤون الأخرى.
لا تخفي دمشق تخوفها من التحركات العسكرية الإسرائيلية على الحدود اللبنانية السورية في البقاع، وأنه يمكن لهذه التحركات أن تؤسس لإشكالات لاحقة من خلال افتعال إشكالات بين الجانبين، أو أنَّ إسرائيل تريد التقدم وتنفيذ عمليات في البقاع ما سيشكل عنصر ضغط على سوريا ولبنان معاً. في المقابل، تركز سوريا على التنسيق والتفاهم مع الولايات المتحدة الأميركية ومع الدول العربية للحفاظ على ضبط الوضع السوري ومنع إسرائيل من أيّة خطوة تصعيدية الآن ولاحقاً. ومن هنا جاء طرح الشرع بضرورة بناء منظومة تنسيق عربية أو غرفة عمليات مشتركة لضمان أمن الدول العربية.
تنطلق هذه القراءة من معطىً أساسي، وهو أن الولايات المتحدة الأميركية، وبعد الحرب على إيران ستكون مستعدة لتعزيز علاقاتها التحالفية مع الدول العربية، وعدم حصر تحالفها مع إسرائيل فقط، وقد أظهرت هذه الحرب أن لا وجود لحلفاء أقوياء على المستوى العسكري بالنسبة إلى واشنطن في المشرق العربي، خصوصاً بعد تمكن الشرع من إخراج قوات سوريا الديمقراطية من المعادلة، أما القوات الكردية في كردستان العراق فليس لديها قدرات عسكرية وبشرية كبيرة، كذلك فإن الأميركيين يواجهون مشاكل عديدة تتعلق بعدم وجود جيش عراقي في ظل الصراع مع الحشد الشعبي، إضافة إلى التوتر الأميركي مع الجيش اللبناني في هذه المرحلة، من هنا فإن دمشق تنظر إلى نفسها كقوة بشرية وعسكرية قادرة على لعب دور أساسي بناء على التحالف مع الأميركيين في المرحلة المقبلة، ومع دول عربية وخليجية وكذلك مع تركيا، لتشكيل نوع من القوة الضامنة على مستوى المنطقة بالارتكاز على زيادة التنسيق مع الأميركيين، من خلال الرهان على العلاقة مع المبعوث الأميركي توم باراك وقائد المنطقة الوسطى براد كوبر.