غزّة كتبتْ لي بالليل

قبل أن أتجرّع الجرعة السمية الأولى هذا الضحى – أي قبل أن ألهث خلف أخبار الحرب – دوّمت في صدري الأغنية: “غزة كتبتْ لي بالليل/ والكهاربْ مقطوعة/ شفت برغم العتمة الويل/ ما شاف الليل دموعا/ كتبت غزة للأحرار/ بعد الليل يطلّ نهار/ ما في غير نشدّ الحيل/ ما في غير نشدّ الحيل”.

بين جملة وجملة كانت تسطع صورة الشاعر أحمد دحبور الذي كتب غُرَر الأغاني الفلسطينية، ومنها لهذه الأيام تلك الأغنية، وهذه أيضًا أغنية (غزة والضفة).

بينما راحت الجرعة تسري امتلأت عيناي بصورة أحمد طفلًا يرغط في ساحة المخفر في القرية الشركسية عين زاط  من سوار مدينة حمص، والتي عُرّب اسمها إلى (عين النسر)، وعشت فيها من طفولتي مثلما كان لأحمد. لكن عين زاط/ عين النسر لم تجمع الطفلين اللذين ستجمعهما كبيرين دمشق وبيروت طويلًا، وتونس لمامًا، وغزّة الآن الآن.

كنت قد بدأت منذ أيام أستعين على الجرعات السمية بالعودة إلى الروايات الفلسطينية التي كانت غزة فضاءها. بدأت برواية غسان كنفاني (ما تبقى لكم)، واستعدت بطلها حامد المسكون بأمه وقد فرقت بينهما هزيمة 1948 أو نكبة 1948: سمّ كما تشاء. ومع حامد هي ذي شقيقته مريم التي حملت سفاحًا من زكريا، وما أدراك (ما) زكريا؟

سقطت يافا عام 1948، فسقط الأب شهيدًا، وارتمى حامد ومريم في غزة، بينما ارتمت الأم في الأردن. والآن، بات على حامد أن يطأطئ ويزوج مريم من (النتن) كما لقّب زكريا. وزكريا كان عينًا إسرائيلية ليرشد العدو إلى المقاوم سالم الذي خاطبه بعد أسبوع من احتلال غزة: ما اشتهيت يا زكريا تطلق رصاصة؟ قتلوا والدك. تعال معنا. وحرم سالم النتنَ من الظفر به، فتصدى لعدوه وجهًا لوجه.

بسبب مريم اندفع حامد ينشد لقاء أمه. وعليه إذًا أن يقطع ما بين غزة والأردن. عليه أن يجتاز الحواجز الإسرائيلية، وأن يقتل هذا العسكري الذي اعترض سبيله. وقبل أن أنتهي من الرواية التي صدرت عام 1966، تسمّرت أمام النبأ الذي أعلن فيه ربعي المدهون عن أسماء ستة وعشرين شهيدًا من ذويه. وبدلًا من أن أسرع فأعزيه، أسرعت إلى روايته (السيدة التي من تل أبيب) التي بلغت سنة 2010 القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر). وكانت الرواية هي التي عرفتني – بعد الصحافة – على ربعي المدهون، قبل أن تجمعنا القاهرة في ملتقاها للإبداع الروائي. ومن اللقاء في رواية إلى اللقاء وجهًا لوجه كنت أتقرى في ملامح ربعي الذي أهلَّ على الدنيا في المجدل من سوار عسقلان، حتى إذا وقعت واقعة 1948 (هزيمة أم نكبة؟) أسرع مع أسرته إلى خان يونس. وبينما كنت أعيد قراءة (السيدة من تل أبيب) كنت أنقّب الشاشة عن مطرح لربعي في خانيونس، دكّته الطائرات أو سوف تدكه. وكانت الرواية تقتلعني من الشاشة لأرى ربعي يطير إلى لندن عقودًا أربعة قبل أن يعود إلى غزة: هو أم وليد دهمان الذي يكتب في رواية ربعي روايةَ (ظلال لبيت واحد)؟

تجمع الطائرة القادمة من لندن بين وليد دهمان الغزاوي والإسرائيلية دانا أهوفا. وفي مطار بن غوريون – ها هو صاروخ ينفجر قرب المطار – افترقا، هي إلى بيتها، وهو إلى غزة. وبينما تشرب دانا القهوة على شرفة بيتها، بهناء وسرور، كان على وليد في معبر إيريز أن يقضي تسع ساعات من الإذلال، ويقطع مائة متر. ولأمه إذًا الحق في أن تسأله عندما رن هاتفها من لندن: “أني جاي غزة يمّه… راجع ع لبلاد” فقالت التي ظلت تعدّ لابنها الفطور كل صباح ثمانيةً وثلاثين عامًا: “وإيش بدو يجيبك بعد هالغيبة يمّه؟”.

مقابل وليد دهمان هو ذا عادل البشيتي يعود إلى غزة أيضًا، ولكن عبر معبر رفح، ومنه سيغادرها، بينما يغادر وليد دهمان بعد ثلاثة أسابيع عبر مطار بن غوريون – ها هي صفارات الإنذار تدوّي فيه – ولكن بعد أن تستجوبه شابة عشرينية كأنها تدربت في واحد من فروع المخابرات العربية، ثم ترميه إلى أخرى، فيصفعها بكلمات غسان كنفاني: ولدت قبل إسرائيل، وأنا أكبر منها عمرًا.

تركت وليد دهمان يَعِدُ دانا أهوفا بغلاف الرواية التي يكتبها (ظلان لبيت واحد)، رمزًا للتعايش بين شعبين، إذا ما قبل الآخر. لكن الآخر لا يقبل، لا في الرواية ولا على الشاشة ولا في الهولوكوست الذي يقيمه في غزة منذ دهمه طوفان الأقصى.

في ضحى آخر، وقبل أن أتجرع الجرعة السمية الأولى، دوّمت في صدري كلمات محمود درويش: إذا سألوك عن غزة، قل لهم: بها شهيد، يسعفه شهيد، ويصوره شهيد، ويودّعه شهيد، ويصلي عليه شهيد.

ولأن الجرعة راحت تسري لجأت إلى رواية عاطف أبو سيف (حياة معلقة) التي بلغت عام 2015 القائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية. وكما في قراءتي الأولى للرواية، رأيت رأي العين أطفالًا يدمرون بالحجارة الدبابات الإسرائيلية في الانتفاضة الأولى، ورأيت جحافل السلطة الوطنية تملأ غزة حتى حلّت محلها السلطة الحمساوية. ولكن ما لذلك وللرواية؟

مع شخصية نعيم بن إبراهيم الورداني أرى عاطف أبو سيف طفلًا في مخيم جباليا، يتقرى نسبًا يصله بيافا التي هُجّر أهله منها، ومستقبلًا يصير فيه الطفل وزيرًا للثقافة الفلسطينية، ومن بعد يصير الكاتب الغزاوي: “مسكينة غزة، لا أحد يريدها، الكل يريد أن يتركها” كما يقول الراوي في رواية (حياة معلقة)، ثم يقول أنه/ أنك في مدينة معلقة بين حاجزين: إيريز شمالًا ورفح جنوبًا، لذلك: “أنت لست في حرية، بل أنت في سجن”.

هي غزة المعابر المغلقة، غزة حظر التجول وقطع الكهرباء والماء والغاز، غزة التعذيب والاعتقال والأسرى و… وكم من مدينة عربية هي غزة إذًا!

لنعيم بن إبراهيم الورداني المطبعة الوحيدة في المخيم، والتي طالما طبعت صور الشهداء. وكما ينقل عنه ابن سليم كان الحزن يفريه عندما يرى الشباب صورًا على الجدار، ويتحولون إلى بوسترات مثل يافطات الشوارع، يعبر العابرون بها، لذلك رفض سليم أن يطبع لأبيه صورة عندما قتلته رصاصة القناص الإسرائيلي وهو يفتح المطبعة.

ولد نعيم سنة النكبة التي شتتت الأسرة بين مخيمات الضفة ولبنان والأردن وغزة التي لجأ إليها مع والدته. ولنعيم بكره السجين، وسليم الذي يدرس في جامعة بيرزيت، وسيتابع الدراسة في إيطاليا. وقد تسمّرت قراءتي على ما تقول الرواية في الموت: “ليست البطولة أن تموت مجانًا، أن تموت بسبب خطأ وسوء تدبير، بل هي أن تعرف ماذا تفعل، وأن تفعله بطريقة سليمة حتى لو كلفك ذلك حياتك”. ولأنها غزة الآن الآن، تسمّرتْ قراءتي على: “الناس في غزة ضحايا آلة القتل التي تعمل رصاصها في أجسادهم، وتحصدهم بين وقت وآخر مثل سنابل في بيدر قمح تنهال تحت مقص آلة الحصاد. ليس لهم رغبة في رحيلهم المفاجئ أو في اختيار موتهم”.

ولأنها غزة الأنفاق جاء في رواية (حياة معلقة) رجلٌ يدعى خميس، يستلف ليحفر نفقًا، ويبيعه، ويربح، ويحفر ويبيع ويربح ويحترف الأنفاقية، ويصير مليونيرًا…

لكن غزة الآن الآن هي هذه التي تمطرها إسرائيل بالقنابل الاسفنجية التي تفجر سائلًا ورغوة فتسدّ النفق. وغزة الآن الآن هي هذه التي تمطرها إسرائيل بالقنابل الزلزالية التي تخترق الأعماق عشرين مترًا، قل ثلاثين. ولكن ألا يخشى من سماها بالقنابل الزلزالية من أن يضبطهم من حرموا القول بالزلزال مجازًا؟

بعد (حياة معلقة) تابعت يوميات عاطف أبو سيف التي سمّاها (الزنانة تأكل معي) والزنانة، مجازًا أيضًا، هي باللسان الفلسطيني طائرة دون طيار.

أما اليوميات التي قدم لها نعوم تشومسكي فهي لواحد وخمسين يومًا من القصف الإسرائيلي لغزة صيف 2014، كما ستكون لأحد عشر يومًا – مثلًا – من القصف الإسرائيلي لغزة بالأمس القريب (2021) أو الآن الآن.

بعد (الزنانة تأكل معي) هي ذي رواية (الحاجة كريستينا). وكما ناديت بيسان وأمها ريم من ليل الزنانة إلى نهارنا هذا، ناديت فضّة بنت عوني السعيد التي طارت من يافا إلى لندن، وصارت كريستينا التي ستعود ثمانينيةً إلى غزة، وكانت الحرب تطوي يومًا آخر على المدينة العربية الأجمل على شاطئ المتوسط – كما قال عاطف أبو سيف نفسه – وكان صوتٌ مجّرح يغالب جحيم الحرب في السماء والأرض، وينبض: غزّة كتبتْ لي بالليل/ والكهارب مقطوعة/ شفت برغم العتمة الليل/ ما شاف الليل دموعا/ كتبت غزة للأحرار/ بعد الليل يطل نهار/ ما في غير نشدّ الحيلْ/ ما في غير نشدّ الحيل.