
كشفت “المدن” عن قصة مروّعة ضحيتها عائلتي شابين، معتقلين سابقين في سجن صيدنايا، أحدهما مريض عقلي ومن ذوي الاحتياجات الخاصة.
فبعد تحرير سجن صيدنايا، انتشرت صورة لشاب اشتبه أهله بأنه باسل قدور اليحيى، وهو شاب من ريف إدلب ومن ذوي الاحتياجات الخاصة، ظهر في مشفى حرستا وقد تعرّض للتعذيب قبل مقتله، إذ كان قد اعتُقل على حاجز القطيفة قبل 12 عاماً.
وبعد ساعات من التوجّه لدفنه، وبعد أيام من تحرير السجن، تواصلت امرأة مع ذويه مؤكدة أن الشخص الظاهر في الصورة هو ابنها وليس ابنهم، إلا أن عائلة باسل أكدت أنه هو، نظراً للتشابه الكبير بينهما.
منذ أيام، صدرت ورقة من مستشفى ابن سينا تؤكد وفاة باسل قدور اليحيى، بتاريخ اليوم داخل المستشفى، بعد نقله من سجن صيدنايا بسبب معاناته من المرض، حيث طُلب من ذويه استلام جثته، ليُعاد فتح جرح لم يندمل بعد.
ويحاول ذوو الشاب باسل التواصل مع المرأة التي دُفن ابنها على أنه ابنهم، من أجل استلام رفاته بعد تسلّم جثمان ابنهم ودفنه، علماً أن هوية الشاب المدفون لم تُعرف بعد.
قصة الشاب باسل اليحيى
باسل اليحيى، من مواليد بلدة حاس في ريف إدلب عام 1993، يعاني من مرض عقلي. وفي عام 2012، قامت شقيقته بأخذه إلى أحد مستشفيات الأمراض العقلية لتلقّي العلاج، وأثناء عودتهما بالمركبة، أوقفهما أحد الضباط وسأل عنه بعد الاطلاع على بطاقته الشخصية، وذلك بسبب كونه من منطقة كانت تشهد مظاهرات آنذاك.
وتقول شقيقته عائشة اليحيى لـ”المدن إن الضابط أراد اعتقاله، لكنها طلبت منه التأكد من حالته الصحية كونه يعاني من إعاقة، ورغم ذلك قام بضربه وشتمه وشتمها. وبعد نحو شهر، وصلتهم معلومات تفيد بأن شقيقها موجود في سجن صيدنايا.
تضيف عائشة أنها ووالدتها حاولتا مراراً التوسط ودفع مبالغ مالية لإخراجه عبر وسطاء من ضباط النظام، إلا أن الرد كان دائماً بأنه غير موجود، ما دفعهم في النهاية إلى فقدان الأمل والاعتقاد بأنه ربما تمت تصفيته داخل السجن.
تشابه الصور
وتوضح أنه بعد تحرير سجن صيدنايا، انتشرت صورة لمعتقل متوفّى في مستشفى حرستا بعد نقله من السجن، ولم تستطع العائلة تمييزه عن ابنها باسل إطلاقاً بسبب التشابه الكبير جداً، حتى عند زيارته، رغم تشوّه بعض الملامح. ورغم تواصل امرأة معهم بعد استلام الجثة وتأكيدها أن المتوفى هو ابنها، إلا أن العائلة أصرت على أن من دُفن هو ابنهم باسل.
وتشير إلى أن الصدمة الكبرى تمثّلت في انتشار صور وورقة طبية صادرة عن مستشفى ابن سينا للأمراض العقلية، تطلب منهم استلام جثة ابنهم المريض مرفقة بصورته، بعد وفاته داخل المستشفى بتاريخ 29 كانون الثاني/يناير، نتيجة المرض.
وتختم بالقول إنهم لم يخبروا والدتهم بعد، وهم في حيرة من أمرهم بشأن استلام الجثة ودفنها، إذ أن الأم المريضة لا تحتمل رؤية جثة ثانية لابنها بعد أن دفنته بيديها سابقاً.
تأتي هذه القضية في سياق تقارير حقوقية متكرّرة تحدثت عن تعرّض معتقلين، بينهم أشخاص من ذوي الإعاقة الجسدية والعقلية، لانتهاكات جسيمة داخل سجن صيدنايا، شملت التعذيب الممنهج، والإهمال الطبي، والقتل تحت التعذيب. وتشير هذه التقارير إلى أن عدداً من المعتقلين المعاقين جرى احتجازهم لسنوات دون أي مراعاة لحالاتهم الصحية أو النفسية، فيما توفي آخرون نتيجة الظروف القاسية داخل السجن أو بعد نقلهم إلى مشافٍ عسكرية.
مقابر جماعية
ويقول طبيب كان يعمل في مستشفى حمص العسكري، رفض الكشف عن هويته، لـ”المدن إنه كان يصلهم يومياً نحو 20 جثة، جميعها تعرّضت للتعذيب، إلا أن الضباط كانوا يجبرون الأطباء على تسجيل أسباب وفاة أخرى، مثل السل أو السرطان أو الذبحة الصدرية.
ويضيف في تصريحه: “كثير من الضحايا لا يعرف ذووهم مكان دفنهم، إذ يتم تحميل الجثث في سيارات قمامة ثم نقلها إلى مقابر بالقرب من مدينة حمص، حيث يُطلب من حفّاري القبور دفنها جماعياً بعد حفر القبور بواسطة الجرافات”.
ختاماً، تؤكد منظمات حقوقية أن غياب السجلات الرسمية، وعمليات إخفاء الجثث أو استبدالها، يعرقلان معرفة مصير آلاف المعتقلين والمختفين قسرياً، في وقت ما تزال فيه عائلات كثيرة تنتظر أي معلومة عن أبنائها، وسط مطالبات متجددة بفتح تحقيق دولي مستقل ومحاسبة المسؤولين عن هذه الانتهاكات.



