في دمشق القديمة، تبدو الأزقة الحجرية والبيوت ذات البحرات والأبواب الخشبية، كأنها مشهد محفوظ من زمن بعيد. في المطاعم والمقاهي التي انتشرت داخل البيوت التراثية، يُقدَّم للزائرين ما يُسمّى اليوم «التجربة الدمشقية»: مزيج من الحنين والضيافة وصورة مدينة مُتخيلة عن الماضي. لكن خلف هذه الصورة التي يغيب عنها البعد الثالث، تراكمت خلال العقود الماضية طبقات أعادت تشكيل معنى المكان نفسه. كيف تحولت دمشق القديمة إلى فضاء سياحي ونخبوي؟ وكيف ساهمت السياسات العمرانية والاستثمار الثقافي والدراما التلفزيونية وحتى النخب الاجتماعية في إعادة صياغة ذاكرة المدينة وسكانها؟

يُحاول هذا البحث تفكيك تلك العملية، والاقتراب من الطرق التي جرى عبرها إنتاج صورة دمشق القديمة كتراث ثابت ومقدّس، في حين ظلّت المدينة الحقيقية تتغير في عمق الصورة «غير المرئي».

كيف تم تصوير «دمشق القديمة» وتحريرها وطباعتها وتوزيعها كصورة ثنائية الأبعاد، «مبروّظة» بإطار تجاري، استهلاكي، متجمدة في الزمن، ساكنة، وديعة، غامضة ومتحفية؟

التجربة الدمشقية

يُمكن فهم التراث الثقافي في المدن المأهولة على أنه تراكم موضوعي للطبقات التاريخية والتحولات السياسية والاجتماعية، لكن في الوقت نفسه يُمكن أن يُمحى أو يُعدّل أو يُعاد تفسير المعلومات والدلالات التي يتلقاها الناس من تراثهم بشكل عنفي أو مصطنع أو موجه لتحقيق أهداف معينة مثل السيطرة الاقتصادية، التلاعب بالهوية الثقافية، طمس الأصالة والقيم المرتبطة بالمكان وتشويه التراث أو استغلاله.

يُمكن تبسيط هذه الهيمنة بنشر صور بشار الأسد، بشكل ملفت على قلعة دمشق وتعليقها بشكل دائم على أبواب باب شرقي، وباب توما، وباب الجابية. فيما طُبِعت صورة حافظ الأسد على العملة الورقية إلى جانب الجامع الأموي. لكن التلاعب بالتراث قد يتخذ أشكالاً أكثر تعقيداً.

تُعدُّ دمشق القديمة المركز التاريخي للمدينة،1 وبسبب معناها الرمزي، كان من المتوقع أن يجري اختيارها للاستعراضات والأنشطة المرتبطة بالتجمعات والفضاءات العامة. لكن هذا لم يحدث، على الأقل في فترة (الأسدية الاشتراكية)، فالعمارة والتراث الدمشقي يتنافى مع التفضيلات البصرية للحكم البعثي، التأميم الثقافي العروبي والأيديولوجيا الشمولية. وبالتالي لم يُستفاد من دمشق لتذكير الناس بتاريخهم الماضي وتحفيز الفخر الداخلي للجماهير كما يجري عادة في الدول القومية. ولم تُقلَّد كذلك تصاميم البناء النازية والفاشية والستالينية أو ما يُعرف بـ «إرث الديكتاتوريات»، التي قامت بإعادة تطوير العواصم بأكملها، لتمثيل عظمة وتفوق الدول الشمولية وحكامها (باستثناء مكتبة الأسد ربما والقصر الجمهوري). كما لم يُنسَخ النمط الدمشقي أو يُعمم أسلوب البناء أو مواده ولم يجرِ تعظيمه أو اعتباره أصلياً، بل «نوستالجياً»، وحيداً، ونادراً.

في الفترة (الأسدية النيوليبرالية: 1990-2024)، كانت إعادة تحرير صورة المدينة جزءاً من المحاولة العامة لإضفاء طابع حداثي على سورية ليتناسب بشكل فج مع الدبلوماسية الثقافية وشروطها. تحاول المطاعم والمقاهي والمسلسلات التلفزيونية والمذكرات الحنينية والمعارض الفنية وحتى بعض الجمعيات الثقافية إعادة إنتاج التقاليد واستهلاكها. تُقدّم جميعها بطرق مختلفة منتجاً واضحاً، إنها «التجربة الدمشقية».2 أصبحت فكرة المدينة القديمة سلعة يستهلكها السياح، وسكان دمشق الآخرون بمن فيهم سكان قصر المهاجرين،3 الذين اعتادوا على الظهور في هذه المطاعم في كل مرة أرادوا إثبات أن «سوريا بخير».

بدأت المطاعم تفتح أبوابها في المدينة القديمة بخجل في نهاية التسعينيات مع قرار الطبقة الحاكمة الانفتاح الاقتصادي، زاد ذلك بشكل كبير مع قدوم بشار الأسد إلى السلطة والسماح لرأس المال المتراكم بالظهور علناً. صُمِّم الأسلوب المعماري للمطاعم والمقاهي وطعامها وأجوائها لإعادة خلق أجواء دمشقية «أصيلة». وأصبحت مع عدد من فنادق الخمس نجوم، تُشكّل عنصراً أساسياً في تجربة الماضي، وزاد عددها بشكل كبير حتى اختنقت بعض الأحياء بها (لأغراض هذا البحث تم إحصاء حوالي 131 مطعماً و43 فندقاً). جرى ذلك، غالباً، بمعزل عن أهالي الحارات، وتحولت هذه البيوت التي جرى تجديدها من «بيوت جيران» إلى «منتجات تراثية»، حتى أن بعضها بيع في السوق السوداء.4

لم تكن فقط المطاعم والنوادي الليلية مَن تلعب على صور التقاليد الشامية، بل ستجدها في أدب وشعر الحنين إلى الماضي، وفي خطاب المدافعين عن التراث التاريخي. ويرى البعض أن هذه الكتب الحنينية 5 التي تحتفي بالمدينة القديمة وتجربة الماضي الضائع تعمل كتعبير عن المقاومة للنظام الاجتماعي الجديد، بما في ذلك الفظاظة والابتذال المفترض «لمحدثي النعمة». لكن، من جهة أخرى فإن حراس التراث يمتدحون دمشق القديمة ويربطونها بالتفوق الثقافي 6 مما يُشير إلى محاولات «الهيمنة الاجتماعية» واستغلال رأسمالهم الرمزي المُتولد نتيجة هيبة الارتباط بالمدينة القديمة، وهو الأمر الذي اجتذب بدوره كثيراً من ذوي الادعاءات الأرستقراطية أو الثقافية. فقد أصبحت المناقشات حول تمثيل مدينة دمشق القديمة والحفاظ عليها وترميمها جزءاً من المنافسة على المكانة وبناء الهوية بين نخبة المدينة (السياسية والثقافية والاقتصادية والدينية) بعلاقاتهم المتناقضة، بل تحول ذلك أحياناً إلى مكان للنضال الاجتماعي والسياسي الناعم.

ولّد تسليع الحياة الاجتماعية سياقات تُستَدعى فيها دمشق باستمرار، وفي بعض الأحيان يجري تقويضها. ويُمكن تلمس ذلك في مجموعة من المسلسلات التلفزيونية، والفنون البصرية.

تُحفِّز مسلسلات مثل باب الحارة وليالي الصالحية والعربجي مشاعر فقدان علاقات وقيم اجتماعية قديمة مثل الشعور بالشرف، والروابط الأسرية، والعلاقات الصالحة بين الرجال والنساء، ومظاهر الحداد، وطُرق عيش حياة تقية متدينة، وهي بذلك تستدعي الفكرة النوستالجية القائلة بأن الحارة يجب أن تكون أداة للسيطرة الاجتماعية عبر «‘زكرتياتها’، رجالاتها وقبضاياتها» والتي تفترض وجود هوية متجانسة مفترضة بين سكان الحي، ولكنها غائبة في دمشق القديمة اليوم. 7 أدت هذه المسلسلات الشعبية وظيفة واضحة لتقديم الماضي باعتباره مكاناً مُشتهى، لكنه مستحيل أيضاً.

وتستنتج كل من الأنثروبولوجية كريستا سالامندر والباحثة نور حلبي أن مسلسلات البيئة الشامية تُشكّل مواقع لصراع الذاكرة، ووسيلة تستخدمها الدولة السورية والنخب السورية لتقديم صور بديلة للماضي «الأصيل» 8 وعلى المنوال نفسه يرى الباحث عمر الغزي أن الخيال الاستراتيجي للماضي في مسلسل باب الحارة يعكس مشروع النظام السوري المُتمثل في سدِّ الفجوة بين سلطة الدولة العسكرية والشعور الوطني بالانتماء.9 وبالتالي يُمكن فهم تصوير الحارة كفضاء خاص لا ينفتح على المجال العام ويفتقد مظاهر التمدن فيما يجري تصوير المدينة القديمة باعتبارها «استدعاءً للماضي»، و«سفراً عبر الزمن» أو بعبارة أخرى، دمشق المستحيلة. مكان غير موجود في الواقع، فردوس مفقود غير ممكن التحقق.

هكذا، تُختَبر الجغرافيا المُقدسة لدمشق القديمة، حقيقية كانت أم مزيفة، من خلال مجموعة متنوعة من الأشكال الثقافية التعبيرية وممارسات الترفيه، ليُصبح الاستهلاك الانتقائي لهذه الأشكال أسلوباً لبناء الهوية «للبعض» والسيطرة عند البعض الآخر. وكما يُظهِر (بورديو، 1984)، 10 فالناس يُحددون مكانتهُم الاجتماعية من خلال ما يشترونه ويأكلونه ويرتدونه، وبالتالي فإن تفضيلات الاستهلاك في المطبخ والفن والموسيقى وأثاث المنزل ليست مسألة تتعلق بالذوق الفردي؛ بل تهدف إلى توسيع فرص التميّز الاجتماعي وتعمل كرأس مال ثقافي، يُعزز المكانة الطبقية ويُشرعِن العنف الرمزي (symbolic violence) من خلال اعتباره شكلاً من أشكال الامتياز والنفوذ.

بشكل مختلف، لكنه يتقاطع مع التفاوض على الامتياز الاجتماعي، يُمكن رؤية بيوت ومراسم الفنانين في المدينة القديمة، تحديداً في الحي اليهودي، والتي خضع قسم منها لأشكال من المقايضة مع السلطة، وقد أثارت هذه الأنماط أسئلة مثيرة للجدل إلى حد كبير تعكس انفصالات النخبة المثقفة وتناقضاتها، وتفتتها، وتورطها أحياناً في التمظهر كمنتج للتعبيرات الإقصائية والمجالات «الامتيازية». لقد كانت هذه المساحات الثقافية التي احتضنت أحداثاً فنية وموسيقية تُقدم مجالاً عاماً معقماً من السياسة، حيث يمكنك أن تسمع الموسيقى العالمية وتشاهد الفن الحديث، لكن لا يُمكن اختراق هوامش التعبير المنصوص عنها عسكرةً.

بالتوازي، فإن موضوعة دمشق في الفن التشكيلي السوري ليست منتشرة، وتعتبر في نظر كثيرين تجارية وشعبية. لكن الأحياء العشوائية وسكانها أيضاً موضوع غائب وغير مرئي، وهو بحث آخر. مع ذلك، كان يمكن مشاهدة مئات اللوحات في الأسواق التي تصور المدينة القديمة، لوحات يعمل عليها بعض الفنانين المغمورين وطلاب كلية الفنون الجميلة لتلبية الطلب عليها. غالباً ما تُصوِّر هذه اللوحات الشوارع الضيقة المتعرجة والمنازل المنغلقة على نفسها بأشجارها وياسمينها وبحرتها التقليدية، دون أناس يسكنونها أو وجوه تنظر إلى المتلقي، كصور تذكارية خالية من الوجود البشري، مشبعة بالحنين، ومغفلة التاريخ11 كما يُشير المؤرخ جوناثان شانون في كتابه عن الموسيقى والفن التشكيلي في دمشق وحلب، فإن صور دمشق الفوتوغرافية واللوحات التشكيلية تُصوِّر لحظات لا زمن لها، ولا… بشر.

وكمثال عن تغييب المجتمع المحلي عن مدينته التي يعيش فيها، يكفي أن نذكر أن خبر إزالة البسطات والشوادر وعربات الخضرة من أرصفة دمشق القديمة وأسواقها تكرر 17 مرة في السنوات الثلاث الأخيرة في وكالة سانا، في حين أن المشكلة الأكبر التي تُعاني منها المدينة هي قنوات الصرف الصحي التي يعود قسم منها إلى الزمن الروماني.12 لكن هذه المشكلة غير المرئية (العفن تحت الأرض) لا تؤثر على صورة المدينة المطلوبة والتي تشوهها البسطات.

إن الصور المهيمنة عن دمشق القديمة لا تحضر في الخطابات والسرديات فقط، بل جرى دمجها بشكل هيكلي في السياسات والبنى المؤسسية.

وتتنازع مسؤولية تخطيط وحماية المدينة القديمة وإدارتها عدة جهات حكومية: 13 لجنة حماية دمشق القديمة، و«المديرية العامة للآثار والمتاحف»، وتتولى وزارة الإدارة المحلية والبيئة تقديم مشاريع الدعم الفني وتنمية المدينة القديمة، فيما تشرف وزارة السياحة على عمل المطاعم والفنادق والأسواق التراثية.

إلى جانب ذلك، فإن منظومة التشريعات التي أصدرها نظام الأسد منذ 2011، جرى تصميمها بحيث تُمكِّن النظام من السيطرة العقارية على دمشق، ومنها المرسوم 66 لعام 2011 وقانون رقم 23 لعام 2015 والقانون رقم 10 الذي صدر عام 2018. إلى جانب ترك بعض القضايا عالقة في قانون التخطيط والتنظيم العمراني، مثل إمكانية تجزئة العقار أو إزالة شيوعه وهو ما يُواجهه كثير من ورثة التركات القديمة بدمشق، وانتشار عقود الإيجار القديمة والفروغ التجارية الخاضعة للتمديد الحكمي، فضلاً عن التداخل بين العقارات الخاصة والوقفية. (عدد بيوت دمشق القديمة 6000 عقار، منها 3300 منزل سكني، و1560 موزعة ملكيتها بين عامة وخاصة، و1140 عقاراً مُستملكاً مع وقف التنفيذ).

يُحيط بالمدينة القديمة اليوم، حزام متباين يضم مقابر تاريخية، وعقاراتٍ وقفية، وأراضيَ مستملكة، ومباني لوزارة الدفاع، ومناطق صناعية، وأحياء مخالفات تُعاني من الإهمال الخدمي، إضافة إلى نقاط تجمع للنفايات. ويُشكل هذا الحزام الفوضوي مناطق انتقالية تفصل المدينة القديمة عن محيطها الحسي وارتباطاتها الروحية، بما يتعارض مع مبادئ «فالتيا» لصون الحواضر التاريخية وإدارتها، وبما يُهمل توصيات اليونسكو الأخيرة للتعامل مع محيط سور دمشق كجزء من النسيج الحي للمدينة القديمة الواجب الحفظ.

وتفتقر المدينة القديمة إلى أعمال الصيانة الحكومية بشكل ملحوظ، وتُقدَّر المباني الآيلة للسقوط أو المتهدمة بنسبة 19 بالمئة من مجمل مساحة دمشق القديمة، والنسبة الأعلى في حارة اليهود والقيمرية، وحسب استبيان أجراه برنامج تحديث الإدارة البلدية عام 2008، فإن 15 بالمئة من هذه الحالات بسبب الفقر و40 بالمئة يعود إلى نقص التمويل والصعوبات الإدارية في الحصول على موافقات الترميم. 14

تبدو شروط الترميم التي وضعتها محافظة دمشق بالتعاون مع مكتب عنبر مستحيلة على السكان العاديين، فهي مكلفة، والمواد غير متوافرة بسبب التدمير البطيء للغوطة، وكذلك ندرة الحرفيين للسبب نفسه، كما يجب إتمام الإصلاح بشروط صارمة، وعلى نفقة صاحب البيت، لذا اقتصرت معظم عمليات الترميم الكبيرة على السفارات الأجنبية والقطاع الخاص وترافقت مع ما يُسمى «إعادة استخدام التراث» الذي لم توضع له شروط أو قوانين حتى الآن في سوريا. وقد توحش مفهوم إعادة الاستخدام في المدينة القديمة حتى استُخدِم قصر العظم (خان أسعد باشا) وقلعة دمشق كأماكن لأعراس الطبقة الأعلى سواء في السلطة أو المال.

إذاً، الشام القديمة تستولي على التراث الدمشقي، وفئات معينة تستولي على هذه الشام وتحتكر الحديث والدفاع عنها وحتى حبها. وفيما تتأصل الهويات المكانية بشكل أساسي في التجربة الفورية للأحياء والبيئة المنزلية وتدخل التشكيلات الاجتماعية في علاقة جدلية مع الأماكن التي تسكنها، 15 فإن «الهوية الدمشقية» التي جرى الدعاية لها نُزِعت ملكيتها عن الناس الذين يسكنون المدينة القديمة أنفسهم ويتفاوضون فيها على الحياة اليومية، لتُمثّل ما تُسميه الباحثة في دراسات التراث، لوراجانا، «الحماية المؤدلجة» للتراث 16 التي تعني اللجوء إلى «الماضي» بشكل اختزالي للغاية من أجل إضفاء الشرعية على المصالح الحالية للجهات الفاعلة السياسية. تجري هذه الحماية المُختزلة عبر بناء حواجز حول أشكال معينة من التراث، وعزله بالتالي عن سياقه ومستقبله، والحد من وظيفته أو قيمته الاجتماعية، بدل الحفاظ على طابعه الحي ودوره وحيويته. ممارسة التراث هي التي تجعله قادراً على الاستمرار والتكيف مع تطور المجتمعات والبيئة والثقافة ليمضي في وجوده، المقترن بوجود المجتمعات البشرية المعنية به.

تتجلى محاولات تملك المدينة القديمة من خلال إعادة تحريرها واختراعها، والخطابات المختلفة المحيطة بها، والتوترات العديدة التي تتخلل المجال الاجتماعي لدمشق. في غياب الفاعلية والحراك السياسي، يبدو الاستهلاك الذي يسمح بالتمييز والتصنيف تعويضاً عن الهويات الحالمة بالمواطنة والجدارة والانتماء.

دمشق المُسوَرة- دمشق المتخيلة

في عام 2014، قال خطيب مسجد الخير 17 في خطبة العيد – خطبة النصر لبشار الأسد: «لقد كان أمراء الشام أمناء على شرف الأمة، فهذا سيف الله خالد بن الوليد، وهذا عمر بن عبد العزيز، وهذا نور الدين محمود زنكي، والناصر صلاح الدين، وهذا الظاهر بيبرس، وغيرهم من قبل ومن بعد، وإن الله أقامك مقام أولئك العظماء الذين نصروا الأمة على أعدائها». 18 هذا الشيخ نفسه أصدر حتى الآن أربع موسوعات عن الأُسر الشامية-الدمشقية، متتبعاً نسب بعضهم للأشراف من آل البيت، ونسب آخرين للصحابة، ونسب ثالث للولاة العثمانيين. هناك شروط للدخول في هذه الموسوعة التي تتضخم في كل مرة، ووصلت في أحدث نسخها إلى 430 عائلة.

في السنوات الأخيرة، انتشرت عشرات الصفحات على وسائل التواصل الاجتماعي المُختصة بنَسَب الدمشقيين إضافة لعشرات الكتب التي تتبع رقم الخانة، وتشجير العائلة، وتتأكد من تسجيلات النفوس داخل السور. على قدر ما يبدو هذا التصنيف ساخراً للبعض، فإنه مزروع في السرديات-الاختصارات-الصور النمطية المتداولة. تأتي معه مرادفات للشوام الأصليين، والنخبة الدمشقية، والتجار الشوام، العائلات العريقة وغيرها، فحتى مع حقيقة أن كثيراً من العائلات غادرت إلى خارج السور، فإنهم كانوا مهتمين بتتّبع نسبهم إلى «العائلات الدمشقية البارزة» من داخل الجدار. يتوافق هذا التصنيف مع تفسير عالم الآثار كريغتون – الذي درس تراث المدن المُسوّرة – لوظائف سور المدينة، ففي حين أنه يحتضن السكان ظاهرياً، يعمل أيضاً بشكل حتمي على استبعاد أو تهميش الفئات الاجتماعية الأخرى «الأدنى». 19

ترى سالاماندرا وهي عالمة أنثروبولوجيا ومؤلفة معروفة بعملها في الثقافة والمجتمع السوري المعاصر، أن الدمشقيين من خلال نشر مثل هذه التمثيلات، يجادلون الماضي ويعوضون الزمن الذي كانوا فيه يسيطرون على مقاليد السلطة السياسية والاقتصادية. 20 اللافت، أن هذه المُجادلة لا يمكن أن تكون فقط عن «أهل السلطة»: سكان الجبال القادمين لاستيطان دمشق وحكمها. يتوسع هذا التعريف بسرعة ليشمل سكان دمشق من مئات السنين ممن يسكنون أحياء خارج السور، مثل أحياء الصالحية المسكونة منذ القرن الثاني عشر من قبل المقدسيين الهاربين من الغزو الصليبي، وأحياء المهاجرين التي استوطنها كريتيون وبلقان وشركس وغيرهم في نهاية القرن التاسع عشر، إضافة إلى الامتدادات الطبيعية للأحياء حول السور مثل أحياء القصاع والعمارة في الجهة الشرقية والقدم والميدان اللذان امتدّا إلى الجنوب للاستفادة من طريق الحج والتجارة. بل إن أعيان دمشق وكجزء من التمييز الاقتصادي، غادروا دمشق المسورة تباعاً نحو أحياء القنوات وساروجة حيث بنوا قصورهم الفارهة مع التوسّع المديني في أوائل القرن العشرين، فيما انتقل قسم لا بأس به من العائلات الكبيرة إلى أبو رمانة في الستينيات عندما كانت المدينة القديمة رمزاً للتأخر الثقافي والعمارة المهترئة والبيئة المحافظة. أيضاً، يمتد التعريف ليشمل كثيراً من سكان داخل السور كسكان حي الأمين وساحة الدوامنة مثلاً، ممن جاؤوا إلى دمشق القديمة من الأرياف القريبة وسكنوها ومعظمهم من أعيان الريف الذين أرادوا تعليم أبنائهم إبان حركة النهضة العربية. 21 هكذا يبدو أن السور المادي لا تتطابق حدوده مع السور النفسي المُتخيل.

وفيما سقطت الوظيفة الدفاعية لسور دمشق منذ زمن طويل، وأصبحت وظيفته – كعلامة معمارية تُحدد أين يتوقف الريف وأين تبدأ المدينة – وهمية، إلا أن دوره كرمز لـ«المكانة الاجتماعية الأعلى» و«الانفصال الهوياتي» كان أكثر ديمومة، ليُصبح مساحة انتقالية بين مجالات مختلفة، ويخلق ثنائيات من داخل وخارج، غريب وأصلي.

في دراستها عن الجوانب التاريخية لأسوار دمشق خلال سنوات الحرب السورية تستخدم نور حلبي هذه الثنائيات، مثلاً، لتفسير ما تسميه ردَّ الفعل الدمشقي اللامبالي تجاه حصار المعضمية، «حصار الأفراد خارج الأسوار» وتلفت النظر إلى تقاسم المركز الحضري لدمشق ومحيطها الثائر تركيبة ديموغرافية متماثلة نسبياً. حيث لاحظت بحق أنه لا يمكن تطبيق العدسة التحليلية الطائفية التي سيطرت على تصنيف موالي ومعارض، لتفسير «الصمت الدمشقي». معتبرة أن «الدمشقيين» عزّزوا سلطتهم الاجتماعية والسياسية ضمن حدود جغرافيا الإقصاء التي توفرها أسوار المدينة والتي أحاطتهم بأسوار نفسية حتى مع اختفاء معالم نسيجها المادي وحتى مع مغادرة العائلات الدمشقية لأحيائها القديمة باتجاه أبو رمانة والمالكي. 22

تتطابق هذه الاستنتاجات مع بعض الباحثين (كفيليب خوري وصقر أبو فخر) بأن هناك تأصيلاً في تاريخ الإدماج والاستبعاد في التطور الحضري الدمشقي أثَّر على التفاعلات التجارية ورأس المال السياسي. 23 وأن أعيان دمشق من ملّاك الأرض والتجّار ورجال الدين، أعاقوا تجربة الدولة الحديثة جرّاء الطابع المحافظ لهذا الثالوث التاريخيّ، 24 كما ينقل بعض أنثروبولوجي دمشق ملاحظاتهم عن وجود آليات متجذرة لتصنيف الطبقية الاجتماعية في دمشق. 25 مقدمين تفسيرات لا تخلو من مقاربات الاستشراق عن التأثير طويل الأمد الذي أنجزته جدران دمشق على استمرار العنف الرمزي تجاه الغرباء.

مع ذلك، تبدو حجة أن جدران دمشق قد لعبت دوراً دائماً في سياسات احتواء الداخل واستبعاد المناطق المحيطة من الهوية المدينية، غير كافية. فدمشق مزيج لا يمكن تصوره من ثقافات مختلفة، 26 استقبلت لاجئين منذ قرون، كما أن أسوار دمشق لم تكن خطاً محدداً بشكل صارم بالحجارة، بل كانت متداخلة دوماً مع النسيج البشري حول الشام وتتميز بمجموعات اجتماعية وعرقية وأنشطة وهندسة معمارية. 27 وكما يُلاحظ، كابلان، فإن هويات المدن التراثية متعددة الطبقات وبعيدة عن الثبات، فهي عرضة لإعادة الاختراع. وخلال الخمسين عاماً الماضية، يُمكن تلمّس الديناميكيات التي تم بها إعادة اختراع دمشق القديمة، مع ضرورة الاعتراف بأن تفكيك هذه الديناميكية شديد التعقيد وليس نهائياً.

وُضِعت الحدود المكانية لدمشق القديمة أول مرة بشكل واضح في مخطط المعماري الفرنسي (سوفاجييه، 1932) ومن ثمّ «مخطط المهندس الفرنسي إيكوشار» عام 1968، عندما استثنى دمشق القديمة المعروفة بـ «داخل السور»، من تصوراته عن التطوير الحضري لدمشق الذي أراده أوروبياً فيما مثّلت دمشق القديمة بالنسبة له مصدراً للتخلف الشرقي.

وصُنِّفت المدينة القديمة كموقع تراث عالمي لليونسكو في عام 1979. ولم يشمل قرار التسجيل توسعاتها خارج الأسوار التي يعود بعضها إلى أكثر من 800 عام، كما لم يلحظ قرار التسجيل وجود أي منطقة حماية محيطية. في السبعينيات أقرت سوريا قانوناً يحظر الهدم داخل أسوار المدينة إلا أن ثلثي المباني التاريخية في دمشق يقع خارج السور.

أدى ذلك إلى إهمال أحياء تراثية غنية كساروجة والقنوات وجرى تجاهل البيوت والقصور التراثية فيها، بل إنها في حالة متهافتة من التداعي بانتظار أن تسقط وحدها أو تتحول إلى خطر عام فيُعاد تشريع هدمها بالتحالف مع المقاولين كما سبق وحصل في أسواق كالقرماني وسريجة، والتي جرى هدمها، فيما عُدِّلت ملامح ساحة المرجة بالكامل وشُوِّه محيط الحجاز.

منذ تسعينيات القرن العشرين، حاول القطاع الأكاديمي الضغط باتجاه توسعة التسجيل الأثري لمدينة دمشق ليضم شرائح تاريخية من خارج الأسوار. وذلك لضمان استمرارية اتصال النسيج البشري داخل-خارج السور، إضافة إلى حماية دمشق القديمة من تبعات مشاريع تطوير عقاري تُغيِّر هويتها المعمارية والاجتماعية مع محيطها التقليدي.

قدَّم مشروع تطوير شارع الملك فيصل مثالاً هاماً عن التناقضات في السياسات الموجهة لحماية التراث وما يعتبر تراثاً، عندما أصدرت محافظة دمشق، دون الرجوع إلى وزارة الثقافة والمديرية العامة للآثار والمتاحف، مخططاً تنظيمياً جرى من خلاله تغيير الصفة العمرانية لهذه المنطقة بما يسمح بإنشاء طريق تجاري، وسكني، ومنشآت سياحية، وخدمية. أثار هذا القرار موجة غضب عارمة لدى سكان المنطقة وكثير من الأكاديميين والناشطين. في المحصلة، أُلغي المشروع رسمياً عام 2011 بضغط خارجي، عندما قام المركز العالمي للتراث بتسجيل «منطقة حماية المدينة القديمة» كملحق لملف التسجيل الأساسي. 28 كذلك تم إيقاف المشروع الاستثماري المتعلق بموقع محطة الحجاز عام 2009 بهدف إنشاء مجمع تجاري خلف مبنى المحطة.

إن تسجيل مدينة دمشق القديمة على لائحة التراث العالمي قد ساهم بطريقة أو بأخرى في حماية النسيج القديم داخل الأسوار وخارجها من مشاريع كبرى كادت أن تزيل جزءاً منه إلى غير رجعة. بالتالي، يحمل التسجيل في طياته الكثير من الفوائد المادية والمعنوية للمدينة، لكن في الوقت نفسه يطرح سؤالاً عن دور المجتمع المحلي في التفاوض حول تراثه.

يُحلِّل (مافي، وضاهر) في دراستهما عن استخدام التراث الثقافي للتفاوض على الهوية والسلطة والذاكرة في العالم العربي، كيف قد يعمل الإدراج في قوائم اليونسكو للتراث المادي على ما يُسميانه التَّتْرِيث وهي نتيجة جانبية لعملية الحفاظ على مواقع التراث والبحث فيها، فهي من جهة تجعل «تفسيرات معينة للماضي تحظى بالأولوية فوق غيرها»، ومن جهة أخرى تضع التراث المعماري كأولوية على المجتمعات الحية لهذه الأماكن ناهيك عن حقيقة أن مجموعات مختلفة من السكان لن يتم تمثيلها، لأنها تفشل في التوافق مع الرواية الرسمية للهوية الوطنية. 29

استمر هذا العزل الحاد لدمشق القديمة عن دمشق الكبرى في السياسات المكانية التقسيمية، باعتبار أن أفضل وضع لها هو إبقاؤها على حالها، معلقة على تاريخ مصفّى من الشوائب، وتراث نقي، ومدينة فاضلة تُمثِّل الحضارة والهيبة والجدارة والممارسة الدينية الحقيقية والتسامح الطائفي.

ورغم أن بقاء دمشق القديمة على حالها هو أبعد ما يكون عن الحقيقة وعن يوميات سكانها، فإن هذه الصورة النوستالجية عن الأحياء المتعرجة المسالمة، جرى تكريسها في الخيال الجمعي للسوريين عبر الخطاب الحكومي من جهة، وعبر سرديات ثقافية نخبوية تستبسل ضد ما يُمكن أن يشوب هذه الصورة الثابتة.

الثبات الذي هو المعاكس الموضوعي لـ«هوية المدينة» باعتبارها عملية مستمرة لا تتوقف إلا باندثارها، مما يجعل عامل الزمن أهم العوامل في تشكيل المدينة، أو كما يقول المؤرخ لويس ممفورد «المدينة هي واقع تراكمي في المكان والزمان». 30 وكما يستنتج المؤرخ السوري أنس صوفان أن تجميد تراث دمشق تحت عنوان حفظه وحمايته وصون الهوية الثقافية المحلية سراب يتعارض مع فكرة التراكم الحضاري الذي ميّز بناء جميع الحضارات البشرية.

وهنا نجادل أن التحديد الزمني لدمشق القديمة كان أساس انقطاعها وانفصالها وليس التحديد المكاني، فقد كانت دمشق خارج الأسوار تكبر وتتضخم وتترهل وتلتهم الأراضي والمياه والنفوذ والسلطة، فيما جرى تنميط وتحنيط المدينة القديمة ذهنياً، كمكان غير ممسوس، بشكل أو بآخر، يحمل طابعاً قدسياً وأحياناً طقساً تطهيرياً، حيث يُمكن تجربة اختباره واستهلاكه ونيل بركاته.

هويات دمشقية لا هوية – سلسة الصور النمطية

من الصعب الحديث عن وجود هوية «دمشقية» متماسكة حتى داخل السور حيث تم ترسيخ التقسيم الطائفي والطبقي، ورغم أن أحياء الأقليات المسيحية واليهودية والشيعية كانت معروفة تاريخياً في مدينة دمشق القديمة، فإنها اليوم أكثر وضوحاً ورسوخاً، بل ترافقها مجموعة خصائص ومظاهر وسلع تجعل الآخر مرئياً بوضوح في مدينة تبيع التراث المتنوع والمنسجم حرفياً. يُمكن فهم هذه التناقضات ضمن ثنائية الظاهر والباطن التي حكمت سوريا والتي تحتفل بالصور العامة المُكرّسة وتُسقِط التفاصيل غير المرغوب الحديث عنها. فقد كان، مثلاً، يجري التهامس عن التغيرات الديموغرافية خلسة وكشائعات يُمكن تكذيبها رغم إمكانية رؤيتها بالعين المجردة حيث شكّلت الرموز المتتابعة (لافتات وصور وأزياء وتقاليد جديدة واحتفالات) مشهداً صادماً يتم من خلاله بث وتثبيت نتائج الصراع باستمرار للجمهور الدمشقي، إلى جانب وقائع مادية أكثر عنفاً كالحرائق ونقل الملكيات وتغيير أسماء الشوارع.

ليس من السهل فهم كيف قامت السياسات المكانية بتقسيم المجتمع الدمشقي، ومن ثم مجتمع العاصمة الأوسع، مما أدى بطبيعة الحال إلى خلق هويات مُجزَّأة ساهمت بتشكيل هياكل ذهنية للصور الذاتية المتعددة الطبقات للمجتمعات التي تسكن العاصمة كـ «مجتمعات متخيلة». 31 وكما يشرحها العالم السياسي بينديكت أندرسون، «مجتمعات متماسكة تتحرك بثبات على طول التاريخ». تملك هويات مُتعددة متعارضة كانت تُنبئ منذ زمن بحدوث تصدعات مستقبلية في المجتمع.

لا تقتصر تناقضات الهوية بين داخل الجدران ونظيرتها في الخارج، بدءاً من سكان الحلقة الأولى حول السور كـ(القصاع والقنوات وساروجة)، وأحياء سكنها مهاجرون قدامى كالفلسطينيين في الصالحية، والشركس في المهاجرين، أو سكان ركن الدين ممن يعتبرون «كردي شامي»، ولا على الأحياء الراقية الممثلة لتحالف السلطة مع رأس المال، أو سكان دمشق الريفيين القدامى في (القدم والقابون وبرزة وجوبر) وصولاً إلى الريف السوري المستوطن في العشوائيات من (دويلعة إلى مزة 86 ومنطقة عش الورور)، وكذلك النازحين الفلسطينيين والجولانيين في (اليرموك والطبالة). فقد نمت وتطورت العشوائيات على الأراضي الزراعية بفعل الهجرة المتتابعة لمجموعات متماسكة بمؤثرات القرابة أو المُعتقد أو المناطقية، وشكّلت كيانات منغلقة على نفسها تحمل مفاهيم اجتماعية مشتركة وغالباً ما أغلقت على نفسها باب المثاقفة مع المجتمعات الملاصقة لها، كما يُلاحِظ برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. 32 فهذا التنوع الثقافي المحتفل فيه رسمياً، أخفى شروخاً هوياتية عميقة. ومثل سكان «القرية العرقية» لعالم الاجتماع هربرت جانز، 33 فإن أهل دمشق الكبرى لا يعرفون بعضهم بعضاً في الواقع، إنهم فقط يعرفون عن بعضهم البعض، لتبقى الشبكات الاجتماعية المتفاعلة في الواقع صغيرة جداً.

فالأحياء المشتركة وأحياء الطبقة الوسطى التي تُساهم عادة في تكوين هويات العواصم، قليلة جداً، وكما يلاحظ الباحث المتخصص في الجغرافيا الثقافية ييفو تونا 34 فإن الروابط المتنامية بالأماكن التي ننتمي إليها تَضعُف مع توسع تجربتنا وخروج عملية المثاقفة من القريبة والمجاورة إلى البعيدة والمجردة. وهي تجربة لم تكن متاحة أو على الأقل كانت مراقبة، لتبقى كثير من المجموعات البشرية أسيرة تصوراتها عن الآخر.

ربما يكون اللاتنظيم المكاني لدمشق باعتباره (سياسة مكانية)، قد عمل على زراعة الانقسامات ذات الأساس المكاني داخل الهوية السورية والدمشقية. لقد كرّست السياسات العمرانية المترافقة بعسكرة المجتمع وجود حدود مادية للمجموعات الثقافية التي تسكن دمشق، وبالتالي حدود رمزية (أسوار غير مادية). لهذا من السهل ردُّ كثيرٍ من أحياء دمشق الكبرى إلى أصول جغرافية وطائفية وطبقية يحمل كل منها صورة نمطية جاهزة، تذكرة تاريخية واضحة بالعنف الكامن وراء تشكيلها وبقائها.

تحتاج كل صورة نمطية عن الأحياء في دمشق الكبرى إلى بحث مستقل. لكن ما يلفت النظر هنا هو رسوخها وشكلها من حيث إنها تعريف للآخر وقلما تكون تعريفاً للذات، أي أن الصور النمطية لهذه الأحياء تصنعها الأحياء الأخرى أو السكان الآخرين.

هناك جنوح مجتمعي لقبول هذه الصور النمطية والمشاركة بإنتاجها كنتيجة لوجود «أنماط تفكير مشتركة مع المهيمِن والتي بفضلها يصبح الشخص الخاضع متواطئاً في خضوعه» كما يصفها بورديو. إن الصور النمطية التي جرى تكريسها والتي جرى اختراعها أيضاً عنيفة لدرجة جعلت دمشق مدينة مملوءة بالحواجز والشكوك بين أحيائها ومجموعاتها السكانية.

وكي نعود لدمشق القديمة، دعونا نأخذ مثالين: ساحة المرجة التي لعبت دوراً رمزياً في تشكّل الذاكرة السياسية السورية، فقد شهدت 25 آب (أغسطس) 1915 تنفيذ حكم الإعدام بأحد عشر مناضلاً ضد الاحتلال العثماني، ليتبعها في 6 أيار (مايو) 1916 إعدام الفوج الثاني من رجالات الاستقلال العربي. كذلك أعدم الاحتلال الفرنسي عدداً من رجالات الثورة السورية الكبرى وألقى بجثثهم في الساحة، كما شهدت الساحة كثيراً من الأحداث المفصلية في التاريخ السوري قبل أن يتم الحكم عليها بالصمت، والتهميش، والتشويه، وهدم عدد من أبنيتها الأثرية مثل دائرة البلدية، والقصر العدلي، ومركز البريد والتلغراف، وإخفاء المساحات الخضراء وتغطية نهر بردى. كما نشأت كتل من الإسمنت العاري بجوارها وبُنِيت فنادق رخيصة جعلت سمعة الساحة كبؤرة للبغاء تطغى على رمزيتها في الوعي الجمعي كساحة لنضال السوريين ضد الاستبداد والنضال من أجل الحرية والديمقراطية. 35 ورغم أنه لم يكن هناك أي دليل فعلي على كون الساحة مركزاً حقيقياً للدعارة، إلا أنها تدهورت بصرياً وجمالياً وتلوثت بيئياً حتى بدت كأنها لا تمت لتاريخها بصلة.

وبالتأكيد إن استعادة ساحة المرجة بعد سقوط النظام كساحة للفاعلية السياسية وتحديداً الخيار الشعبي والعفوي باختيار عمود المرجة لوضع صور المفقودين عليه، كما عُلِّقت مشانق شهداء الثورة ضد العثمانيين والفرنسيين، هو تأويل غير قابل للجدل بالذاكرة الجمعية التي تأبى النسيان.

إن سوق الحريقة هو مثال آخر لمواقع الذاكرة المشوهة، فقد اكتسب سمعته كمعقل للتجار الشوام (البيادق) حيث تجري فيه المؤامرات والصفقات المشبوهة ويتم التحكم بأرزاق العباد، في حين استمد اسمه من حريق سببه قصف المدفعية الفرنسية عام 1925 لمدينة دمشق، كعقاب لها على تأييد الأهالي للثوار الذين دخلوا المدينة بقيادة الزعيم حسن الخراط وسقط يومها ما يزيد على 1500 شهيد 36 والتهمت النيران حي سيدي عامود ومعظم بيوته الأثرية ومحال الأقمشة والخيوط فيه.

وفيما تُمثّل الحريقة والمرجة أمثلة عما يُسمى «مواقع الذاكرة» 37 التي عرَفها بيير نورا كأماكن، أو أحداث مادية أو رمزية لها أهمية خاصة في الذاكرة الجماعية للمجتمع حيث تسمح له بالحفاظ على الاستمرارية التاريخية، فإن اختفاء الموقعين ومعهما سرديتهما من الخطاب العام يُمثّل حالة نموذجية من «الإسكات الاستراتيجي» والذي يتضمن تهميش الثقافات المهيمنة للحقائق التاريخية ووجهات النظر المتنافسة، لتشكيل الذاكرة الجماعية بطريقة تدعم سردياتها وتضفي الشرعية على سلطتها.

جرى تداول تصورات ثابتة عن دمشق القديمة وتعميمها لتقدم تأصيلاً فوقياً لطبقات معينة مما يمنحها رأس مال رمزي تستطيع استثماره، فيما تمنح القوى السلطوية جذوراً في العاصمة تمتص مياه الشرعية من تاريخ جرى تجميده في الأحجار القديمة، ونُزِعت الحركة البشرية من داخله.

أصبح تراث العاصمة محصوراً في منطقة واحدة تستحق الحماية، بصيغتها المعمارية غالباً، وتمظهراتها الاستهلاكية الدينية والفنية والأدبية أحياناً. التراث هنا بوصفه تاريخاً غارقاً في القدم، لا علاقة له بمشكلات الحاضر. ثابت وغير منشغل بالأمور الدنيوية والصراعات السياسية، وليس بوصفه كائن حي، قد يتغير، ينمو، وقد يحتضر أيضاً.

وقد أثَّر تنظيم المساحة، أو لا تنظيمها، (باعتباره سياسة مكانية غير محايدة) في بناء الهويات الجماعية المكانية في دمشق وبالتالي على عمليات التضامن الممكنة والعدالة المكانية والتماسك الاجتماعي، وساهم في بناء حواجز نفسية حول الجماعات التي تتقاسم الجغرافيا الدمشقية ولا تتشاركها وبالتالي تزكية الصراع بينها.

وفي وقت لا توجد فيه مدينة تاريخية واحدة تمكَّنت من الحفاظ على طابعها الأصلي سليماً؛ إذ تتطور وتتحول جنباً إلى جنب مع المجتمع نفسه، لكن المأمول، بعد سقوط السلطة بهيكلها العسكري، أن تتمكن المجتمعات المحلية من استرداد ملكيتها للتراث ومشاركته، ليس كسلعة فقط، بل كقيمة وذاكرة تُعبّر عن حيويتها واستمراريتها وأن تبدأ في تفعيل مواقعها الإبداعية لمواجهة مصفوفات القوة وبقايا هياكل السلطة الاجتماعية والثقافية، وإنتاج سرديات المستقبل الذي أصبح من الممكن، أخيراً، إعادة تصوره.