تُعدّ المسألة الكردية في سوريا من أكثر قضايا المشهد السوري حساسيةً وتعقيداً، نتيجة تراكم عقود من السياسات التي انتهجها النظام تجاه الكرد، وما تخلّلها من تهميش ثقافي وسياسي واجتماعي. ورغم هذا الواقع، حافظت القوى السياسية الكردية تقليدياً على درجة من الحذر في علاقتها مع النظام، متجنبةً القطيعة التامة، ومحافظةً على قناة اتصال مفتوحة معه في معظم المراحل، وهو ما شكّل إطاراً مؤثراً في مواقفها اللاحقة مع اندلاع الثورة السورية.
بين الثورة والحياد: قراءة في المرحلة الأولى
مع بدايات الحراك الشعبي في عام 2011، كان واضحاً أن جزءاً واسعاً من الشارع الكردي تعاطف مع مطالب الحرية والكرامة، وانخرط كثير من الشباب الكرد في المظاهرات والأنشطة المدنية. غير أن الأحزاب الكردية الرئيسية اختارت نهجاً أكثر تحفظاً، متخذة موقفاً وسطاً بين النظام والمعارضة. وقد برّرت هذا التوجه بوجود مخاوف تتعلق بمستقبل حقوق الكرد وغياب ضمانات واضحة من قبل المعارضة، إضافة إلى قراءة سياسية تميل إلى الحذر من الانخراط الكامل في مسار غير واضح النتائج.
سواء كانت تلك المبررات مقنعة أم لا، فإنها شكّلت، في وقتها، مساراً سياسياً حاولت الأحزاب من خلاله حماية مكتسبات محدودة والحفاظ على استقلالها التنظيمي.
تبدلات المشهد السوري وتأثيرها على الموقف الكردي
مع مرور السنوات وتعقّد المشهد السوري بدخول قوى دولية وإقليمية، تغيّرت موازين القوى على الأرض. المشاريع السياسية التي أعلنتها بعض القوى الكردية، مثل ” أو “الطريق الثالث”،او شمال شرق سوريا ، واجهت تحديات كبيرة، سواء بفعل التطورات العسكرية أو نتيجة تفاهمات دولية لم تكن لصالحها دائماً.
وفي ضوء هذه التحولات، بدأت بعض القوى الكردية تعيد فتح قنوات التواصل مع النظام من جديد، في محاولة لبحث ترتيبات مستقبلية أو إيجاد صيغة للتعامل مع الواقع القائم. وقد جاء ذلك ضمن سياق أوسع من مراجعة المواقف والتقدير العملي للخيارات المتاحة في ظل تراجع الدعم الدولي وعدم وضوح أفق الحل السياسي.
ما بين الضرورة السياسية وحقوق المكونات
من المهم الإشارة إلى أن أي حوار بين الأطراف السورية، بما في ذلك الكرد والنظام، ليس في جوهره أمراً سلبياً، بل قد يكون خطوة طبيعية في سياق البحث عن حلول وطنية شاملة. غير أن هكذا حوار يحتاج إلى أسس واضحة تضمن حقوق الجميع، وتستند إلى رؤية تتجاوز اعتبارات اللحظة نحو صياغة عقد اجتماعي جديد، يضمن المساواة والاعتراف بالهويات الثقافية واللغوية والسياسية لجميع السوريين.
وفي هذا الإطار، تبدو الحاجة ماسة إلى مقاربة وطنية تراعي مصالح الشعب الكردي بوصفه مكوناً أساسياً من المجتمع السوري، وفي الوقت ذاته تعيد التأكيد على أن مستقبل سوريا لا يمكن أن يُبنى على ترتيبات ثنائية أو معزولة، بل على شراكة حقيقية بين مختلف المكونات.
نحو رؤية مشتركة للمستقبل
تُظهر التجربة السورية خلال السنوات الماضية أنه لا يمكن لأي طرف، بما في ذلك الكرد، أن يحقق مطالبه بمعزل عن باقي السوريين. فالحلول المستدامة تتطلب تعاوناً واسعاً وإرادة سياسية مشتركة لبناء دولة تقوم على العدالة والمواطنة والاعتراف المتبادل.
وبينما تستمر القوى الكردية في مراجعة مواقفها ضمن الظروف الحالية، يبقى الأمل أن تتجه هذه المراجعات نحو رؤية جامعة تعزز وحدة السوريين، وتضع أسساً عادلة لدولة ديمقراطية تعددية، تضمن الحقوق وتصون الكرامة لجميع أبنائها دون استثناء