مهما حاولت السينما أن تتحرر من سلطة الواقع وتاريخه فهي مدعوة ضمناً إلى الانخراط فيه (مواقع التواصل)

يرى عدد من المفكرين الفرنسيين أنه على رغم كون السينما  عملاً فنياً ووسيطاً بصرياً، فهي حين تبدأ بالتفكير في تحولات المجتمع  الذي تصوره يغدو خطابها أيديولوجياً. وبما أن السينما تتكون من مجموعة من الصور الفنية فهي تضمر في ذاتها خطاباً فكرياً أيديولوجياً للمجتمع وناسه على السواء. ونظراً إلى أهمية الصورة بالنسبة إلى السينما بوصفها براديغما فكرية، فقد شعرت الأنظمة بأهميتها لمخططاتها السياسية والأيديولوجية، فعملت عبر مجموعة من المخططات على دعم السينما، لا لتطويرها والرقي بها، وإنما لجعلها مختبراً بصرياً عبره يتم تكريس بعض الأجندات السياسية وأيديولوجياته

 

وفي تاريخ السينما نعثر على كثير من الأفلام السينمائية التي تحاكي في صورها فكراً ليبرالياً أو ماركسياً أو حتى إسلامياً فيالعالم العربي  إن الأمر له علاقة بعامل السحر الذي تمارسه السينما على المشاهد، فهي تدعوه إلى الانخراط فكرياً مع الفيلم. من ثم يجد السيناريست أو المخرج نفسه في مواجهة كتابة فكرية لا تسعى إلى تخييل الشخصيات والفضاءات والأزمنة والتاريخ بقدر ما يكون هوسها أيديولوجياً، إما لتكريس فكر ما أو تأويل حدث تاريخي أو تبرير مخطط سياسي، مما يعني أننا أمام علاقة متشابكة لا تنفك تتأثر وتؤثر في بعضها بعضاً.

السينما أيديولوجياً

التاريخ حين تعاد مركزته على عرش الصورة السينمائية يصبح أيديولوجيا. والسينما نفسها حين تنتقل من كونها خطاباً جمالياً تخييلياً إلى خطاب يدين الواقع عبر الكاميرا والحوار تغدو أيديولوجيا. إن السينما مهما حاولت أن تتحرر من سلطة الواقع وتاريخه فهي مدعوة بطريقة ضمنية إلى الانخراط فيه، كونها عبارة عن وسيط بصري يحمل في باطنه خطاباً احتجاجياً حتى لو جاء وفق شكل فني أو ميسم جمالي. على هذا الأساس تعتبر الصورة في نظر الباحثين أكثر الخطابات قوة، إذ تتجاوز الكلمة من حيث التأثير، لأن انتشارها يكون واسعاً وسريعاً. فهي لا تأخذ إذاً الناس، بل تقتحم خلوتهم وأجسادهم وعالمهم وتؤثر بطريقة مباشرة في لا وعيهم.

لهذا تعتبر السينما شكلاً من أشكال التفكير المعاصر، لأنها شكل فني مدعو للاشتباك مع الواقع. والحق أن الأنظمة السياسية استغلت هذا السحر الذي تمارسه السينما فعملت على دعمها وشحذ خطابها بأفكار ومقترحات لم تكن تخدم السينما في غالب الأحيان، بل إن كثيراً من المشاهدين لم يتعرفوا على بعض القضايا السياسية إلا من خلال السينما وصورها. وكم من مرة يتحول فيها الفيلم السينمائي إلى أداة لنقد الواقع، وأحياناً أخرى يغدو وسيلة لتبرير أجندات أيديولوجية فاشلة.

تطرح السينما الموضوع من وجهة نظر السيناريست والمخرج، لا بطريقة موضوعية كما يتعامل الباحث أو المؤرخ أو السياسي وغيرهم ممن يشتغلون بالنظام المعرفي، ولكن من زاوية إعادة إنتاج الموضوع. فحين يتعامل المخرج مع فكر أيديولوجي فهو يعطي رأيه فيه، بل يسهم في كثير من المرات في تقديم سردية سينمائية مختلفة. وغالباً ما تكون مؤثرة في المتلقي أكثر من الخطابين المكتوب والشفهي. فحين نشاهد أفلام المخرج كوينتين تارانتينو (1963) نكون عند رؤية سينمائية مغايرة لمفهوم العنف في التاريخ الأميركي. إن أفلامه تنقلك إلى عوالم لم تخطر لك على البال، بل إنها تنظر إلى التاريخ بطريقة راديكالية لا تشبه التاريخ الرسمي، وذلك لأن المخرج لا تهمه الرؤية الخطية للتاريخ، بل يبحث في هذا التاريخ عن حكايات منسية يعيد تخييل أيديولوجياتها وفق قناعته الشخصية. السينما بهذه الطريقة تصبح هي الأخرى أيديولوجيا، ولكن متحررة أكثر من الرقابة الخطية للتاريخ.

يقول الناقد نديم جرجورة “بين السخرية والوقائع والإيقاعات السريعة واللقطات الهادئة يصنع كوينتين تارانتينو فيلماً لن يكون من أفضل أفلامه على رغم امتلاكه حساسيات وجماليات وسحراً. ثقل التاريخ ينتشر في أحداث مبثوثة داخل السياق الحكائي، لكن تارانتينو راغب في كتابة تاريخ آخر بعينيه الثاقبتين الماكرتين. وبنزقه وتمرده وتفلته من قيود اجتماع ومرويات “ثابتة” وبحسه البصري الرائع يسخر من بروس لي، في مشهد مبارزة يدوية بينه وبين كليف بووث الأقوى جسدياً منه. يقول تارانتينو إن أخباراً عديدة تكشف عن تعجرف بروس لي الذي يهزأ من محمد علي كلاي”.

من الأيديولوجي إلى الفني

إن المشكلة التي تطرحها السينما الأيديولوجية هي أنه يصعب فيها أحياناً القبض عن التقاطعات بين الأيديولوجي والسياسي مع الفني والجمالي. إنها سينما مركبة تدمج الأيديولوجيا بالفن وتحاول عبر الفن السابع أن تعيد إشكالية ما إلى النقاش، أو إدانة قضية، أو إعادة الاشتغال سينمائياً على سيرة ذاتية لها ثقلها داخل العلاقات الدولية. وغالب الظن أن هذا النوع من الأفلام السينمائية دائماً ما يكون خالياً من اللمسة الجمالية للمخرج، لأن الخطاب يكون أكبر من الصورة والحكاية، في حين يعمد تارانتينو إلى الاشتغال جيداً على النص من الناحية الأولى، ويشعر المشاهد بهذا الاشتغال على مستوى سردية الأحداث واللعب بالزمن وكثافة الصور، في حين تبقى الأفلام الأخرى عبارة عن خطابات سياسية واهية تحاول تكريس أيديولوجية معينة على حساب أخرى، إذ تبدو هشاشة هذه الأفلام واضحة انطلاقاً من السيناريو الذي يكون متواضعاً وتطغى عليه الصور الإكليشيهات التي يكون صداها أكبر من قيمتها الحقيقية.

لهذا تعد السينما الهوليوودية أكبر السينمات في العالم أيديولوجية. فهي بحكم موقعها السياسي القوي تعمل دائماً على أن تكون في واجهة الحدث الفني. وغالباً ما يتم دعم الأفلام التي تحمل ثقلاً دبلوماسياً فقط من أجل تكريس أيديولوجية معينة. أما الأفلام التي تقدم نقداً حقيقياً للأيديولوجيات الوطنية وميثولوجياتها، فإنها في الغالب لا تحظى بدعم المؤسسات الإنتاجية الأميركية، من ثم يكون الدعم مستقلاً.